الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

فيه تسع مسائل :

الأولى : خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب " قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ) . وعن أبي غالب قال : كنت أمشي مع أبي أمامة وهو على حمار له ، حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة ، فقال : ما هذه الرؤوس ؟ قيل : هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق فقال أبو أمامة : كلاب النار كلاب النار كلاب النار ، شر قتلى تحت ظل السماء ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه - يقولها ثلاثا - ثم بكى فقلت : ما يبكيك يا أبا أمامة ؟ قال : رحمة لهم ، ( إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه ، ثم قرأ " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات . . . " إلى آخر الآيات . ثم قرأ " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات . . . " {[2838]} [ آل عمران : 105 ] . فقلت : يا أبا أمامة ، هم هؤلاء ؟ قال نعم . قلت : أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إني إذا لجريء إني إذا لجريء ! بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع ، ووضع أصبعيه في أذنيه ، قال : وإلا فصُمَّتا - قالها ثلاثا - ) ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدةً واحدةٌ في الجنة وسائرهم في النار ) .

الثانية : اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة ، فقال جابر بن عبد الله ، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما : ( المحكمات من أي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه ، قال بعضهم : وذلك مثل وقت قيام الساعة ، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى ، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور ) .

قلت : هذا أحسن ما قيل في المتشابه . وقد قدمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم ( أن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء . . . ) الحديث . وقال أبو عثمان : المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها . وقال محمد بن الفضل : سورة الإخلاص ؛ لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط . وقد قيل : القرآن كله محكم : لقوله تعالى : " كتاب أحكمت آياته " {[2839]} [ هود : 1 ] . وقيل : كله متشابه ؛ لقوله : " كتابا متشابها " {[2840]} [ الزمر : 23 ] . قلت : وليس هذا من معنى الآية في شيء ؛ فإن قوله تعالى : " كتاب أحكمت آياته " أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله . ومعنى " كتابا متشابها " ، أي يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً . وليس المراد بقوله : " آيات محكمات " " وأخر متشابهات " هذا المعنى ، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه ، من قوله : " إن البقر تشابه علينا " {[2841]} [ البقرة : 70 ] أي التبس علينا ، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر . والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا ، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً . وقيل : إن المتشابه ما يحتمل وجوها ، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما . فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع ؛ والمتشابه هو الفرع . وقال ابن عباس : المحكمات هو قوله في سورة الأنعام " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " {[2842]} [ الأنعام :151 ] إلى ثلاث آيات ، وقوله في بني إسرائيل : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " {[2843]} [ الإسراء 23 ] قال ابن عطية : وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات . وقال ابن عباس أيضا : ( المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به ، والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ) وقال ابن مسعود وغيره : ( المحكمات الناسخات ، والمتشابهات المنسوخات ) وقاله قتادة والربيع والضحاك . وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه . والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد ، وقاله مجاهد وابن إسحاق . قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية . قال النحاس : أحسن ما قيل في المحكمات ، والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره ، نحو " لم يكن له كفوا أحد " {[2844]} [ الإخلاص : 4 ] " وإني لغفار لمن تاب " {[2845]} [ طه : 82 ] . والمتشابهات نحو " إن الله يغفر الذنوب جميعا " {[2846]} [ الزمر : 53 ] يرجع فيه إلى قوله جل وعلا : " وإني لغفار لمن تاب " [ طه : 82 ] وإلى قوله عز وجل : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " {[2847]} [ النساء : 48 ] .

قلت : ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية ، وهو الجاري على وضع اللسان ، وذلك أن المحكَم اسم مفعول من أُحْكِم ، والإحكام الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد ، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال . والله أعلم . وقال ابن خويز منداد : للمتشابه وجوه ، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى ، كقول علي وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أقصى الأجلين . فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل ويقولون : ( سورة النساء{[2848]} القصرى نسخت أربعة أشهر وعشرا ) وكان علي وابن عباس يقولان لم تنسخ . وكاختلافهم في الوصية للوارث هل نسخت أم لم تنسخ . وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه ؛ كقوله تعالى : " وأحل لكم ما وراء ذلكم " {[2849]} [ النساء : 24 ] يقتضي الجمع بين الأقارب من ملك اليمين ، وقوله تعالى : " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " {[2850]}[ النساء : 23 ] يمنع ذلك . ومنه أيضا تعارض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وتعارض الأقيسة ، فذلك المتشابه . وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم{[2851]} محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير ؛ لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه . والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعا ، كما قرئ : " وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم " [ المائدة : 6 ] بالفتح والكسر ، على ما يأتي بيانه " في المائدة " {[2852]} إن شاء الله تعالى .

الثالثة : روى البخاري{[2853]} عن سعيد بن جبير قال : قال رجل{[2854]} لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي . قال : ما هو ؟ قال : " فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " {[2855]} [ المؤمنون : 101 ] وقال : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " {[2856]} [ الصافات : 27 ] وقال : " ولا يكتمون الله حديثا " {[2857]} [ النساء :42 ] وقال : " والله ربنا ما كنا مشركين " {[2858]} [ الأنعام : 23 ] فقد كتموا في هذه الآية . وفي النازعات " أم السماء بناها " إلى قوله " دحاها " {[2859]} [ النازعات : 27 - 28 - 29 - 30 ] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ، ثم قال : " أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين . . . إلى : طائعين " {[2860]} [ فصلت :9 ، 0 1 ، 11 ] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء . وقال : " وكان الله غفورا رحيما " {[2861]}[ النساء : 100 ] " وكان الله عزيزا حكيما " {[2862]} [ النساء : 158 ] . " وكان الله سميعا بصيرا " {[2863]} [ النساء :134 ] فكأنه كان ثم مضى . فقال ابن عباس : ( " فلا أنساب بينهم " في النفخة الأولى ، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون . وأما قوله : " ما كنا مشركين " " ولا يكتمون الله حديثا " فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، وقال المشركون : تعالوا نقول : لم نكن مشركين ، فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم ، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا ، وعنده يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . وخلق الله الأرض في يومين ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين ، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى ، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين ؛ فذلك قوله : " والأرض بعد ذلك دحاها " . فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام ، وخلقت السماء في يومين . وقوله : " وكان الله غفورا رحيما " يعني نفسه ذلك ، أي لم يزل ولا يزال كذلك ، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد . ويحك فلا يختلف عليك القرآن ، فإن كلا من عند الله ) .

الرابعة : قوله تعالى : " وأخر متشابهات " لم تصرف " أُخر " لأنها عدلت عن الألف واللام ؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر ؛ فلما عدلت عن مجرى الألف واللام منعت الصرف . أبو عبيد : لم يصرفوها ؛ لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة . وأنكر ذلك المبرد وقال : يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش . الكسائي : لم تنصرف لأنها صفة . وأنكره المبرد أيضا وقال : إن لبداً وحطماً صفتان وهما منصرفان . سيبويه : لا يجوز أن تكون أخر معدولة عن الألف واللام ؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة ، ألا ترى أن سَحَرَ{[2864]} معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر ، وأمْسِ في قول من قال : ذهب أمس معدولا عن الأمس ، فلو كان أخر معدولا أيضا عن الألف واللام لكان معرفة ، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة .

الخامسة : قوله تعالى : " فأما الذين في قلوبهم زيغ " الذين رفع بالابتداء ، والخبر " فيتبعون ما تشابه منه " . والزيغ الميل ، ومنه زاغت الشمس ، وزاغت الأبصار . ويقال : زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد ، ومنه قوله تعالى : " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " {[2865]} [ الصف : 5 ] . وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة ، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران . وقال قتادة في تفسير قوله تعالى : " فأما الذين في قلوبهم زيغ " : إن لم يكونوا الحرورية{[2866]} وأنواع الخوارج فلا أدري من هم .

قلت : قد مر هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعا ، وحسبك .

السادسة : قوله تعالى : " فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه : متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام ، كما فعلته الزنادقة والقرامطة{[2867]} الطاعنون في القرآن ، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه ، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع ، تعالى الله عن ذلك ، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها ، أو كما فعل صبيغ{[2868]} حين أكثر على عمر فيه السؤال .

فهذه أربعة أقسام :

( الأول ) لا شك في كفرهم ، وإن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة . ( الثاني ) الصحيح{[2869]} القول بتكفيرهم ، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد .

( الثالث ) اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها . وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها ، فيقولون أمروها كما جاءت . وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها .

( الرابع ) الحكم فيه الأدب البليغ ، كما فعله عمر بصبيغ . وقال أبو بكر الأنباري : وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن ؛ لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير ، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب ؛ إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل . فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عِسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل . فلما حضر قال له عمر : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبيغ . فقال عمر رضي الله عنه : وأنا عبد الله عمر ، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي . وقد اختلفت الروايات في أدبه ، وسيأتي ذكرها في " الذاريات " . ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته .

ومعنى " ابتغاء الفتنة " طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم ، ويردوا الناس إلى زيغهم . وقال أبو إسحاق الزجاج : معنى " ابتغاء تأويله " أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم ، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله . قال : والدليل على ذلك قوله تعالى : " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله " أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب " يقول الذين نسوه من قبل " أي تركوه - " قد جاءت رسل ربنا بالحق " {[2870]} [ الأعراف : 53 ] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل قال : فالوقف على قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله .

السابعة : قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " يقال : إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أحطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : بلغنا أنه نزل عليك " آلم " فإن كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة ؛ لأن الألف في حساب الجمل واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فنزل " وما يعلم تأويله إلا الله " . والتأويل يكون بمعنى التفسير ، كقولك : تأويل هذه الكلمة على كذا . ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه . واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه ، أي صار . وأولته تأويلا أي صيرته . وقد حده بعض الفقهاء فقالوا : هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه . فالتفسير بيان اللفظ ؛ كقوله " لا ريب فيه " [ البقرة : 2 ] أي لا شك . وأصله من الفسر وهو : البيان ، يقال : فسرت الشيء ( مخففا ) أفسره ( بالكسر ) فسرا . والتأويل : بيان المعنى ، كقوله لا شك فيه عند المؤمنين ، أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك . وكقول ابن عباس في الجد أبا ؛ لأنه تأول قول الله عز وجل : " يا بني آدم " .

