قوله تعالى : " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه " قيل : المراد بالإنسان هنا الكافر ، قيل : هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك ، تصيبه البأساء والشدة{[8442]} والجهد . " دعانا لجنبه " أي على جنبه مضطجعا . " أو قاعدا أو قائما " وإنما أراد جميع حالاته ؛ لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاثة . قال بعضهم : إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر ، فهو يدعو أكثر ، واجتهاده أشد ، ثم القاعد ثم القائم . " فلما كشفنا عنه ضره مر " أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ .
قلت : وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي ، فالآية تعم الكافر وغيره . " كأن لم يدعنا " قال الأخفش : هي " كأن " الثقيلة خففت ، والمعنى كأنه وأنشد :
وي كأنْ من يكن له نشب يُحْ *** بب ومن يفتقر يعش عيش ضر{[8443]}
" كذلك " أي كما زين لهذا الدعاء عند البلاء والإعراض عن الرخاء . " زين للمسرفين " أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي . وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله ، ويجوز أن يكون من الشيطان ، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر .
ولما بين تعالى أن دأبهم استعجالهم بالخير ، وكان منه استكشاف الضر ، بينَ أن حالهم عنده الاعتراف ، وشكرهم على النجاة منه الإنكار فدأبهم الطغيان والعمه{[37690]} ، وذلك في غاية المنافاة لما يدعونه من رجاحة العقول وأصالة الآراء وسلامة الطباع ، فالحاصل أن الإنسان عند البلاء غير صابر ، وعند الرجاء غير شاكر ، فكأنه قيل : فإذا مس الإنسان منهم الخير كان في غفلة بالفرح والأشر والمرح { وإذا مسَّ الإنسان } منهم { الضر } وإن كان من جهة يتوقعها لطغيان هو فيه ولا ينزع عنه خوفاً مما يتوقعه من حلول الضر لشدة طغيانه وجهله{[37691]} { دعانا } مخلصاً معترفاً بحقنا عالماً بما لنا من كمال العظمة عاملاً بذلك معرضاً عما ادعاه شريكاً لنا كائناً { لجنبه } أي مضطجعاً حال إرادته للراحة ، وكأنه عبر باللام إشارة إلى أن ذلك أسر{[37692]} أحواله إليه { أو قاعداً } أي متوسطاً{[37693]} في أحواله{[37694]} { أو قآئماً } أي في غاية السعي في مهماته ، لا يشغله عن ذلك شيء في حال من الأحوال ، بل يكون ظرف المس بالضر ظرف الدعاء بالكشف{[37695]} ، ويجوز أن يكون عبر بالأحوال الثلاثة عن مراتب الضر ، وقال : لجنبه ، إشارة إلى استحكام الضر وغلبته بحيث لا يستطيع جلوساً كما يقال : فلان لما به ، وأشار بالفاء إلى قرب زمن الكشف فقال : { فلما كشفنا } أي بما لنا من العظمة { عنه ضره } أي{[37696]} الذي دعانا لأجله { مرّ } أي في كل{[37697]} ما يريده لاهياً عنا بكل اعتبار { كأن } أي كأنه { لم يدعنآ } أي على ما كان يعترف به وقت الدعاء من عظمتنا ؛ ولما كان المدعو يأتي إلى الداعي فيعمل ما دعاه لأجله قال : { إلى } أي كشف { ضر مسه } أي كأن لم يكن له بنا معرفة أصلاً فضلاً عن أن يعترف بأنا نحن كشفنا عنه ضره ، فهذه الآية{[37698]} في بيان ضعف الإنسان وسوء عبوديته ، و{[37699]} التي قبلها في بيان قدرة الله وحسن ربوبيته ؛ والمسُ : لقاء من غير فصل ؛ والدعاء : طلب الفعل من القادر عليه ؛ والضر : إيجاب الألم بفعله أو السبب المؤدي إليه .
ولما كان هذا من فعل الإنسان من أعجب العجب . كان كأنه قيل :لم يفعل ذلك ؟ فقيل : لما{[37700]} يزين له من {[37701]}الأمور التي يقع{[37702]} بها الاستدراج{[37703]} لإسرافه . وهذا دأبنا أبداً { كذلك } أي مثل هذا التزيين العظيم الرتبة ؛ ولما كان الضار مطلق التزيين ، بنى للمفعول قوله : { زين للمسرفين } أي كلهم العريقين{[37704]} في هذا الوصف { ما كانوا } أي بجبلاتهم { يعملون } أي يقبلون عليه على سبيل التجديد والاستمرار من المعصية بالكفر وغيره مع ظهور فساده ووضوح ضرره ؛ والإسراف : الإكثار من الخروج عن العدل .
قوله تعالى : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } .
ذلك وصف من الله للبشر ؛ فإنهم ضعاف العزائم والهمم لا يملكون من قوة الاحتمال والصبر إلا أهون مقدار ؛ فهم قلقون جزعون ضجرون بمس الشر لهم . يستوي في ذلك المشركون والفاسقون والعصاة من الناس ، أو غيرهم من ضعفة المسلمين أولي القلوب الخاوية والإيمان الضئيل . إن هؤلاء جميعا إذا أصابتهم الشدة أو نتابهم الجهد دعوا الله مستغيثين به ليكشف عنهم ما أصابهم . يدعونه حال كونهم مضطجعين على جنوبهم أو قاعدين أو قائمين . فلما فرج الله عنهم ما أصابهم من الجهد والبلاء استمروا على طريقتهم الأولى من قبل أن يصيبهم الضر ونسوا ما حل بهم من الكرب والشدة أو تناسوه فلم يشكروا لله الذي فرج عنهم ذلك ؛ بل عادوا للشرك والعصيان والباطل .
وذلك هو ديدن الإنسان المضطرب ذي العزيمة الخائرة والهمة الراقدة الفاترة من ضعفة القلوب والعقيدة . وأولئك الذين يطغي عليهم الهلع ويستحوذ عليهم الذعر والجزع ؛ فيستسلموا للخور والهوان والإياس إذا ما حل بهم البلاء . لكن المؤمنين الصابرين أولي الإيمان المتوطد الراسخ ، والعقيدة المستكنة الثابتة لا يتزعزعون ولا يخرون ولا يستسلمون للهوان أو الشيطان ؛ بل إنهم يمضون على حالهم من الاعتصام بحبل الله المتين يرجونه التمكين والتثبيت والتوفيق .
قوله : { كذالك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } اسم الإشارة في قوله : { كذالك } عائد إلى مصدر الفعل المذكور بعده ؛ أي مثل ذلك التزيين { زين للمسرفين } وهو من الإسراف ، ومعناه التبذير ومجاوزة الحد ، أو ما أنفق في غير طاعة الله{[1949]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.