الأولى : قوله تعالى : " ولا يحسبن الذين " " الذين " {[3735]} في موضع رفع ، والمفعول الأول محذوف . قال الخليل وسيبويه والفراء المعنى البخل خيرا لهم ، أي لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم . وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل ، وهو كقوله : من صدق كان خيرا له . أي كان له الصدق خيرا له . ومن هذا قول الشاعر :
إذا نُهِي السفيه جرى إليه *** وخالَفَ والسفيه إلى خِلافِ
فالمعنى : جرى : إلى السفه ، فالسفيه دل على السفه . وأما قراءة حمزة بالتاء فبعيدة جدا ، قاله النحاس . وجوازها أن يكون التقدير : لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم . قال الزجاج : وهي مثل " واسأل القرية " . و " هو " في قوله " هو خيرا لهم " فاصلة عند البصريين . وهي العماد عند الكوفيين . قال النحاس : ويجوز في العربية " هو خير لهم " ابتداء وخبر .
الثانية : قوله تعالى : " بل هو شر لهم " ابتداء وخبر ، أي البخل شر لهم . والسين في " سيطوقون " سين الوعيد ، أي سوف يطوقون ، قاله المبرد . وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله ، وأداء الزكاة المفروضة . وهذه كقوله : " ولا ينفقونها في سبيل الله " [ التوبة : 34 ] الآية . ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين ، منهم ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسدي والشعبي قالوا : ومعنى " سيطوقون ما بخلوا به " هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا{[3736]} أقرع{[3737]} له زبيبتان{[3738]} يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه{[3739]} ثم يقول أنا مالك أنا كنزك - ثم تلا هذه الآية - " ولا يحسبن الذين يبخلون " الآية ) . أخرجه النسائي{[3740]} . وخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع حتى يطوق به في عنقه ) ثم قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله تعالى : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله " الآية . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ{[3741]} حتى يطوقه ) . وقال ابن عباس أيضا : إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل العلم . ومعنى " سيطوقون " على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به ، فهو من الطاقة كما قال تعالى : " وعلى الذين يطيقونه " [ البقرة : 184 ] وليس من التطويق . وقال إبراهيم النخعي : معنى " سيطوقون " سيجعل لهم يوم القيامة طوق من النار . وهذا يجري مع التأويل الأول [ أي ]{[3742]} قول السدي . وقيل : يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق ، يقال : طوق فلان عمله طوق الحمامة ، أي ألزم عمله . وقد قال تعالى : " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " {[3743]} [ الإسراء : 13 ] . ومن هذا المعنى قول عبد الله بن جحش لأبي سفيان :
أبلغ أبا سفيان عن *** أمرٍ عواقبُه ندامهْ
دارَ{[3744]} ابن عمك بعتَها *** تقضي بها عنك الغَرَامَهْ
وحليفكم بالله رب *** الناس مجتهدُ القَسَامهْ
اذهب بها اذهب بها *** طُوِّقْتَها طوقَ الحمامة
وهذا يجري مع التأويل الثاني . والبُخْل والبَخَل في اللغة أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه . فأما من منع مالا يجب عليه فليس ببخيل ؛ لأنه لا يذم بذلك . وأهل الحجاز يقولون : يبخلون وقد بخلوا . وسائر العرب يقولون : بخلوا يبخلون . حكاه النحاس . وبخل يبخل بخلا وبخلا ، عن ابن فارس .
الثالثة : في ثمرة البخل وفائدته . وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : ( من سيدكم ؟ ) قالوا الجد بن قيس على بخل فيه . فقال صلى الله عليه وسلم : ( وأي داء أدوى{[3745]} من البخل ) قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال : ( إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا : ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء ، وتعتذر النساء ببعد الرجال ، ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء ) ذكره الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين " . والله أعلم .
الرابعة : واختلف في البخل والشح ، هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين . فقيل : البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك . والشح : الحرص على تحصيل ما ليس عندك . وقيل : إن الشح هو البخل مع حرص . وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) . وهذا يرد قول من قال : إن البخل منع الواجب ، والشح منع المستحب . إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم ، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة{[3746]} . ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم أبداً ، ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم أبدا ) . وهذا يدل على أن الشح أشد في الذم من البخل ، إلا أنه قد جاء ما يدل على مساواتهما وهو قوله - وقد سئل : أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال : ( لا ) وذكر الماوردي في كتاب " أدب الدنيا والدين " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : ( من سيدكم ) قالوا : الجد بن قيس عل بخل فيه ، الحديث . وقد تقدم .
قوله تعالى : " ولله ميراث السماوات والأرض " أخبر تعالى ببقائه ودوام ملكه . وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين ، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم ، فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها . فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق ، وليس هذا بميراث في الحقيقة ؛ لأن الوارث{[3747]} في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل ، والله سبحانه وتعالى مالك السموات والأرض وما بينهما ، وكانت السموات وما فيها ، والأرض وما فيها له ، وإن الأموال كانت عارية عند أربابها ، فإذا ماتوا ردت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل . ونظير هذه الآية قوله تعالى : " إنا نحن نرث الأرض ومن عليها " {[3748]} [ مريم : 40 ] الآية . والمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى ، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا .
ولما كان من جملة مباني {[19946]}السورة الإنفاق{[19947]} ، وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم{[19948]} عليه ، وتقدم{[19949]} أن الكفار سارعوا في الكفر : أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة ، ونعيم أو عبد القيس بالسعي في ذلك . وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال ، وكان الله سبحانه وتعالى قد أخبر بما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه ، والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله ، ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال راداً{[19950]} الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد : { ولا تحسبن } أي أنت يا خير البرية - هذا على قراءة حمزة ، وعند الباقين{[19951]} الفاعل الموصول في قوله : { الذين يبخلون } أي عن الحقوق الشرعية { بما{[19952]} آتاهم الله } أي بجلاله وعز كماله{[19953]} { من فضله } أي لا لاستحاقهم له ببخلهم{[19954]} { هو خيراً لهم } أي لتثمير{[19955]} المال بذلك { بل هو } أي البخل { شر لهم } لأنهم مع جعل الله البخل مَتلفة لأموالهم { سيطوقون } أي يفعل بفعل من يأمره بذلك كائناً من كان بغاية السهولة عليه { ما بخلوا به } أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم طوقاً بأن يجعله{[19956]} شجاعاً أي حية{[19957]} عظيمة مهولة{[19958]} ، تلزم الإنسان منهم ، محيطة بعنقه ، تضربه في جانبي وجهه { يوم القيامة } لأن الله سبحانه وتعالى يرثه منهم بعد أن كان خوّلهم فيه ، فيجعله بسبب ذلك التخويل{[19959]} عذاباً عليهم{[19960]} ، روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله{[19961]} شجاعاً أقرع ، له زبيبتان ، يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه{[19962]} - يقول : أنا مالك ! أنا كنزك ! - ثم تلا هذه الآية " . ولما كان هذا طلباً منهم للإنفاق ، وكان الطالب منا محتاجاً إلى ما يطلبه ، وكان ذو المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه ؛ أخبر تعالى بغناه على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفاً على ما تقديره : لأنه ثمرة كونه من فضله فلله كل ما في أيديهم : { ولله } أي الذي له{[19963]} الكمال كله { ميراث السماوات والأرض } أي اللذين{[19964]} هذا مما فيهما ، بأن يعيد سبحانه وتعالى جميع الأحياء وإن أملى لهم ، ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض ، ويكون هو الوارث لذلك كله .
ولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات دنيا وأخرى ، وكان البخل من الأفعال الباطنة التي يستطاع{[19965]} إخفاؤها ودعوى الاتصاف بضدها كان الختم بقوله : { والله } أي الملك الأعظم . ولما كان منصب النبي صلى الله عليه وسلم الشريف في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو{[19966]} ، وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى السياق من الغيبة في قراءتهما ، وقدم الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم بالغ إلى حد لا تدرك{[19967]} عظمته لأن ذلك أبلغ في الوعيد الذي اقتضاه السياق : { بما تعملون خبير * } .
قوله : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو مخيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) قال جمهور المفسرين : إن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة وفي البخل بالمال والإنفاق .
وقوله : ( ولا يحسبن الذين ) ( الذين ) فاعل . والمفعول به الأول محذوف . فيكون التقدير : ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم . والضمير ( هو ) ، مبتدأ وشر خبره .
والآية تتضمن ذما للبخل ووعيدا للبخلاء . والمعنى : لا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم فيه خير لهم فيدفع عنهم غائلة الفاقة والعوز ويحقق لهم البحبوحة واليسر ، له عكس ذلك صحيح . فإن البخل شر أيما شر . إنه شر الحرمان في هذه الدنيا ، الحرمان من محبة الناس ودعائهم الرقيق الحاني المستجاب ، وامتعاض نفوسهم من الأشحة المنبوذين ، الأشحة الذين تنفر منهم طبائع الخليقة وتتقزز منهم نفوس البشر سواء فيهم الأقارب والأباعد ، أما في الآخرة فهنالك الخسران الأكبر ؛ لما يلاقيه البخلاء الأشحة من ضروب الويل والتنكيل . وفي ذلك يأتي التعبير القرآني على غاية ما يكون فيه الكلام المؤثر الزاجر ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) أي ( سيطوقون ) ما بخلوا به من نار . أو أن هذه الأموال التي بخلوا بها تصير أطواقا حول أعناقهم . ويمكن أن يكون الطوق من نار أو من حبات تلتوي في أعناقهم . وفي هذا أخرج البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ، يأخذ بلهزيمه – يعني شدقيه- يقول : أنا مالك أنا كنزك . ثم تلا هذه الآية ( ولا يحسبن الذين يبخلون ) {[646]} .
قوله : ( ولله ميراث السماوات والأرض ) الله جلت قدرته هو مالك الأولين والآخرين ، وهو مالك كل شيء ، بل ما في الوجود كله من أملاك وأشياء . وفي ذلك السماوات والأرض ، الله تعالى مالكهما . ولئن ملك الناس من كراع الدنيا ولعاعتها شيئا فإنما ذلك ملك مؤقت إلى حين وعلى سبيل المجاز . لكن مالك ذلك على الحقيقة والديمومة هو الله . حتى إذا أزفت الساعة ووقعت الواقعة ذهب الناس المالكون وبقي المال من ورائهم . وبقي المالك الحقيقي وحده . المالك الإله المتفرد الديان . وذلك مقتضى قوله : ( ولله ميراث السماوات والأرض ) .
وقيل في تأويل الآية : إن الله له ما في السماوات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره فما لهم يبخلون على الله بملكه ولا ينفقونه في سبيله . وذلك كقوله : ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) .
قوله : ( والله بما تعلمون خبير ) الله يعلم هؤلاء الأشحة الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله فيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من جزاء{[647]} .