الثامنة : قوله تعالى : " والراسخون في العلم " اختلف العلماء في " والراسخون في العلم " هل هو ابتداء كلام مقطوع مما قبله ، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع . فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله ، وأن الكلام تم عند قوله " إلا الله " هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم{[2871]} . قال أبو نهيك الأسدي : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة . وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم " آمنا به كل من عند ربنا " . وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز ، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس . و " يقولون " على هذا خبر " الراسخون " . قال الخطابي : وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين : محكما ومتشابها ، فقال عز من قائل : " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . . . إلى قوله : كل من عند ربنا " فأعلم أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه ، فلا يعلم تأويله أحد غيره ، ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به . ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه . ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " وأن ما بعده استئناف كلام آخر ، وهو قوله " والراسخون في العلم يقولون آمنا به " . وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة . وإنما روي عن مجاهد أنه نسق " الراسخون " على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه . واحتج له بعض أهل اللغة فقال : معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا ، وزعم أن موضع " يقولون " نصب على الحال . وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه ؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا ، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل ، فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال ، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال : عبد الله راكبا ، بمعنى أقبل عبدالله راكبا ، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله : عبدالله يتكلم يصلح بين الناس ، فكان " يصلح " حالا له ، كقول الشاعر - أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب - :

أرسلت فيها قَطِماً لُكَالِكَا{[2872]} *** يَقْصُرُ يمشي ويطول بَارِكا

أي يقصر ماشيا ، فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده ، وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك . ألا ترى قوله عز وجل : " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله " {[2873]} [ النمل : 65 ] وقوله : " لا يجليها لوقتها إلا هو " {[2874]} [ الأعراف : 187 ] وقوله : " كل شيء هالك إلا وجهه " {[2875]} [ القصص : 88 ] ، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه فيه غيره . وكذلك قوله تبارك وتعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " . ولو كانت الواو في قوله : " والراسخون " {[2876]} للنسق لم يكن لقوله : " كل من عند ربنا " فائدة . والله أعلم .

قلت : ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل ، وأنهم داخلون في علم المتشابه ، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به ، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم . و " يقولون " على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين ، كما قال :

الريح تبكي شَجْوَهَا *** والبرق يلمع في الغَمَامَه

وهذا البيت يحتمل المعنيين ، فيجوز أن يكون " والبرق " مبتدأ ، والخبر " يلمع " على التأويل الأول ، فيكون مقطوعا مما قبله . ويجوز أن يكون معطوفا على الريح ، و " يلمع " في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا . واحتج قائلو هذه المقالة أيضا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم ، فكيف يمدحهم وهم جهال وقد قال ابن عباس : ( أنا ممن يعلم تأويله ) وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممن يعلم تأويله ، حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي .

قلت : وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال : وتقدير تمام الكلام " عند الله " أن معناه : وما يعلم تأويله إلا الله يعني : تأويل المتشابهات ، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه . فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا ، وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا فإن قال قائل : قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس : ( لا أدري ما الأواه ولا ما غسلين ) قيل له : هذا لا يلزم ؛ لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه . وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر . ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك ، وفي قوله عليه السلام لابن عباس : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) ما يبين لك ذلك ، أي علمه معاني كتابك . والوقف على هذا يكون عند قوله " والراسخون في العلم " . قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وهو الصحيح ، فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب . وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع ! . لكن المتشابه يتنوع ، فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه ، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره . فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع ، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم ؛ كقوله في عيسى : " وروح منه " {[2877]}[ النساء : 171 ] إلى غير ذلك . فلا يسمى أحد راسخا إلا أن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له . وأما من يقول : إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل ، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح . والرسوخ : الثبوت في الشيء ، وكل ثابت راسخ . وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ؛ قال الشاعر :

لقد رسخت في الصدر مني مودة *** لليلى أبَتْ آياتُها أن تَغَيَّرَا

ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا . وحكى بعضهم : رسخ الغدير : نضب ماؤه ، حكاه ابن فارس فهو من الأضداد . ورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال : ( هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ) . فإن قيل : كيف كان في القرآن متشابه والله يقول : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " {[2878]} [ النحل : 44 ] فكيف لم يجعله كله واضحا ؟ قيل له : الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يظهر فضل العلماء ؛ لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض . وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا ، ويترك للجُثْوَةِ{[2879]} موضعا ، لأن ما هان وجوده قل بهاؤه . والله أعلم .

التاسعة : قوله تعالى : " كل من عند ربنا " فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه ، والتقدير : كله من عند ربنا . وحذف الضمير لدلالة " كل " عليه ؛ إذ هي لفظة تقتضي الإضافة . ثم قال : " وما يذكر إلا أولوا الألباب " أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب ، وهو العقل . ولب كل شيء خالصه ، فلذلك قيل للعقل لب . و " أولو " جمع ذو .


[2838]:- راجع هذا الجزء ص 166.
[2839]:- راجع جـ9 ص 2.
[2840]:- راجع جـ15 ص 148.
[2841]:- راجع جـ1 ص 451.
[2842]:- راجع جـ7 ص 130 فما بعد.
[2843]:- راجع جـ10 ص 248.
[2844]:- راجع جـ20 ص 246.
[2845]:- راجع جـ11 ص 123.
[2846]:- راجع جـ15 ص 267.
[2847]:- راجع جـ5 ص 245.
[2848]:- هي سورة الطلاق. ومراده منها "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" آية 4.
[2849]:- راجع جـ5 ص 116 و 124.
[2850]:-راجع جـ5 ص 116 و 124.
[2851]:- في نسخة: : ب، الأمر.
[2852]:- راجع جـ6 ص80
[2853]:- الحديث في البخاري في كتاب التفسير (سورة السجدة). وبين ما في البخاري وما في الأصول اختلاف في بعض الكلمات.
[2854]:- هو نافع ابن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج (القسطلاني)
[2855]:- راجع 12 ص 151.
[2856]:- راجع جـ15 ص 81
[2857]:- راجع جـ5 ص 198.
[2858]:- راجع جـ6 ص 401
[2859]:- راجع جـ19 ص 201 فما بعد.
[2860]:راجع جـ15 ص 342.
[2861]:- سورة النساء 13. عبارة البخاري (سمى نفسه)
[2862]:- سورة النساء 13
[2863]:- سورة النساء 13
[2864]:- أي إذا أردت به سحر ليلتك، فإن نكرته صرفته.
[2865]:- راجع جـ18 ص 82.
[2866]:- راجع الهامشة 2 جـ2 ص 251.
[2867]:- القرامطة: فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون بنوة زرادشت ومزدك وماني، وكان يبيحون المحرمات. (راجع عقد الجمان للعيني في حوادث سنة 278).
[2868]:- صبيغ (وزان أمير) بن شريك بن المنذر بن قطن بن قشع بن عسل (بكسر العين) بن عمرو بن يربوع التميمي، وقد ينسب إلى جده الأعلى فيقال: صبيغ بن عسل. راجع القاموس وشرحه مادة "صبغ وعسل".
[2869]:- الزيادة من نسخ: ب، ز،د.
[2870]:- راجع جـ7 ص 217.
[2871]:- الزيادة من نسخة: جـ.
[2872]:- في الأصول: "أرسلت فيها رجلا" والتصويب عن اللسان وشرح القاموس. والقطم: الغضبان؛ وفحل قطم وقطم وقطيم: صؤول. والقطم أيضا: المشتهي اللحم وغيره. واللكالك (بضم اللام الأولى وكسر الثانية): الجمل الضخم المرمى باللحم. قال أبو علي الفارسي: "يقصر إذا مشى لانخفاض بطنه وضخمه وتقاربه من الأرض، فإذا برك رأيته طويلا لارتفاع سنامه، فهو باركا أطول منه قائما". (اللسان لكك).
[2873]:- راجع جـ13 ص 225.
[2874]:- راجع جـ7 ص 335.
[2875]:- راجع جـ13 ص 322.
[2876]:- في الأصول: "والراسخون معا للنسق".
[2877]:- راجع جـ6 ص 21.
[2878]:- راجع جـ10 ص 108.
[2879]:- كذا وردت هذه الكلمة في أكثر الأصول، وفي بعضها وردت بهذا الرسم من غير إعجام، ومعناها: الجماعة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

ولما ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال{[14661]} القدرة والحكمة المقتضي لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم{[14662]} لكمال العلم ، تقديراً لما مر من التصوير وغيره ، وكان هذا الكتاب أكمل مسموعات{[14663]} العباد لنزوله{[14664]} على وجه هو أعلى الوجوه ، ونظمه على أسلوب أعجز الفصحاء وأبكم البلغاء إلى غير ذلك من الأمور الباهرة والأسرار الظاهرة ، وعلى عبد هو أكمل الخلق ؛ أعقب الوصفين بقوله بياناً لتمام علمه وشمول قدرته : { هو } أي وحده { الذي } ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم والتشابه نظر إليه جملة كما اقتضاه التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون التنزيل فقال : { أنزل عليك } أي خاصة { الكتاب } أي القرآن ، وقصر{[14665]} الخطاب على{[14666]} النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا موضع{[14667]} الراسخين وهو رأسهم دلالة على أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره . قال الحرالي : ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله سبحانه وتعالى مناظرة بسورة البقرة فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه وتعالى كان المنتظم بمنزل{[14668]} فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة ، فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب هو{[14669]} الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر كتاب الخلق الذي هو القدر ، فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي قدره وكتبه في ذوات من مؤمن وكافر{[14670]} ومردد{[14671]} بينهما هو المنافق فتنزلت{[14672]} سورة كتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي إلى أصل منزل الكتاب الوحي ؛ ولما بين أمر الخلق أن منهم من فطره{[14673]} على الإيمان ومنهم من جبله على الكفر{[14674]} ومنهم من أناسه بين الخلقين ، بين في الكتاب أن منه ما أنزله على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه ؛ وفي إفهامه ما أنزله على الافتنان والإضلال بمنزلة ختم الكفار ؛ انتهى فقال : { منه آيات محكمات } أي لا خفاء بها .

