الأولى : قوله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " ، روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال : يا آل غالب ، اتبعوه تفلحوا ، فو الله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق . وفي حديث - إن أبا طالب لما قيل له : إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية ، قال : اتبعوا ابن أخي ، فو الله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق . وقال عكرمة : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " إلى آخرها ، فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لمورق ، وأعلاه لمثمر ، وما هو بقول بشر ، وذكر الغزنوي : أن عثمان بن مظعون هو القارئ . قال عثمان : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده ، فاستقر الإيمان في قلبي ، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة . . . وذكر تمام الخبر . وقال ابن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ، ولشر يجتنب . وحكى النقاش قال : يقال : زكاة العدل : الإحسان ، وزكاة القدرة : العفو ، وزكاة الغنى : المعروف ، وزكاة الجاه : كَتْبُ الرجل إلى إخوانه .
الثانية : اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان ، فقال ابن عباس : العدل : لا إله إلا الله ، والإحسان : أداء الفرائض . وقيل : العدل : الفرض ، والإحسان : النافلة . وقال سفيان بن عيينة : العدل ها هنا : استواء السريرة ، والإحسان : أن تكون السريرة أفضل من العلانية . علي بن أبي طالب : العدل : الإنصاف ، والإحسان : التفضل . قال ابن عطية : العدل : هو كل مفروض ، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات ، وترك الظلم والإنصاف ، وإعطاء الحق . والإحسان : هو فعل كل مندوب إليه ، فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه ، ومنها ما هو فرض ، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل ، والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان . وأما قول ابن عباس ففيه نظر ؛ لأن أداء الفرائض : هي الإسلام ، حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل ، وذلك هو العدل ، وإنما الإحسان : التكميلات ، والمندوب إليه ، حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . فإن صح هذا عن ابن عباس ، فإنما أراد الفرائض مكملة . وقال ابن العربي : العدل بين العبد وبين ربه : إيثار حقه تعالى على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر . وأما العدل بينه وبين نفسه : فمنعها مما فيه هلاكها ، قال الله تعالى : " ونهى النفس عن الهوى{[10029]} " [ النازعات : 40 ] وعزوب{[10030]} الأطماع عن الأتباع ، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى . وأما العدل بينه وبين الخلق : فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل وكثر ، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن ، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى ، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى .
قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل ، وأما الإحسان فقد قال علماؤنا : الإحسان ، مصدر أحسن يحسن إحسانا . ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أي : حسنته وكلمته ، وهو منقول بالهمزة ، من حسن الشيء . وثانيهما : متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، أي : أوصلت إليه ما ينتفع به . قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا ؛ فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض ، حتى أن الطائر في سجنك ، والسنور في دارك ، لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك ، وهو تعالى غني عن إحسانهم ، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن . وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني ؛ فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ، ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة ، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله ، حالة الشروع وحالة الاستمرار . وهو المراد بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه . ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) . وثانيهما : لا تنتهي إلى هذا ، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : " الذي يراك حين تقوم . وتقلبك في الساجدين{[10031]} " [ الشعراء : 218 - 219 ] وقوله : " إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه{[10032]} " [ يونس : 61 ] .
الثالثة : قوله تعالى : " وإيتاء ذي القربى " ، أي : القرابة ، يقول : يعطيهم المال كما قال : " وآت ذا القربى حقه{[10033]} " [ الإسراء : 26 ] ، يعني : صلته . وهذا من باب عطف المندوب على الواجب ، وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب ، على ما يأتي بيانه . وإنما خص ذا القربى ؛ لأن حقوقهم أوكد ، وصلتهم أوجب ؛ لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه ، وجعل صلتها من صلته ، فقال في الصحيح : ( أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ){[10034]} . ولا سيما إذا كانوا فقراء .
الرابعة : قوله تعالى : " وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " ، الفحشاء : الفحش ، وهو كل قبيح من قول أو فعل . ابن عباس : هو الزنى . والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه ، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها . وقيل : هو الشرك . والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي ، وحقيقته تجاوز الحد ، وهو داخل تحت المنكر ، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ذنب أسرع عقوبة من بغيٍ ) . وقال عليه السلام : ( الباغي مصروع ) . وقد وعد الله من بُغي عليه بالنصر . وفي بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل ، لجعل الباغي منهما دكا . .
