فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا} (49)

{ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا }

عن قتادة : هم أعداء الله اليهود ، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه ، فقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لا ذنوب لنا ؛ ومما قال ابن زيد : قال أهل الكتاب : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى : ( . . فلا تزكوا أنفسهم هو أعلم بمن اتقى )( {[1421]} ) ؛ وأصل التزكية : التنقية والتبرئة والتنزيه ، في صحيح مسلم ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، قال : سميت ابنتي برة : فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله نهى عن هذا الاسم ، وسُميت برة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم " فقالوا : بم نسميها ؟ فقال : " سموها زينب " ؛ وكأن المنهي عنه في الآية الكريمة وفي الحديث الشريف إنما هو مدح الإنسان نفسه عجبا وافتخارا ولغير غرض صحيح مثل التحدث بنعمة الله تعالى ، أو للترغيب في الاقتداء به إن كان من أهل القدوة ؛ أما التزكي العملي الذي هو تطهير النفس وتنزيهها عن القبائح ، وتنمية حبها لنهج الخير والرشد ، والاستزادة من العمل الصالح ، فهذا هو الفلاح ، وصدق الله العظيم : ( قد أفلح من تزكى ) ( {[1422]} ) ( قد أفلح من زكاها ) ( {[1423]} ) ، وإنها لأمانة بعث بها رسولنا محمد خاتم النبيين عليه الصلوات والتسليم ، يقول مولانا – تقدست أسماؤه- : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . . ) ( {[1424]} ) ، ويقول جل وعز : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . . ) ( {[1425]} ) ، ويقول تبارك و تعالى : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم . . ) ( {[1426]} ) ، وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . . ) ( {[1427]} ) ؛ وإن أريد بالنهي أن لا يزكي بعضنا بعضا ، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ويحك قطعت عنق صاحبك- يقوله مرارا- إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسبه كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا " - فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر ، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة ، فيحمله ذلك على تضييع العمل ، وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " ويحك قطعت عنق صاحبك " ؛ وفي الحديث الآخر : " قطعتم ظهر الرجل " حين وصفوه بما ليس فيه ؛ وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : " احثوا التراب في وجوه المداحين " أن المراد به : المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم ، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه ؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله ، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح ، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه ؛ وهذا راجع إلى النيات : ( . . والله يعلم المفسد من المصلح . . ) ( {[1428]} ) ؛ وقد مُدِحَ صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب ، ولا أمر بذلك ، كقول أبي طالب :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وكمدح العباس وحسان له في شعرهما ، ومَدحه كعب بُن زهير ، ومدح هو أيضا أصحابه ، فقال : " إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع " ؛ وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله " فمعناه : لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي ، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه ، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا ؛ وهذا يقتضي أن من رفع امرءاً فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم-( {[1429]} ) ؛ { ولا يظلمون فتيلا } عن قتادة : الفتيل : الذي في شق النواة ، ) ( يعني بذلك جل ثناؤه : ولا يظلم الله هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يزكون أنفسهم ، ولا غيرهم من خلقه ، فيبخسهم من تركه تزكيتهم وتزكية من ترك تزكيته ، وفي تزكية من زكى من خلقه ، شيئا من حقوقهم ، ولا يضع شيئا في غير موضعه ، ولكنه يزكي من يشاء مِن خلقه فيوفقه ، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه ، كل ذلك إليه وبيده ، وهو في كل ذلك غير ظالم أحدا ممن زكاه أو لم يزكه فتيلا ) ( {[1430]} ) .


[1421]:سورة النجم. من الآية 32.
[1422]:سورة الأعلى. الآية 14.
[1423]:سورة الشمس. الآية 9.
[1424]:سورة آل عمران. من الآية 114.
[1425]:سورة الجمعة.من الآية 2.
[1426]:سورة البقرة.من الآية 151.
[1427]:سورة البقرة. من الآية 129.
[1428]:سورة البقرة.من الآية 220.
[1429]:الجامع لأحكام القرآن؛ بتصرف يسير.
[1430]:جامع البيان.