قال الحرالي : وهي التي أبرم حكمها فلم ينبتر{[14675]} كما يبرم{[14676]} الحبل الذي يتخذ{[14677]} حكمة{[14678]} أي زماماً يزم به الشيء الذي يخاف{[14679]} خروجه عن الانضباط ، كأن الآية المحكمة تحكم{[14680]} النفس عن جولانها{[14681]} وتمنعها عن جماحها{[14682]} وتضبطها إلى محال مصالحها ، ثم قال : فهي آي التعبد{[14683]} من الخلق للخلق اللائي{[14684]} لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة ، فهن لذلك أم انتهى .

ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد بعض معانيه إلى بعض كالشيء الواحد ، وكان رد المتشابه{[14685]} إليه في غاية السهولة لمن رسخ إيمانه وصح{[14686]} قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئاً واحداً أخبر عن الجمع بالمفرد فقال : { هن أم الكتاب } والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد ، وقال الحرالي : هي الأصل المقتبس{[14687]} منه الشيء في {[14688]}الروحانيات والنابت{[14689]} منه أو فيه في الجسمانيات{[14690]} { وأخر } أي منه { متشابهات } قال الحرالي : والتشابه{[14691]} تراد التشبه{[14692]} في ظاهر أمرين لشبه{[14693]} كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفى خصوص كل واحد منهما{[14694]} ؛ ثم{[14695]} قال : وهن{[14696]} الآي{[14697]} التي أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه وتنزلات تجلياته{[14698]} ووجوه{[14699]} إعانته لخلقه وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره وقدرته في بادي ما أجراه عليهم ، فهن لذلك متشبهات من حيث إن نبأ الحق عن نفسه لا تناله عقول الخلق ، ولا تدركه أبصارهم ، وتعرف لهم فيما تعرف بمثل من أنفسهم ، فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز ، فكان لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملاً ، وحرف المتشابه أثبت الحروف إيماناً ، واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث ، واختلفت في الأربع اختلافاً كثيراً فاختلف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها ، واتفق على محكمها ومتشابهها انتهى . فبين سبحانه وتعالى بهذا{[14700]} أنه كما يفعل الأفعال المتشابهة مثل تصوير{[14701]} عيسى عليه الصلاة والسلام من غير نطفة ذكر ، مع إظهار الخوارق على يديه لتبين{[14702]} الراسخ في الدين من غيره كذلك يقول الأقوال المتشابهه ، وأنه فعل في هذا الكتاب ما فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده ، وأن كل ما كان من عند الله سبحانه وتعالى فلا اختلاف فيه في نفس الأمر ، لأن سبب الاختلاف الجهل أو{[14703]} العجز ، وهو سبحانه وتعالى متعال جده منزه قدره عن شيء من ذلك ، فبين فضلهم{[14704]} بأنهم يؤمنون به ، ولا يزالون يستنصرون{[14705]} منه سبحانه وتعالى فتح المنغلق وبيان المشكل{[14706]} حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم ، وهذا على وجه يشير إلى المهمة{[14707]} الذي تاه فيه النصارى ، والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج ، واللج الذي أغرق جماعاتهم ، وهو المتشابه الذي منه أنهم زعموا{[14708]} أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يقول له القائل : يا رب ! افعل لي كذا و{[14709]}يسجد له ، فيقره على ذلك ويجيب{[14710]} سؤاله ، فدل{[14711]} ذلك على أنه إله ، ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أباً{[14712]} وعلى نفسه أنه ابنه ، فابتغوا{[14713]} الفتنه فيه واعتقدوا الأبوة والبنوة على حقيقتهما{[14714]} ولم يردوا ذلك إلى{[14715]} المحكم{[14716]} الذي قاله لهم فأكثر منه ، كما أخبر عنه أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف والتبديل : ( لا{[14717]} يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه }[ فصلت : 42 ] ، وهو{ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً }[ مريم : 30 ، 31 ] { ما{[14718]} قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم{[14719]} }[ المائدة : 117 ] { إن الله ربي وربكم{[14720]} فاعبدوه هذا صراط مستقيم{[14721]} }[ مريم : 51 ] ، هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن كانوا قد بدلوه فقد ولله الحمد منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم الآن{[14722]} في أواخر هذا القرن{[14723]} التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه ، ففي{[14724]} إنجيل لوقا{[14725]} أن جبريل عليه الصلاة والسلام ملاك الرب{[14726]} لما تبدى{[14727]} لمريم مبشراً بالمسيح عليه السلام وخافت منه قال لها : لا تخافي يا مريم{[14728]} ظفرت بنعمة من عند{[14729]} الله سبحانه وتعالى ، وأنت تقبلين{[14730]} حبلاً وتلدين ابناً يدعى يسوع ، يكون عظيماً{[14731]} ، وابن العذراء{[14732]} يدعى ؛ ويعطيه الرب الإله كرسي{[14733]} داود أبيه{[14734]} ؛ وفي إنجيله أيضاً وإنجيل متى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال وقد أمره إبليس أن يجرب{[14735]} قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق : مكتوب : لا تجرب الرب إلهك ، وقال وقد أمره أن يسجد له : مكتوب : للرب إلهك اسجد ، وإياه{[14736]} وحده اعبد ، وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع ؛ وفي إنجيل لوقا أنه دفع إلى المسيح سفر أشعيا{[14737]} النبي{[14738]} فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه مكتوب : روح الرب عليّ ، من أجل هذا مسحني{[14739]} وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر بالسنة المقبولة للرب ، والأيام التي أعطانا{[14740]} إلهنا ، ثم طوى السفر ودفعه إلى الخادم{[14741]} ؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم : من قبل هذا فقد قبلني ، ومن قبلني فقد قبل الذي أرسلني ، ومن سمع منكم فقد سمع مني ، ومن جحدكم فقد جحدني ، ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني{[14742]} ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس ، أنكرته قدام ملائكة الله ، وفي إنجيل يوحنا{[14743]} أنه قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام : الذي أرسله الله إنما ينطق بكلام الله لأنه ليس بالكيس{[14744]} ، أعطاه الله{[14745]} الروح ، وقال : وقد سأله{[14746]} تلاميذه أن بأكل فقال لهم : طعامي{[14747]} أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله ؛ وفيه في موضع آخر : الحق الحق أقول لكم ! إن من يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبده ، لست أقدر أعمل شيئاً من ذات نفسي ، وإنما أحكم بما أسمع ، وديني عدل لأني{[14748]} لست أطلب مسرتي بل مسرة من أرسلني ؛ وفي إنجيل مرقس{[14749]} أنه قال لناس : تعلمتم{[14750]} وصايا الناس وتركتم وصايا الله ، وزجر بعض من اتبعه فقال : اذهب يا شيطان ! فإنك لم تفكر{[14751]} في ذات الله ، وتفكر في ذات الناس ؛ {[14752]}فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده ، واعترف له بالوحدانية وجعل ذاته مبايناً لذات الناس الذي هو منهم ؛ وفي جميع أناجيلهم نحو هذا ، وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك ، ففي إنجيل لوقا أنهم قالوا له : يا رب ! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه ، فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السماوات يتقدس اسمك ! كفافنا أعطنا في{[14753]} كل يوم ، واغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه ، ولا تدخلنا في التجارب ، لكن نجنا من الشرير ؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون{[14754]} ويشترون فيه ، فقال{[14755]} لهم : مكتوب أن{[14756]} بيتي{[14757]} هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة اللصوص ! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر ، والرب يطلق على السيد{[14758]} أيضاً ، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام :

( اذكرني عند ربك }{[14759]}[ يوسف : 42 ] . ثم وجدت في أوائل{[14760]} إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم ، ولو ردوا أيضاً الأب والابن إلى هذا المحكم{[14761]} وأمثاله وهي كثيرة في جميع أناجيلهم لعلموا{[14762]} بلا شبهة أن معناه أن الله سبحانه وتعالى يفعل معه ما يفعل الوالد مع ولده من الترية والحياطة{[14763]} والنصرة والتعظيم والإجلال ، كما لزمهم حتماً{[14764]} أن يأولوا{[14765]} قوله فيما قدمته{[14766]} : أبانا الذي في السماوات ، وقوله في إنجيل متى لتلاميذه : هكذا فليضىء نوركم قدام الناس{[14767]} ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات ، وقال : وأحسنوا إلى من أبغضكم ، وصلوا على من يطردكم ويخزيكم{[14768]} لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات ، لأنه المشرق{[14769]} شمسه على الأخيار والأشرار ، والممطر على الصديقين والظالمين ، انظروا ! لا تصنعوا{[14770]} أمراً حكم قدام الناس لكي يروكم ، فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات ، وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق ، ولا تصنع كما يصنع المراؤون في المجامع{[14771]} وفي الأسواق لكي {[14772]}يمجدوا من{[14773]} الناس ، الحق أقول لكم ! لقد أخذوا أجرهم ؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك ، لتكون صدقة في خفية ، وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية ؛ وقال في الفصل العاشر منه : وصل لأبيك سراً ، وأبوك يرى السر فيعطيك علانية .

وهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريراً{[14774]} كثيراً ، فكما{[14775]} تأول{[14776]} لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من تعظيمهم لآبائهم ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ما في إنجيل لوقا وغيره أن أم عيسى وإخوته أتوا اليه فلم يقدروا لكثرة الجمع{[14777]} على الوصول إليه فقالوا له أمك وإخوتك خارجاً يريدون أن ينظروا إليك ، فأجاب : أمي وإخوتي الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها ؛ فكذلك يلزمهم تأويلها في حق عيسى عليه الصلاة والسلام لذلك{[14778]} ليرد المتشابه{[14779]} إلى المحكم . وإن لم يأولوا ذلك في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى :{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه }{[14780]}[ المائدة : 18 ] كانوا مكابرين في المحسوس بلا شبهة ، فإن كل أحد منهم مساو لجميع الناس وللبهائم{[14781]} في أن له أبوين ، وكانت دعواهم هذه ساقطة لا يردها عليهم إلا من تبرع بإلزامهم بمحسوس آخرهم{[14782]} به يعترفون{[14783]} ، وقد أقام هو نفسه عليه الصلاة والسلام{[14784]} أدلة على صرفها عن{[14785]} ظاهرها ، منها غير ما تقدم أنه كثيراً ما كان يخبر عن نفسه فيقول : ابن{[14786]} الإنسان يفعل كذا ، ابن البشر قال كذا{[14787]} يعني نفسه الكريمة ، فحيث نسب نفسه إلى البشر كان مريداً للحقيقة ، لأنه ابن امرأة منهم ، وهو مثلهم في الجسد ، والمعاني حيث نسبها إلى الله سبحانه وتعالى كان على المجاز كما تقدم . وأما السجود فقد ورد في التوراة كثيراً{[14788]} لأحاد الناس من غير نكير ، فكأنه كان جائزاً في شرائعهم فعله لغير الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم والله سبحانه وتعالى أعلم ، وأما نحن فلا يجوز{[14789]} فعله لغير الله ، ولا يجوز في شريعتنا أصلاً إطلاق الأب ولا الابن بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ، وكذا كل لفظ أوهم نقصاً{[14790]} سواء صح أن ذلك كان جائزاً في شرعهم أم لا ، وإذا راجعت{[14791]} تفسير البيضاوي لقوله سبحانه وتعالى في البقرة{ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون }{[14792]}[ البقرة : 117 ] زادك بصيرة{[14793]} فيما هنا ؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في حق عيسى عليه الصلاة والسلام عن ظاهره وحقيقته وتحكموا{[14794]} بأن المراد منه المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم على اللازم ، وكذا غيره من{[14795]} متشابه الإنجيل ، كما فعلنا نحن بمعونة الله سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك وغير ذلك مما يستلزم حمله على الظاهر وصفات المحدثين ، وكذا ذكر اليد والكف والعين ونحو ذلك فحملنا ذلك كله على أن المراد منه لوازمه وغاياته مما{[14796]} يليق بجلاله سبحانه وتعالى مع تنزيهنا له سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا{[14797]} له كل كمال ، فإن الله سبحانه وتعالى{[14798]} عزه وجده{[14799]} وجل قدره ومجده أنزل حرف{[14800]} المتشابه ابتلاء لعباده لتبين الثابت من الطائش{[14801]} والموقن من الشاك .

قال الحرالي في كتابه{[14802]} عروة المفتاح : وجه إنزال هذا الحرف تعرف{[14803]} الحق للخلق{[14804]} بمعتبر ما خلقهم عليه ليلفتوا عنه وليفهموا خطابه ، وليتضح{[14805]} لهم نزول رتبهم عن علو ما تعرف به لهم ، وليختم بعجزهم{[14806]} عن إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة يعني الأمر{[14807]} و النهي والحلال والحرام ، وحبسهم بالخامس{[14808]} وتوقفهم{[14809]} عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم بالأربعة ، واتصافهم بالخامس ليتم{[14810]} لهم العبادة{[14811]} بالوجهين من العمل والوقوف والإدراك والعجز{ فارجع البصر هل ترى من فطور }{[14812]}[ الملك : 3 ] علماً وحساً{[14813]}{ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير{[14814]} }[ الملك : 4 ] عجزاً{[14815]} ، أعلمهم بحظ{[14816]} من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً{[14817]} ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا له اختيارا فيرزقهم{[14818]} اليقين بأمره و{[14819]}غائب أيامه{[14820]} ، كما أسلموا له في الصغر اضطراراً ، فرزقهم حظاً من علم خلقه ، فمن لم يوقفه{[14821]} في حد الإيمان اشتباه{[14822]} خطابه سبحانه وتعالى عن نفسه وما بينه وبين خلقه وحاول تدركه بدليل أو فكر أو تأويل حرم اليقين{[14823]} بعلي الأمر{[14824]} والتحقيق في علم الخلق ، وأوخذ{[14825]} بما أضاع من محكم ذلك المتشابه حين اشتغل لما{[14826]} يعنيه{[14827]} من حال نفسه بما لا يعنيه{[14828]} من أمر ربه ، فكان كالمتشاغل بالنظر في ذي الملك ، وتنظره{[14829]} يرمي نفسه عن مراقبة ما يلزمه{[14830]} من تفهم حدوده وتذلله لحرمته{[14831]} ؛ وجوامع منزل هذا الحرف في رتبتين : مبهمة{[14832]} ومفصلة ، أما انبهامه{[14833]} فلوقوف{[14834]} العلم به{[14835]} على تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال ، وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على توقفه عن مفصله ومبهمه ، وهو جامع الحروف المنزلة في أوائل السور{[14836]} التسع{[14837]} والعشرين{[14838]} من سوره{[14839]} وبه افتتح{[14840]} الترتيب في القرآن ، ليتلقى الخلق بادي أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن يمن{[14841]} الله سبحانه وتعالى بعلمه بفتح من لدنه ، ولذلك لم يكن في تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله سبحانه وتعالى كنهه من حيث{[14842]} لم يكن للنفس مدخل في علمه ، وذلك قوله سبحانه وتعالى :{ آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه }[ البقرة : 1 ، 2 ] لمن علمه الله إياه{ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب }[ البقرة : 2 ، 3 ] وقوفاً عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه ، حتى تلحقه{[14843]} العناية من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه ؛ وأما الرتبة الثانية فمتشابه{[14844]} الخطاب المفصل{[14845]} المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزلات أمره ، ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير{[14846]} حكمته وباطن ملكوته وعزيز جبروته وأحوال أيامه ؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله ( ثم استوى إلى السماء }{[14847]}[ البقرة : 29 ] إلى قوله سبحانه وتعالى{ فأينما تولوا فثم وجه الله }{[14848]}[ لبقرة : 115 ] إلى سائر ما أخبر عنه من عظم{[14849]} شأنه في جملة آيات متعددات لقوله سبحانه وتعالى{ إلا لنعلم من يتبع الرسول }{[14850]}[ البقرة : 143 ] ، { فإني قريب }{[14851]}[ البقرة : 186 ] { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة }{[14852]}[ البقرة : 210 ] ، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }{[14853]}[ البقرة : 255 ] { فأذنوا بحرب من الله ورسوله }{[14854]}[ البقرة : 279 ] ، { هو الذي يصوركم في الأرحام }{[14855]} [ آل عمران : 6 ] ، { ويحذركم الله نفسه }{[14856]}[ آل عمران : 128 ] ، { ولله ملك السماوات والأرض }{[14857]}[ آل عمران : 189 ] ، { والله على كل شيء قدير }{[14858]}[ البقرة : 284 ] ، { وكان الله سميعاً بصيراً }{[14859]}[ النساء : 85 ] ، { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }{[14860]}[ المائدة : 64 ] ، { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم }{[14861]}[ الأنعام : 3 ] ، { خلق السماوات والأرض }{[14862]}[ الأعراف : 54 ] ، { ثم استوى على العرش }{[14863]}[ الأعراف : 54 ] ، { ولتصنع على عيني }{[14864]}[ طه : 39 ] ، { قل من بيده ملكوت كل شيء }{[14865]}[ المؤمنون : 88 ] ، { فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني{[14866]} أنا الله }[ القصص : 30 ] ، { كل شيء هالك إلا وجهه }{[14867]}[ القصص : 88 ] ، { هو الذي يصلي عليكم وملائكته }{[14868]}[ الأحزاب : 43 ] ، { إن الله وملائكته يصلون على النبي }{[14869]}[ الأحزاب : 56 ] ، { ما منعك أن تسجد{[14870]} لما خلقت بيدي{[14871]} } [ الأعراف : 12 ] ، { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله }{[14872]}[ الزخرف : 84 ] ، { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه }{[14873]}[ الجاثيه : 13 ] ، { وله الكبرياء في السماوات والأرض }{[14874]}[ الجاثيه : 37 ] ، { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك }{[14875]}[ الرحمن : 26 ، 27 ] ، { هو الأول والآخر والظاهر والباطن }{[14876]}[ الحديد : 3 ] ، { وهو معكم أين ما كنتم }{[14877]}[ الحديد : 4 ] ، { ما يكون من نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا }{[14878]}[ المجادلة : 7 ] ، { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا }{[14879]}[ الحشر : 2 ] ، { تبارك الذي بيده الملك }{[14880]}[ الملك : 1 ] ، { تعرج الملائكة والروح اليه }{[14881]}[ المعارج :4 ] ،

{ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }{[14882]}[ القيامة : 22 ، 23 ] ، { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله }{[14883]}[ الإنسان :30 ] ، { وجاء ربك والملك صفاً صفاً }{[14884]}[ الفجر : 22 ] إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه وما أخبرعنه حبيبه صلى الله عليه وسلم من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما{[14885]} يحملهم في{[14886]} عبادتهم{[14887]} على الانكماش{[14888]} والجد{[14889]} والخشية والوجل{[14890]} والإشفاق وسائر الأحوال المشار إليها في حرف المحكم من نحو حديث النزول والقدمين{[14891]} والصورة والضحك والكف والأنامل ، وحديث عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين ، واعتنى بجمعها الحافظ المتقن أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى ، ودوَّن بعض المتكلمين{[14892]} جملة منها{[14893]} لقصد التأويل ، وشدد النكير{[14894]} في ذلك أئمة المحدثين ، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ورحمة أنه قال : آيات الصفات{[14895]} وأحاديث الصفات{[14896]} صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الله سبحانه وتعالى ، تأويلها تلاوتها ، ولذلك أئمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين والذي اجتمعت عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولقنته{[14897]} العرب كلها أن ورود ذلك عن الله ومن رسوله ومن الأئمة إنما هو لمقصد{[14898]} الإفهام ، لا لمقصد الإعلام ، فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم شيئاً قط ، بل كلما كان وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح ، وللخطاب به أفهم ، حتى قال بعضهم لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يضحك من عبده : لا نعدم{[14899]} الخير من رب يضحك " وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان : إما متوقف عنه في حد{[14900]} الإيمان ، قانع بما أفاد من الإفهام ، وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء{[14901]} الإيقان ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى{[14902]} تعرف لعباده{[14903]} في الأفعال والآثار في الآفاق وفي أنفسهم تعليماً ، وتعرف{[14904]} للخاصة منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما يمكنهم اعتباره تعجيزاً ، فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك فعرفوا أن لا معرفة{[14905]} لهم ، وذلك هو حد العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن ، وتحققوا أن{ ليس كمثله شيء }[ الشورى : 11 ] و

