الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104)

الرابعة : قوله تعالى : " ولا تهنوا " أي لا تضعفوا ، وقد تقدم في " آل عمران " {[4903]} . " في ابتغاء القوم " طلبهم . قيل : نزلت في حرب أحد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في آثار المشركين ، وكان بالمسلمين جراحات ، وكان أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة ، كما تقدم في " آل عمران " وقيل : هذا في كل جهاد .

الخامسة : قوله تعالى : " إن تكونوا تألمون " أي تتألمون مما أصابكم من الجراح فهم يتألمون أيضا مما يصيبهم ، ولكم مزية وهي أنكم ترجون ثواب الله وهم لا يرجونه ، وذلك أن من لا يؤمن بالله لا يرجون من الله شيئا . ونظير هذه الآية " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " [ آل عمران : 140 ] وقد تقدم{[4904]} . وقرأ عبدالرحمن الأعرج " أن تكونوا " بفتح الهمزة ، أي لأن وقرأ منصور بن المعتمر " إن تكونوا تألمون " بكسر التاء . ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقل الكسر فيها . ثم قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف ؛ لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف{[4905]} فوت ما يرجو . وقال الفراء والزجاج : لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي ، كقوله تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا{[4906]} " [ نوح : 13 ] أي لا تخافون لله عظمة . وقوله تعالى : " للذين لا يرجون أيام الله{[4907]} " [ الجاثية : 14 ] أي لا يخافون . قال القشيري : ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن يكون في الكلام نفي ، ولكنها ادعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي . والله أعلم .


[4903]:راجع ج 4 ص 216.
[4904]:راجع ج 4 ص 217.
[4905]:من ج.
[4906]:راجع ج 18 ص 303.
[4907]:راجع ج 16 ص 160.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104)

ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة{[22548]} للحذر خوف الضرر ، مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر ، وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه ، وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد ؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبهاً على الجد في أمره ، وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه ، عاطفاً على نحو : فافعلوا ما أمرتكم به ، أو على { فأقيموا الصلاة } : { ولا تهنوا } أي {[22549]}تضعفوا وتتوانوا{[22550]} بالاشتغال بذكر ولا صلا ، فقد يسرت{[22551]} ذلك لكم تيسيراً لا يعوق عن{[22552]} شيء من{[22553]} أمر الجهاد { في ابتغاء القوم } أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن تكونوا تألمون } أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل{[22554]} وما دونه { فإنهم يألمون كما تألمون } أي{[22555]} لأنهم{[22556]} يحصل{[22557]} لهم من ذلك ما يحصل لكم ، فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم .

ولما بين ما يكون مانعاً{[22558]} لهم من الوهن دونهم ، لأنه مشترك بينهم{[22559]} ؛ بيّن ما يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال : { وترجون } أي أنتم { من الله } أي الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى { ما لا يرجون } أي من النصر والعزم والكرم واللطف ، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان{[22560]} ، وهذا لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك{[22561]} في جهاد الكفار أو لا .

ولما كان العلم مبنى كل خير ، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية القدرة مجمع{[22562]} الصفات العلى قال تعالى ؛ { وكان الله } أي الآمر لكم بهذه الأوامر وهو المحيط بكل شيء { عليماً } أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا بما يكون بالغ الحسن مصلحاً للدين والدنيا { حكيماً } فهو يتقن لمن يأمره الأحوال ، ويسدده{[22563]} في المقال والفعال ، فمن علم منه خيراً أراده ورقاه في درج{[22564]} السعادة ، ومن علم منه شراً كاده فنكس مبدأه {[22565]}ومعاده{[22566]} .


[22548]:معللة.
[22549]:في ظ: يضعفوا ويتوانوا.
[22550]:في ظ: يضعفوا ويتوانوا.
[22551]:زيد بعده في ظ: لكم.
[22552]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22553]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22554]:من ظ ومد، وفي الأصل: القتيل.
[22555]:سقط من ظ ومد.
[22556]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[22557]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[22558]:في ظ: من نعا ـ كذا.
[22559]:زيدت الواو بعده في الأصول، فحذفناها لكي ينتسق الكلام.
[22560]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[22561]:من ظ ومد، وفي الأصل: كان.
[22562]:في ظ: لجميع.
[22563]:في ظ: يسده.
[22564]:في ظ: درجة.
[22565]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22566]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104)

قوله : ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) الوهن هو الضعف وهو محذور قد نبّهت الآية إليه كيلا يستسلم المؤمنون للخذلان والخور ولكي يشتدوا في مواجهة العدو لمحاربته وقهره . يجب على المؤمنين أن يخلعوا عن أنفسهم أوبقة الوهن ثم ينطلقوا في خفة وحماسة ليردوا أعداء الله ردا عنيفا لا يأخذهم في ذلك تقاعس أو رهبة ولا يثنيهم عن هذا العمل المقدّس المفروض شيء من تردد أو هوادة أو خذلان . لا مناص للمسلمين من مقارعة العدو الخبيث الحاقد لقهره وتحطيم شوكته كيما تكتب لهم الطمأنينة وسلامة الأنفس والديار .

وفي الآية مواساة للمسلمين وتثبيت لعزائمهم وقلوبهم من أجل أن يمضوا في طلب القوم المشركين والقعود لهم كل مرصد . إن ذلك مواساة لهم وتثبيت لئلا يقهرهم الألم مما لحق بهم من أذى فإن كانوا يألمون فإن أعداءهم المشركين يألمون ويعانون مما أصابهم من قتل وجراح . قوله : ( وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) لقد كان المسلمون والمشركون يألمون مما أصابهم من قتل وجراح إلا أن المسلمين قد امتازوا بصلتهم الوثقى بالله ليدعوه ويرتجوه يجأروا إليه بالطلب مستعينين به مستنصرين . وأصل ذلك الإيمان بالله سبحانه وهو ( الإيمان ) يسكب في النفس الأمن والسكينة ويثلج الصدر باليقين والطمأنينة ليظل العبد موصولا قلبه بالله فيعتمد عليه وحده من غير شريك . وايم الحق إن هذه المزية عظيمة فريدة قد امتاز بها المسلمون ؛ إذ أوتوها وغابت عن المشركين فلم تتيسر لهم لافتقادهم الأصل الذي تنبثق عنه هذه المسألة وهو الإيمان الصحيح بالله . والإيمان الذي لا يعتريه شيء من زيف أو خلل أو انحراف . والمشركون وهم يتيهون في الأرض متلجلجين بغير إيمان صحيح يهديهم فإنهم لا يرجون من الله مثلما يرجو المسلمون ، وذلك فارق فاصل أكبر بين هذين الصنفين من البشر . ( وكان الله عليما حكيما ) قد كان الله وما زال يحيط علمه بكل مستور مثلما يعلم الظاهر المعلن فإن ذلك عنده سواء . والله سبحانه عليم حيث يوجب لعباده من الفرائض والأمور الشرعية ما يصلح عليه حالهم في الدين والدنيا ، وحيث يقدّر لهم من ضروب المشقة المحتملة في الجهاد وغيرها ما يؤول بهم إلى اكتمال المصلحة أو دفع الشر والمفسدة وهو سبحانه له في ذلك كله الحكمة البالغة التي لا يجليها على حقيقتها إلا هو .