الخامسة : ترجم الإمام أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال : ( باب قول الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " وقوله : " إنما بغيكم على أنفسكم{[10035]} " [ يونس : 23 ] ، " ثم بغي عليه لينصرنه الله{[10036]} " ، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ) ، ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن بطال : فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ، كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام : ( أما الله فقد شفاني ، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ) . ووجه ذلك - والله أعلم - : أنه تأول في قول الله تعالى : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " ، الندب بالإحسان إلى المسيء ، وترك معاقبته على إساءته . فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي ؟ قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله : " إنما بغيكم على أنفسكم " ، وضمن تعالى نصرة من بغي عليه ، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ، ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه ، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره ، وقد كان له الانتقام منه بقوله : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به{[10037]} " [ النحل : 126 ] . ولكن آثر الصفح أخذا بقوله : " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور{[10038]} " [ الشورى : 43 ] .
السادسة : تضمنت هذه الآية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد تقدم القول فيهما{[10039]} . روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي ، فحاجها العامل وغلبها ، بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ، ولا جوره في شيء ، فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وإنه عدل ولم يحسن . قال : فعجب أبو جعفر من إصابته ، وعزل العامل .
ولما بين تعالى فضل هذا القرآن بما يقطع حجتهم ، وكان قد قدم فضل من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، أخذ يبين اتصاف القرآن ببيان كل شيء ، وتضمنه لذلك الطريق الأقوم ، فقال تعالى جامعاً لما يتصل بالتكاليف فرضاً ونفلاً ، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموماً وخصوصاً : { إن الله } ، أي : الملك المستجمع لصفات الكمال . { يأمر بالعدل } : وهو الإنصاف الذي لا يقبل عمل يدونه ، وأول درجاته التوحيد الذي بنيت السورة عليه ، والعدل يعتبر تارة في المعنى فيراد به هيئة في الإنسان تطلب بها المساواة ، وتارة في العقل فيراد به التقسيط القائم على الاستواء ، وتارة يقال : هو الفضل كله من حيث إنه لا يخرج شيء من الفضائل عنه ، وتارة يقال : هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر على استعماله في نفسه وفي غيره ، وهو ميزان الله المبرأ من كل زلة ، وبه يستتب أمر العالم ، وبه قامت السماوات والأرض ، وهو وسط كل أطرافه جور ، وبالجملة الشرع مجمع العدل ، وبه تعرف حقائقه ، ومن استقام على نهج الحق فقد استتب على منهج العدل - ذكره الرازي في اللوامع وفيه تلخيص ، وفي آخر الجزء الخامس عشر من الثقفيات : أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه : صف لي العدل ، فقال : كن لصغير الناس أباً ، ولكبيرهم ابناً ، وللمثل أخاً ، وللنساء كذلك ، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم ، ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتعدَّى ، فتكون من العادين . انتهى . { والإحسان } ، وهو فعل الطاعة على أعلى الوجوه ، فالعدل فرض ، والإحسان فضل ، وهو مجاوزة النصفة إلى التحامل على النفس ؛ لأنه ربما وقع في الفرض نقص فجبر بالنفل ، وهو في التوحيد الارتقاء عن أول الدرجات ، ومن أعلاه الغنى عن الأكوان ، وتكون الأكوان في غيبتها عند انبساط نور الحق ، كالنجوم في انطماسها عند انتشار نور الشمس ، وغايته الفناء حتى عن هذا الغنى ، وشهود الله وحده ، وهو التوحيد على الحقيقة ، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وهو روح الإنسانية ، ففي الجزء الثامن من الثقفيات عن عاصم بن كليب الجرمي قال : : " حدثني أبي كليب أنه شهد مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، قال : وأنا غلام أعقل وأفهم ، قال : فانتهى بالجنازة إلى القبر ولما يمكن لها ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول سوّ ذا أو خذ ذا ! قال : حتى ظن الناس أنها سنة ، فالتفت إليهم فقال : أما إن هذا لا ينفع الميت ولا يضره ، ولكن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن " .
( وإيتاء ذي القربى } ، فإنه من الإحسان ، وهو أولى الناس بالبر ، وذلك جامع للاحسان في صلة الرحم .
ولما أمر بالمكارم ، نهى عن المساوىء والملائم فقال تعالى : { وينهى عن الفحشاء } ، وهي ما اشتد تقصيره عن العدل فكان ضد الإحسان . { والمنكر } ، وهو ما قصر عن العدل في الجملة . { والبغي } ، وهو الاستعلاء على الغير ظلماً ، وقال البيضاوي في سورة الشورى : هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتجزأ كمية أو كيفية . وهو من المنكر ، صرح به اهتماماً ، وهو أخو قطيعة الرحم ، ومشارك لها في تعجيل العقوبة . " ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة ، مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم . " رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه رفعه ، وأصل البغي الإرادة ، كأنه صار بفهم هذا المعنى المحظور - المحذور عند حذف مفعوله ؛ لأن الإنسان - لكونه مجبولاً على النقصان - لا يكاد يصلح منه إرادة ، فعليه أن يكون مسلوب الاختيار ، مع الملك الجبار ، الواحد القهار ، فتكون إرادته تابعة لإرادته ، واختياره من وراء طاعته ، وعن الحسن أن الخلقين الأولين ما تركا طاعة إلا جمعاها ، والأخيرين ما تركا معصية إلا جمعاها .
ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل والعفة والشجاعة ، وزاد من الحسن ما شاء ، فإن الإحسان من ثمرات العفة ، والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة ، إذن فيما سواه منها ، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم ، وكان هذا أبلغ وعظ ، نبه عليه سبحانه بقوله تعالى : { يعظكم } ، أي : يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ثلاثة . { لعلكم تذكرون * } ، أي : ليكون حالكم حال من يرجى تذكره ، لما في ذلك من المعالي بما وهب الله من العقل ، الداعي إلى كل خير ، الناهي عن كل ضير ، فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات ، فمن كان له عقل واعتبر بعقله ، علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه ، ويعلم أنه إن لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر ، فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب الأرض ، هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين ، فكيف بالخالق بأن يصفه بما لا يليق به سبحانه ، وعز اسمه ، وتعالى جده ، وعظم أمره .
قوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ( 90 ) } .
روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية ، قرأتها على علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، فتعجب فقال : يا آل غالب ، اتبعوه تفلحوا ؛ فو الله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق .
وفي حديث : إن أبا طالب لما قيل له : إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ، قال : اتبعوا ابن أخي ؛ فو الله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق . وقيل : قرأ النبي ( ص ) على الوليد بن المغيرة : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ، إلى آخر الآية . فقال : يا ابن أخي أعد ! فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لمورق ، وأعلاه لمثمر ، وما هو بقول بشر ! .
وقال عثمان بن مظعون : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله ( ص ) حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده ، فاستقر الإيمان في قلبي ، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة . . . {[2589]} .
فهذه آية من الآيات التي يتدفق منها الإعجاز ، وتفوح منها ريح الجمال والعذوبة ، فضلا عن تزاحم المعاني ما بين أمر ونهي ووعظ وتعقيب . وذلك في غاية التماسك الوثيق ، والترابط المحكم المتسق فيما بين الكلمة وما قبلها وما بعدها . وذلك هو الإعجاز ؛ فالله تعالى يأمر في كتابه الحكيم بالعدل . وقيل : العدل معناه : أن تشهد أن لا إله إلا الله . أما الإحسان فمعناه : الصبر على طاعة الله فيما أمر ونهى ، سواء في الشدة والرخاء ، أو في المكره والمنشط ؛ فتؤدى بذلك فرائضه .
وقيل : المراد بالعدل : القسط ؛ وهو التسوية في الحقوق فيما بين الناس ، وإيصال كل ذي حق إلى حقه بعيدا عن الجور والاعتساف ، والحكم بالظلم والباطل . أما الإحسان ؛ فهو التفضل وفعل كل مندوب إليه . وتلك هي شريعة العدل والفضل ، وهما عنصران يكمل أحدهما الآخر ، بما يميز شريعة الإسلام عن سائر الشرائع التي عرفتها البشرية ، وذلك هو التوازن المطلق الذي يجتمع فيه العدل بتحصيل الحقوق ، والفضل وهو العفو والتسامح في بر ومودة وسخاء . لاجرم أن ذلك خلق المسلمين الأفاضل الذين ترقى طبائعهم فوق حظوظ أنفسهم لتسمو إلى الدرجات من المعالي ، فيكونون في عداد الأطهار الأبرار من الناس .
وتستبين صورة التوازن بين العدل والفضل في شريعة الإسلام بمثل قوله عز وعلا : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) ، وقوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) وقوله : ( والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ) ، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على شريعة العدل والفضل في هذا الدين الكامل .
قوله : ( وإيتاء ذي القربى ) ، ذلك أمر من الله بإعطاء ذوي القرابة ما أوجب الله لهم من الحقوق والصلة .
قوله : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) ، ( الفحشاء ) ، يعني : الزنا ، وما يشتد قبحه من الذنوب ، وكل ما نهى الله عنه{[2590]} . وأما ( المنكر ) : فهو ما أنكره الشرع بالنهي عنه . فهو بذلك يعم سائر المعاصي والمناهي على اختلاف أنواعها . وأما ( البغي ) ، فهو في الأصل بمعنى التعدي ، وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء{[2591]} ، ومعناه ههنا : الكبر والظلم والعدوان على الناس . وفي الحديث : " ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " .
قوله : ( يعظكم لعلكم تذكرون ) ، أي : يذكركم الله لتتعظوا بمواعظه ؛ وتنيبوا إليه مخبتين مذعنين{[2592]} .