{ لم يكن له كفواً أحد }[ الإخلاص : 4 ] فتهدفوا{[14906]} بذلك لما يفتحه الله على من يحبه من صفاء الإيقان ، والله يحب المحسنين . ثم قال فيما به تحصل قراءة هذا الحرف : اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه{[14907]} تماماً لأن{[14908]} حرف المحكم حال يتحقق للعبد . ولما{[14909]} كان حرف المتشابه إخباراً عن نفسه سبحانه وتعالى بما يتعرف به لخلقه{[14910]} من أسماء وأوصاف كانت قراءته{[14911]} بتحقق العبد أن تلك{[14912]} الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق ولا ما{[14913]} تناله عقولهم ، وإن أجرى{[14914]} على تلك الأسماء والأوصاف على الخلق فيوجه{[14915]} ، لا يلحق أسماء الحق{[14916]} ولا أوصافه منها تشبيه{[14917]} في وهم ولا تمثيل في عقل{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير{[14918]} }[ الشورى : 11 ] ، { ولم يكن له كفواً أحد{[14919]} }[ الإخلاص : 4 ] ، فالذي يصح به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق وتقف عن تأويلها إجلالاً وإعظاماً معلوماتُهم ، وأن حسبها{[14920]} معرفتها بأنها لا تعرفها ، وأما من جهة حال النفس والاستكانة{[14921]} لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء والأوصاف من التحقق بما يقابلها والبراءة من الاتصاف بها لأن ما صلح للسيد حرم على العبد لتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى ، ولا يتسمى{[14922]} بالغنى فيقدح في هداه ، فيهلك باسمه ودعواه ، ولتحقق ذلهم من تسميته تعالى بالعزة و{[14923]}عجزهم عن تسميته{[14924]} بالقدرة{[14925]} ، واستحقاق تخليهم{[14926]} من جميع ما تعرف{[14927]} به من أوصاف الملك والسلطان والغضب والرضى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب إلى سائر ما تسمى{[14928]} به في جميع تصرفاته مما ذكر في المتشابه من الآي ، وأشير إليه من الأحاديث ، وما عليه اشتملت{[14929]} " واردات الأخبار{[14930]} " في جميع الصحف والكتب ، ومرائي الصالحين{[14931]} ومواقف{[14932]} المحدثين ومواجد المروّعين ؛ وأما من جهة العمل فحفظ اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقاً{[14933]} لما في مضمون قوله سبحانه وتعالى ولم يكن له كفواً أحد }[ الإخلاص : 4 ] لأن مقتضاها الرد على{[14934]} المشبه من هذه الأمة ، وليس لعمل{[14935]} الجوارح في هذا الحرف مظهر سوى ما ذكر من لفظ اللسان ، فقراءته كالتوطئة لتخليص العبادة بالقلب في قراءة مفرد حرف الأمثال ؛ والله العلي الكبير انتهى .

وقد تقدم حرف الأمثال عند قوله تعالى{ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً }{[14936]}[ البقرة : 7 ] وقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يضل بحرف المتشابه إلا ذوو{[14937]} الطبع العوج{[14938]} الذين{[14939]} لم ترسخ{[14940]} أقدامهم في الدين ولا استنارت معارفهم في العلم فقال : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي اعوجاج عدلوا به عن الحق . وقال الحرالي : هو ميل{[14941]} المائل إلى ما يزين{[14942]} لنفسه الميل إليه ، والمراد هنا أشد الميل الذي هو ميل القلب عن جادة{[14943]} الاستواء و{[14944]}في إشعاره ما يلحق بزيغ{[14945]} القلوب من سيء الأحوال في الأنفس وزلل{[14946]} الأفعال في الأعمال ، فأنبأ تعالى عما هو الأشد{[14947]} وأبهم{[14948]} ما هو الأضعف : { فيتبعون } في إشعار هذه الصيغة{[14949]} بما تنبئ{[14950]} عنه{[14951]} من تكلف المتابعة بأن من وقع له الميل فلفته{[14952]} لم تلحقه مذمة هذا الخطاب ، فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعاً سلم من حد الفتنة بمعالجة التوبة { ما تشابه منه } فأبهمه{[14953]} إبهاماً يشعر بما{[14954]} جرت به الكليات فيما يقع نبأ{[14955]} عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالعليم والحكيم وسائر أزواج الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق{[14956]} في بادي الصورة من نحو العين واليد والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة ، كل ذلك مما{[14957]} أنه{[14958]} متشابهات أنزلها الله تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه ، ففائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه والإقدام على التعبد له ، ففائدة إنزاله عملاً في المحكم وفائدة إنزاله فيه توقفاً{[14959]} عنه ليقع الابتلاء بالوجهين : عملاً بالمحكم ووقوفاً عن المتشابه ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا تتفكروا في الله " وقال علي رضي الله عنه : من تفكر في ذات الله تزندق ووافق{[14960]} العلماء إنكار{[14961]} الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه ، كما ذكر عن مالك رحمه الله تعالى في قوله : الكيف{[14962]} مجهول والسؤال عنه بدعة ، فالخوض في المتشابه بدعة ، والوقوف عنه سنة{[14963]} ؛ وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن تأويلها تلاوتها ، هذا هو حد الإيمان وموقفه ، وإليه أذعن الراسخون في العلم ، وهم الذين تحققوا في أعلام العلم ، ولم يصغوا{[14964]} إلى وهم التخييل والتمثل{[14965]} به في شيء مما أنبأ الله سبحانه وتعالى به نفسه ولا في شيء مما بينه وبين خلقه وكان{[14966]} في توقفهم عن الخوض{[14967]} في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم{[14968]} ، لأن المحكم واضح وجداني{[14969]} ، متفقة{[14970]} عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب ، لم يقع فيه اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة{[14971]} من كبر ، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس ، فكما لا يصلح العراء{[14972]} عن الاتصاف بالمحكم لا يصلح الترامي{[14973]} إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان{[14974]} أهل الدرجات ، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم من أحوالهم ، وأوقفهم{[14975]} عن إدراك ما هو راجع إليه ، فأمر الله وتجلياته لا تنال{[14976]} إلا بعناية{[14977]} منه ، يزج العبد{[14978]} زجه{[14979]} يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء ؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ{[14980]} لسانين : لسان وقفة{[14981]} عن حد الإيمان للراسخين{[14982]} في العلم المشتغلين{[14983]} بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر صلى الله عليه وسلم أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد{[14984]} إلى أن يحبه الله ، فيرفع عنه عجز الوقفة{[14985]} عن المتشابه{[14986]} ، وينقذه{[14987]} من حجاب النورانية ، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه{[14988]} خفي بما أحبه الله ، وما بين ذلك من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم ، فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب{[14989]} أن يزيد ، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي ، وإما تحقق إيقاني{[14990]} توجبه{[14991]} العناية والمحبة{[14992]} انتهى .

ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال : { ابتغاء الفتنة } أي تمييل{[14993]} الناس عن عقائدهم بالشكوك { وابتغاء تأويله } أي ترجيعه إلى ما يشتهونه وتدعو إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه{[14994]} مآله . قال الحرالي : والابتغاء افتعال{[14995]} : تكلف{[14996]} البغي ، وهو شدة{[14997]} الطلب ، وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه ، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلاً أي طلباً للمآل عنده ، لاقتصاره على نفسه ، فكان أهون الزيغين انتهى .

ولما بين زيغهم بين أن نسبة{[14998]} خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال : { وما } أي والحال أنه ما{[14999]} { يعلم } في الحال وعلى القطع { تأويله } قال الحرالي : هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده { إلا الله } أي المحيط قدرة وعلماً ، قال : {[15000]}ولكل{[15001]} باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا{ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق }{[15002]}[ الأعراف : 53 ] لذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله ، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء ، ومآل الأبد مآل يوم الخلود ؛ وأبد الأبد مآل الأبد ، وكذلك{[15003]} كل الخلق له مآل{[15004]} من الأمر ، فأمر الله مآل خلقه وكذلك{[15005]} الأمر ، كل تنزيل{[15006]} أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال الأمر ، وكل أمر الله مآل من أسمائه وتجلياته ، وكل{[15007]} تجل أجلى{[15008]} مآل لما دونه من تجل{[15009]} أخفى ، قال عليه الصلاة والسلام :

" فيأتيهم ربهم{[15010]} في غير الصورة التي يعرفونها الحديث إلى قوله : أنت ربنا " فكان تجليه الأظهر لهم مآل تجليه{[15011]} الأخفى عنهم ؛ فكان كل أقرب{[15012]} للخلق من غيب خلق وقائم أمر وعلى تجل{[15013]} إبلاغاً{[15014]} إلى ما وراءه فكان تأويله ، فلم تكن{[15015]} الإحاطة بالتأويل المحيط إلا لله{[15016]} سبحانه وتعالى . ولما ذكر الزائغين ذكر الثابتين{[15017]} فقال : { والراسخون في العلم } قال الحرالي : وهم المتحققون في أعلام العلم من حيث إن الرسوخ النزول بالثقل في الشيء الرخو ليس الظهور على الشيء ، فلرسوخهم كانوا أهل إيمان{[15018]} ، ولو أنهم كانوا ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان ، لكنهم راسخون في العلم لم يظهروا بصفاء الإيقان على نور العلم ، فثبتهم الله سبحانه وتعالى عند حد{[15019]} التوقف فكانوا دائمين على الإيمان بقوله : { يقولون آمنا به } بصيغة الدوام انتهى أي هذا حالهم في رسوخهم .

ولما كان هذا قسيماً{[15020]} لقوله : { وأما الذين في قلوبهم زيغ } كان ذلك واضحاً في كونه ابتداء وأن الوقوف{[15021]} على ما قبله ، ولما كان هذا الضمير محتملاً للمحكم فقط قال : { كل } أي من المحكم والمتشابه . قال الحرالي : وهذه الكلمة{[15022]} معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل النحاة ذكرها في وجوه التعريف إلا من ألاح{[15023]} معناها منهم فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك ؛ وهو من أكمل{[15024]} وجوه التعريف ، لأن حقيقة التعريف {[15025]}التعين بعيان{[15026]} أو عقل ، وهي إشارة إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه ، فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم مرجعاً واحداً ، آمنوا بمحل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه ، لأن كل مفترق بالحقيقة إنما هو معروج{[15027]} من حد اجتماع ، فما رجع إليه{[15028]} الإيمان في قلولهم : آمنا به ، هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب قبل تفصيله انتهى . { من عند ربنا } أي المحسن إلينا بكل اعتبار ، ولعله{[15029]} عبر بعند{[15030]} وهي بالأمر الظاهر بخلاف لدن إشارة إلى ظهور ذلك عند التأمل ، وعبروه{[15031]} عن الاشتباه .

ولما كان مع كل مشتبه أمر إذا{[15032]} دقق{[15033]} النظر فيه رجع إلى مثال حاضر للعقل إما محسوس وإما في حد ظهور المحسوس قال معمماً لمدح المتأملين على دقة الأمر وشدة غموضه بإدغام تاء التفعل{[15034]} مشيراً إلى أنهم تأهلوا بالرسوخ إلى الارتقاء عن رتبته ، ملوحاً إلى أنه{[15035]} لا فهم لغيرهم عاطفاً على ما تقديره : فذكرهم الله من معاني المتشابه ببركة إيمانهم وتسليمهم{[15036]} بما نصبه{[15037]} من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ما يمكن أن يكون إرادة {[15038]}منه سبحانه{[15039]} وتعالى وإن لم يكن على القطع بأنه إرادة : { وما يذكر } أي{[15040]} من الراسخين بما سمع من المتشابه ما في حسه وعقله من أمثال ذلك { إلا أولوا الألباب* } قال الحرالي : الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره ، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة ، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان ، وراسخ في العلم يقف عند حد إيمان ، ومتأول يركن إلى لبس{[15041]} بدعة ، وفاتن يتبع هوى ؛ فأنبأ جملة{[15042]} هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب كما أنبأ بيان سورة البقرة عن{[15043]} جهات تلقيهم{[15044]} للأحكام انتهى .


[14661]:سقط من ظ.
[14662]:من ظ، وفي الأصل: المتلزم.
[14663]:من ظ، وفي الأصل: مسموعان.
[14664]:من ظ، وفي الأصل: كنزوله.
[14665]:من ظ، وفي الأصل: وفصل.
[14666]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[14667]:من ظ، وفي الأصل: بموضع.
[14668]:في ظ: بمنزلة.
[14669]:زيد من ظ.
[14670]:زيد من ظ.
[14671]:في ظ: مرتد.
[14672]:من ظ، وفي الأصل: فتركب.
[14673]:في الأصل: قطرة، وفي ظ: فطرة ـ كذا.
[14674]:من ظ، وفي الأصل: القرآن.
[14675]:من ظ، وفي الأصل: ينتثر.
[14676]:من ظ، وفي الأصل:تبرم.
[14677]:من ظ، وفي الأصل: يتحد.
[14678]:في الأصل وظ: حكمه.
[14679]:في ظ: تخاف.
[14680]:في كلتا النسختين: يحكم.
[14681]:من ظ، وفي الأصل: حولاتها.
[14682]:من الأصل: جماحها، وفي ظ: حماجها.
[14683]:من ظ/ وفي الأصل: البعيد.
[14684]:من ظ، وفي الأصل: الاي.
[14685]:من ظ، وفي الأصل: التشابه.
[14686]:في ظ: صبح.
[14687]:من ظ، وفي الأصل: المقيس.
[14688]:من ظ، وفي الأصل: الروحانية والغايت
[14689]:من ظ، وفي الأصل: الروحانية والغايت.
[14690]:من ظ، وفي الأصل: الجسمانية.
[14691]:من ظ، وفي الأصل: يراد النسبة.
[14692]:من ظ، وفي الأصل: يراد النسبة
[14693]:من ظ، وفي الأصل: تشبه.
[14694]:ما بين الحاجزين زيد من ظ.
[14695]:زيدت الواو قبله في الأصل، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14696]:في ظ: وهي.
[14697]:من ظ، وفي الأصل: اللاي.
[14698]:من ظ، وفي الأصل : تخلياته.
[14699]:في ظ: وجود.
[14700]:من ظ، وفي الأصل: لهذا.
[14701]:من ظ، وفي الأصل: تصور.
[14702]:في ظ : ليتبين.
[14703]:من ظ، وفي الأصل: و.
[14704]:من ظ، وفي الأصل: فضله.
[14705]:في ظ: يستمطرون
[14706]:من ظ، وفي الأصل: الشكل.
[14707]:في كلتا النسختين: المهمة.
[14708]:زيد من ظ.
[14709]:من ظ، وفي الأصل: أو.
[14710]:من ظ، وفي الأصل: يحب.
[14711]:في ظ: فدال.
[14712]:في ظ: أنا.
[14713]:من ظ، وفي الأصل: فاتبعوا.
[14714]:من ظ، وفي الأصل: حقيقتها.
[14715]:زيد من ظ.
[14716]:من ظ، وفي الأصل: الحكم.
[14717]:من القرآن المجيد سورة 41 آية 42، وفي الأصل وظ "فلا".
[14718]:زيد من ظ والقرآن المجيد.
[14719]:سورة 5 آية 117.
[14720]:زيد من ظ والقرآن المجيد.
[14721]:سورة 3 آية 51.
[14722]:في ظ: إلا أن.
[14723]:في الأصل وظ: القرآن.
[14724]:في ظ: بقى.
[14725]:في ظ: لو قال.
[14726]:من ظ، وفي الأصل: للرب.
[14727]:ظ : ابتدا.
[14728]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[14729]:من تاريخ اليعقوبي.
[14730]:وفي الأصل: تعتلين، وفي ظ: تعقلين.
[14731]:من ظ، وفي الأصل: دين العذار.
[14732]:من ظ، وفي الأصل: دين العذار.
[14733]:من ظ، وفي الأصل: أو داسه ـ كذا.
[14734]:من ظ، وفي الأصل: أو داسه ـ كذا.
[14735]:في ظ: مجرب.
[14736]:من التاريخ 1/69، وفي الأصل: إله، وفي ظ: له.
[14737]:من التاريخ 1/72، وفي الأصل: شعيبا، وفي ظ: شعبا.
[14738]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[14739]:من ظ والتاريخ 1/74، وفي الأصل: منحني.
[14740]:من ظ، وفي الأصل: أعطنا.
[14741]:في الأصل: الخاتم، وفي ظ: المقادم، والتصحيح من تاريخ اليعقوبي 1/75.
[14742]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[14743]:من ظ، وفي الأصل: لوقا.
[14744]:من ظ، وفي الأصل: بالكيل.
[14745]:سقط من ظ.
[14746]:من ظ، وفي الأصل: سال.
[14747]:زيد بعده في الأصل: أنا، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14748]:من ظ، وفي الأصل: لأنه.
[14749]:من ظ، وفي الأصل: مرقش.
[14750]:من ظ، وفي الأصل: يعلمهم.
[14751]:في ظ: لم تنكر.
[14752]:العبارة من هنا إلى "لذات الناس" سقطت من ظ.
[14753]:ليس في ظ.
[14754]:في ظ: يبتغون.
[14755]:في ظ: وقال.
[14756]:زيد من ظ.
[14757]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[14758]:في ظ: السر ـ كذا.
[14759]:سورة 12 آية 42.
[14760]:زيد من ظ.
[14761]:من ظ، وفي الأصل: الحكم.
[14762]:من ظ، وفي الأصل: ليعلموا.
[14763]:من ظ، وفي الأصل: والخياطة.
[14764]:من ظ، وفي الأصل: ختما.
[14765]:من ظ، وفي الأصل: يولوا ـ كذا.
[14766]:في ظ : قدسته.
[14767]:زيد بعده في الأصل: لكن، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14768]:من ظ، وفي الأصل: ليحرلكم ـ كذا.
[14769]:في الأصل: الشرق، وفي ظ: المشرف ـ كذا بالفاء.
[14770]:في الأصل: لا تضعوا، وفي ظ: لا تفشوا.
[14771]:في ظ : الجامع.
[14772]:من ظ، وفي الأصل: يمجدوكم.
[14773]:من ظ، وفي الأصل: يمجدوكم.
[14774]:في ظ: تكرير.
[14775]:من ظ، وفي الأصل: فكا.
[14776]:في الأصل: لوا، وفي ظ: لون.
[14777]:في ظ: الجميع.
[14778]:في ظ: كذلك.
[14779]:من ظ، وفي الأصل: التشابه.
[14780]:سورة 5 آية 18.
[14781]:من ظ، وفي الأصل: البهيم.
[14782]:في ظ: معترفون.
[14783]:في ظ: معترفون.
[14784]:من ظ، وفي الأصل: أوله صرفها على.
[14785]:من ظ، وفي الأصل: أوله صرفها على.
[14786]:من ظ، وفي الأصل: إلا أن.
[14787]:زيد من ظ.
[14788]:من ظ، وفي الأصل: كثير.
[14789]:في ظ: فلا نجوز.
[14790]:من ظ، وفي الأصل: نفظا.
[14791]:من ظ، وفي الأصل: رجعت.
[14792]:سورة 2 آية 117.
[14793]:من ظ، وفي الأصل: بصره.
[14794]:من ظ، وفي الأصل: يحكموا.
[14795]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[14796]:من ظ، وفي الأصل: ما.
[14797]:من ظ، وفي الأصل: إثباتا.
[14798]:من ظ، وفي الأصل: عز جده.
[14799]:من ظ، وفي الأصل: أحرف.
[14800]:من ظ، وفي الأصل: أحرف.
[14801]:من ظ، وفي الأصل: الطالب.
[14802]:في ظ: كتاب.
[14803]:من ظ، وفي الأصل: يعرف.
[14804]:في ظ: للحق.
[14805]:من ظ، وفي الأصل: ولينضح.
[14806]:من ظ، وفي الأصل: بمعجزهم.
[14807]:من ظ، وفي الأصل: بمعنى.
[14808]:الظاهر: المتشابه. زيد في ظ: يعني المحكم ـ كذا.
[14809]:ن ظ، وفي الأصل: وتوقف فيهم.
[14810]:في ظ: لتتم.
[14811]:من ظ، وفي الأصل: العبارة.
[14812]:سورة 67 آية 3.
[14813]:من ظ، وفي الأصل: أو جنسا.
[14814]:سورة 67 آية 4.
[14815]:من ظ، وفي الأصل: وعجز.
[14816]:من ظ، في الأصل: بخط.
[14817]:اقتباس من قوله تعالى "أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" ـ سورة 16 آية 78.
[14818]:في ظ: فيزوقهم.
[14819]:من ظ، في الأصل: غاية آياته.
[14820]:من ظ، في الأصل: غاية آياته.
[14821]:من ظ، في الأصل: لم يوفقه.
[14822]:من ظ، في الأصل: استشاره.
[14823]:من ظ، في الأصل: فعلى العلم.
[14824]:من ظ، في الأصل: فعلى العلم.
[14825]:من ظ، في الأصل: أخذوا.
[14826]:من ظ، في الأصل: بما.
[14827]:سقطت من ظ.
[14828]:سقطت من ظ.
[14829]:في النسحتين: تنظيره.
[14830]:من ظ، في الأصل: تلزمه.
[14831]:من ظ، في الأصل: لحريته.
[14832]:في ظ: مهمة.
[14833]:في ظ : إبهامه.
[14834]:في ظ: فلوفوق.
[14835]:زيد من ظ.
[14836]:من ظ، في الأصل: السورة.
[14837]:في الأصل وظ: التسعة.
[14838]:من ظ، في الأصل: والعشرون.
[14839]:من ظ، في الأصل: سورة.
[14840]:من ظ، في الأصل: افتح.
[14841]:في ظ: يمنى.
[14842]:من ظ، في الأصل: حين.
[14843]:في ظ: يلحقه.
[14844]:من ظ، في الأصل: فتشابه.
[14845]:من ظ، في الأصل: الفصل.
[14846]:في الأصل: يصير، وفي ظ: تصير.
[14847]:سورة 2/29.
[14848]:سورة 2 آية 115.
[14849]:في ظ: عظيم.
[14850]:سورة 2 آية 43.
[14851]:سورة 2 آية 186.
[14852]:سورة 2 آية 210.
[14853]:سورة 2 آية 255.
[14854]:سورة 2 آية 279.
[14855]:سورة 3 آية 6.
[14856]:سورة 3 آية 28 و 30.
[14857]:سورة 3 آية 189.
[14858]:سورة 2 آية 284.
[14859]:سورة 4 آية 58.
[14860]:سورة 5 آية 64.
[14861]:سورة 7 آية 54.
[14862]:سورة 7 آية 54.
[14863]:سورة 7 آية 54.
[14864]:سورة 20 آية 39.
[14865]:سورة 23 آية 88.
[14866]:من ظ والقرآن المجيد، وفي الأصول: إنني.
[14867]:سورة 28 آية 88.
[14868]:سورة 33 آية 43.
[14869]:سورة 33 آية 56.
[14870]:في كلتا النسختين: يسجد، والتصحيح من القرآن المجيد
[14871]:سورة 7 آية 12.
[14872]:سورة 43 آية 84.
[14873]:سورة 45 آية 13.
[14874]:سورة 45 آية 37.
[14875]:5 آية 26 و 27. سورة
[14876]:سورة 57 آية 3.
[14877]:سورة 57 آية 4.
[14878]:سورة 58 آية 7.
[14879]:سورة 59 آية 2.
[14880]:سورة 67 آية 1.
[14881]:سورة 70 آية 4.
[14882]:سورة 75 آية 22 و23.
[14883]:سورة 76 آية 30.
[14884]:سورة 79 آية 22.
[14885]:من ظ، وفي الأصل: تحملهم علي.
[14886]:من ظ، وفي الأصل: تحملهم علي.
[14887]:في ظ: عيادتهم.
[14888]:من ظ، وفي الأصل: الانكماس.
[14889]:في ظ: الحد.
[14890]:من ظ، وفي الأصل: والوجد.
[14891]:في ظ: الفعلين.
[14892]:في ظ: من.
[14893]:في ظ: من.
[14894]:من ظ، وفي الأصل: النكر.
[14895]:من ظ، وفي الأصل: الصاقات.
[14896]:من ظ، وفي الأصل: الصاقات.
[14897]:من ظ، وفي الأصل: ولفته.
[14898]:من ظ، وفي الأصل: يقصد.
[14899]:من ظ، وفي الأصل: لا يعدم، ولفظ الحديث كما ورد في مسند الإمام أحمد 4/11: لن نعدم من رب يضحك خيرا.
[14900]:سقط من ظ.
[14901]:في ظ: صفات.
[14902]:من ظ، وفي الأصل: يعرف كعباده.
[14903]:من ظ، وفي الأصل: يعرف كعباده.
[14904]:من ظ، وفي الأصل: يعرف.
[14905]:من ظ، وفي الأصل: تعرفه.
[14906]:من ظ، وفي الأصل: فيهدفوا.
[14907]:من ظ، وفي الأصل: بما مالات ـ كذا.
[14908]:من ظ، وفي الأصل: بما مالات ـ كذا.
[14909]:في ظ: وكما.
[14910]:في ظ: بخلقه
[14911]:زيد بعده في ظ: أن.
[14912]:من ظ، وفي الأصل: ذلك.
[14913]:في ظ: بما.
[14914]:من ظ، وفي الأصل: جرى.
[14915]:في ظ: فتوجه.
[14916]:في ظ: الخلق.
[14917]:من ظ، وفي الأصل: تشبه.
[14918]:سورة 42 آية 11.
[14919]:سورة 112 آية 4.
[14920]:في ظ: حسها ـ كذا.
[14921]:في ظ: والاستعانة.
[14922]:في الأصل: لا تنسمى، وفي ظ: لا سمى.
[14923]:زيدت الواو من ظ.
[14924]:في ظ: سمية.
[14925]:من ظ، وفي الأصل: بالمعذرة.
[14926]:من ظ، وفي الأصل: عليهم.
[14927]:في ظ: يعرف.
[14928]:في ظ: يسمى.
[14929]:من ظ، وفي الأصل: واردات إلا حيا، وزيد قبله في الأصل: الإحياء في جميع، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14930]:من ظ، وفي الأصل: واردات إلا حيا، وزيد قبله في الأصل: الإحياء في جميع، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14931]:من ظ، وفي الأصل: موافق.
[14932]:من ظ، وفي الأصل: مواحد المردعين، والمروع: من يلهم الصواب.
[14933]:من ظ، وفي الأصل: بتحقيق.
[14934]:في ظ: عن.
[14935]:من ظ، وفي الأصل: لعمله.
[14936]:سورة 2 آية 7.
[14937]:في النسختين: ذو ـ كذا.
[14938]:سقط من ظ.
[14939]:في النسختين: الذي.
[14940]:في ظ: لم يترسخ.
[14941]:من ظ، وفي الأصل: مثل.
[14942]:من ظ، وفي الأصل: تزين.
[14943]:من ظ، وفي الأصل: حادة.
[14944]:زيدت الواو.
[14945]:من ظ، وفي الأصل: تزيغ.
[14946]:في ظ: ذين ـ كذا.
[14947]:من ظ، وفي الأصل: الأسير.
[14948]:في ظ: أفهم.
[14949]:من ظ، وفي الأصل: المسيغة.
[14950]:من ظ، وفي الأصل: يبني.
[14951]:في ظ: منه.
[14952]:سقط من ظ.
[14953]:في ظ: فانبه.
[14954]:ن ظ، وفي الأصل: بها.
[14955]:ي ظ: بنا.
[14956]:يد من ظ.
[14957]:ما. من ظ، وفي الأصل:
[14958]:في ظ: آية.
[14959]:في كلتا النسختين: توقفا.
[14960]:في ظ: أوفق.
[14961]:في ظ: أفكار.
[14962]:في كلتا النسختين: الكنف.
[14963]:في ظ: منه.
[14964]:ي ظ: يطغوا.
[14965]:من ظ، وفي الأصل: المتمثل.
[14966]:زيد من ظ.
[14967]:في كلتا النسختين: العوض.
[14968]:في كلتا النسختين: تفرعهم.
[14969]:حداني. من ظ، وفي الأصل:
[14970]:سقط من ظ.
[14971]:في ظ: حبة.
[14972]:من ظ، وفي الأصل: الغذا ـ كذا.
[14973]:وقع في الأصل: أكثر أمتي، وفي ظ: التزامي ـ كلاهما مصحفين عما أثبتناه.
[14974]:في النسختين لكلتيهما: لايمان.
[14975]:في الأصل: أوفقهم، وفي ظ: أوقفهم.
[14976]:في ظ: لا ينال.
[14977]:في ظ: بعنايته.
[14978]:في ظ: بالعبد.
[14979]:جة. من ظ، وفي الأصل:
[14980]:د. من ظ، وفي الأصل:
[14981]:في النسختين: وفقه.
[14982]:لراسخين. من ظ، وفي الأصل:
[14983]:في ظ: المستعلى.
[14984]:سقط من ظ.
[14985]:في الأصل : الوقفة، وفي ظ: الوقعة ـ كذا.
[14986]:ن ظ، وفي الأصل: التشابه.
[14987]:في ظ: وينقده.
[14988]:في النسختين: لا يعيبه.
[14989]:في ظ: يجب.
[14990]:ي ظ: اتفاقي.
[14991]:ن ظ، وفي الأصل: توجيه.
[14992]:من ظ، وفي الأصل: والمحقة.
[14993]:في ظ: تمثيل.
[14994]:مة. من ظ، وفي الأصل:
[14995]:نعل ـ كذا. من ظ، وفي الأصل:
[14996]:في ظ: بكلف.
[14997]:في ظ: أشد.
[14998]:من ظ، وفي الأصل: ثبته.
[14999]:زيد من ظ.
[15000]:سقط من ظ.
[15001]:سقط من ظ.
[15002]:سورة 7 آية 53.
[15003]:في ظ: لذلك.
[15004]:ي ظ: كما.
[15005]:من ظ، وفي الأصل: ولذلك.
[15006]:من ظ، وفي الأصل: تنزل.
[15007]:في ظ: تجلى أجلى، وفي الأصل: يحلى أحلى.
[15008]:في ظ: تجلى أجلى، وفي الأصل: يحلى أحلى.
[15009]:في الأصل: تحلى، وفي ظ: تجلى.
[15010]:زيد من ظ.
[15011]:في الأصل: يحليه، وفي ظ: تجلية.
[15012]:من ظ، وفي الأصل: أقره.
[15013]:في الأصل: يحل، وفي ظ: تجلى.
[15014]:من ظ، وفي الأصل: إيلا.
[15015]:من ظ، وفي الأصل: فلم يكن.
[15016]:في النسختين: الله.
[15017]:من ظ، وفي الأصل: التائبين.
[15018]:من ظ، وفي الأصل: الإيمان.
[15019]:سقط من ظ.
[15020]:في النسختين: قسما.
[15021]:في ظ: الوقف.
[15022]:في ظ: الحكمة.
[15023]:من ظ، وفي الأصل: إلا.
[15024]:في ظ: الحمل.
[15025]:في ظ: اليقين لعيان.
[15026]:في ظ: اليقين لعيان.
[15027]:في ظ: مغروح.
[15028]:في ظ: إلا.
[15029]:من ظ، وفي الأصل: غير بعيد ـ كذا.
[15030]:من ظ، وفي الأصل: غير بعيد ـ كذا.
[15031]:من ظ، وفي الأصل: وعزوه.
[15032]:من ظ، وفي الأصل: ا ـ فقط.
[15033]:في ظ: دفق.
[15034]:من ظ، وفي الأصل: لتفعل.
[15035]:من ظ، وفي الأصل: أنهم.
[15036]:من ظ، وفي الأصل: لتسليمهم.
[15037]:من ظ، وفي الأصل: نصه.
[15038]:في ظ : سبحانه منه.
[15039]:في ظ: سبحانه منه.
[15040]:زيد من ظ.
[15041]:من ظ، وفي الأصل: ليس.
[15042]:في الأصل: حمله، وفي ظ: حملة.
[15043]:في ظ: من.
[15044]:في ظ : تلقنهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

قوله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) .

يتضمن القرآن صنفين من الآيات . أحدهما : آيات محكمات هن أم الكتاب . أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ، والأم في اللغة تعني الأصل الذي يكون منه الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، باتت المحكمات كالأم للمتشابهات{[394]} .

وثانيهما : آيات متشابهات ، وقد اختلف العلماء في المراد بالمحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة . ولعل أحسن ما قيل في ذلك أن المحكمات من القرآن : ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره . أما المتشابه : فما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعمله دون خلقه ، وهو قول كثير من أهل العلم . وجملة ذلك أن الآيات المحكمات ، ما أحكمت عباراتها بأن حفظت من الاحتمال والإجمال والاشتباه فكانت واضحة مستبية ، وذلك كقوله تعالى من سورة الأنعام ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) إلى ثلاث آيات بعدها . وقوله تعالى من سورة الإسراء : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) إلى ثلاثة آيات بعدها .

أما الآيات المتشابهات ، فهي المحتملات أو المجملات التي لا يتضح مقصودها إلا بالفحص الدقيق والنظر العميق من أولي الألباب ، ومثال ذلك الحروف التي في فواتح السور كقوله : ( الم ) ، ( الر ) ، ( حم عسق ) ، ( كهيعص ) . وكذلك كقوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) وغير ذلك من الآيات المحتملة مما يكون دلالة الألفاظ بالنسبة إليها وإلى غيره على السوية .

ومن أحسن ما قيل في هذا الصدد : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه . والمتشابهات لكهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد .

قال القرطبي في ذلك : المحكم اسم مفعول من أحكم ، والإحكام الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال{[395]} .

قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) الزيغ معناه الميل عن الحق . زاغ البصر إذا كلّ ، وزاغت الشمس ، أي مالت . وذلك إذا فاء الفيء{[396]} . ومنه قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) والذين في قلوبهم زيغ ، أي انحراف عن القصد ، وميل عن الحق ، وجنوح مريض نحو الباطل بدلا من السبيل المستقيم . هؤلاء المائلون عن جادة الصواب ، الجانحون صوب الباطل من أولي الطبائع الضالة والقلوب المريضة يستنكفون عن اتباع الآيات المحكمات الواضحات التي يعوّل عليها في إدراك هذا الدين عقيدة وشريعة ، لكنهم تستخفهم قلوبهم الزائغة لاتباع ما تشابه من الكتاب الحكيم . فهم إنما يتمسكون بالمتشابه من الآيات ؛ لما يمكنهم من تحريفه إلى مقاصدهم الفاسدة ؛ نظرا لاحتمال لفظه ما يديرون عليه من تأويل مريب .

أما المحكم فلاحظ لهم فيه ؛ لوضوحه وبيانه فهو دافع لمقاصدهم وحجة عليهم . وهذا الصنف الجانح من الناس إنما يصطنع مثل هذا التأويل ( ابتغاء الفتنة ) أي طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام . وذلك ديدان التائهين المضللين من العباد الذين لا يستمرئون غير طريق الضلال والفساد ولا يستطيبون غير ظواهر المرض والعمه تغشى المجتمع فتطيح به إطاحة أو تنسفه من القواعد نسفا ليظل أشباها من الناس التائهين الشاطحين الحائرين . وأمثال هؤلاء المفسدين المضلين كثير في أوساط المسلمين ، بل إن تاريخهم طويل ومرير في زعزعة العقيدة الإسلامية وتشويه العلوم الإسلامية وإشاعة الريبة والفتن بين فئات المسلمين كالزنادقة على اختلاف مقولاتهم وإفرازاتهم الضالة المضلة . ومن جملتهم القرامطة والحشاشون والسبئية والنصيرية ( العلويون ) والبهائية والقاديانية والدروز . وكذا المجسمة والمشبهة والمعطلة ، إلى غير هؤلاء من أصحاب الملل والنحل الضالة الفاسدة . كل أولئك من حيث الضلال والانحراف والزيغ في جانب ، والجماعة المؤمنة المستقيمة في جانب آخر مميز . وهؤلاء هم أهل السنة الذين لا يتبعون ما تشابه من القرآن وإنما يتبعون آيات المحكمات فهم دوما على جادة الصواب . وفي وسط المحجة اللاحبة البيضاء سائرون ماضون إلى أن يلقوا الله على هذه الحال من الاستقامة والإخبات .

وعلى هذا فإن هذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة متبع لما تشابه من القرآن ، وإن كانت الإشارة بهذه الآية في ذلك الوقت إلى نصارى نجران الين حاوروا النبي صلى الله عليه و سلم في قصة عيسى المسيح وجادلوه في ذلك بغير حق متبعين لما تشابه من آيات الكتاب الحكيم في هذه المسألة{[397]} .

وقوله : ( وابتغاء تأويله ) التأويل هو التفسير ما يؤول إليه الشيء . وقد أوله تأويلا وتأوله أي دبره وقدره وفسره{[398]} .

قال الرازي في بيان التأويل : اعلم أن التأويل هوالتفسير ، وأصله في اللغة المرجع والمصير . من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه . هذا معنى التأويل في اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلا . قال تعالى : ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) وقال تعالى : ( وأحسن تأويلا ) وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى . واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون ؟ {[399]} .

والذين يتبعون ما تشابه من القرآن إنما يطلبون بذلك- فوق طلبهم الفتنة- تأويله . أي يؤولونه التأويل الذي يشتهونه بتحريفه على ما يروق لهواهم الجانف وقلوبهم الزائغة الجانحة{[400]} .

قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ذكر إلا أولوا الألباب ) .

اختلف العلماء في معنى الواو قبل ( الراسخون ) هل هي للاستئناف ( الابتداء ) أم للعطف ؟ فثمة قولان في ذلك .

أحدهما : أن الواو للاستئناف . فالوقف بذلك على لفظ الجلالة ( الله ) ثم يأتي الكلام بعد ذلك مستأنفا . فالواو هنا لابتداء الكلام بعد تمامه . وعلى هذا فإنه لا يعلم تأويل المتشابه من الكتاب الحكيم إلا الله . وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك ابن أنس والكسائي والفراء والأخفش . ومن المعتزلة قول الجبائي . واختاره الرازي .

ثانيهما : أن الواو تفيد العطف ، فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة . وعلى هذا يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم . وهو قول أكثر المتكلمين . وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس{[401]} وفي تقديري أن القول الأول هو الراجح . ووجه ذلك من عدة وجوه منها :

أولا : أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم حيث قال سبحانه ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى ذلك .

ثانيا : لو كان قوله : ( والراسخون في العلم ) معطوفا على قوله ( إلا الله ) لصار قوله : ( يقولون آمنا به ) ابتداء كلام ، وهذا بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به . أو ويقولون آمنا به .

ثالثا : ما ذكر عن ابن عباس قوله : التفسير على أربعة أنحاء : فتفسير لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم ، وتفسير لا يعلمه إلا الله .

ويؤيد ذلك ما ذكر أن مالك بن أنس رحمه الله لما سئل عن الاستواء قال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة{[402]} .

وقوله : ( والراسخون في العلم ) من الرسوخ وهو الثبوت في الشيء . وكل ثابت راسخ . ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا ، فالراسخون في العلم هم الذين ثبتوا وتمكنوا فيه . وقال الرازي في هذا الصدد : واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئا متشابها ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن{[403]} .

ثم حكى الله عن الراسخين في العلم قولهم : ( آمنا به كل من عند ربنا ) أي أنهم يعلنون عن إيمانهم القاطع أن هذا المتشابه من عند الله أو هو كلام الله ونحن مؤمنون به . وقالوا أيضا : ( كل من عند ربنا ) أي أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند الله فهما ( المحكم والمتشابه ) كلاهما حق وصدق وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له ؛ لأن الجميع منزل من عند الله{[404]} .

قوله : ( وما يذكر إلا أولوا الألباب ) أي ما يعي هذا ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لبّ ، وهو العقل . ولب كل شيء خالصه{[405]} .


[394]:- التفسير الكبير للرازي جـ 7 ص 186 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 344.
[395]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 10، 11 وانظر البيضاوي ص 67 والكشاف للزمشخري جـ 1 ص 412 وتفسير الرازي جـ 7 ص 187 وما بعدها.
[396]:- مختار الصحاح ص 280
[397]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 13، 14 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 344، 345 وتفسير الرازي جـ 7 ص 187، 188.
[398]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 341 ومختار الصحاح ص 33.
[399]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 191.
[400]:- الكشاف للزمخشري جـ 1 ص 413 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 15.
[401]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 190 وانظر الكشاف جـ 1 ص 412 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 16.
[402]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 346 وتفسير الرازي جـ 7 ص 191، 192.
[403]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 192.
[404]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 347 وتفسير البيضاوي ص 67.
[405]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 347 ومختار الصحاح ص 589 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 19.