الأولى - قوله تعالى : " وكم من قرية أهلكناها " " كم " للتكثير ، كما أن " رب " للتقليل . وهي في موضع رفع بالابتداء ، و " أهلكنا " الخبر . أي وكثير من القرى - وهي مواضع اجتماع الناس - أهلكناها . ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها ، ولا يقدر قبلها ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله . ويقوي الأول قوله : " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح{[6996]} " ولو لا اشتغال " أهلكنا " بالضمير لانتصب به موضع " كم " . ويجوز أن يكون " أهلكنا " صفة للقرية ، و " كم " في المعنى هي القرية ، فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم . يدل على ذلك قوله تعالى : " وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا{[6997]} " [ النجم : 26 ] فعاد الضمير على " كم " . على المعنى ؛ إذ كانت الملائكة في المعنى . فلا يصح على هذا التقدير أن يكون " كم " في موضع نصب بإضمار فعل بعدها . " فجاءها بأسنا " فيه إشكال للعطف بالفاء . فقال الفراء : الفاء بمعنى الواو ، فلا يلزم الترتيب . وقيل : أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا ، كقوله : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم{[6998]} " [ النحل : 98 ] . وقيل : إن الهلاك . واقع ببعض القوم ، فيكون التقدير : وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع . وقيل : المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا . وقيل : أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها ، فجاءها بأسنا وهو الاستئصال . والبأس : العذاب الآتي على النفس . وقيل : المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا ، فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك . وقيل : البأس غير الإهلاك ، كما ذكرنا . وحكى الفراء أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت ، فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها ، مثل دنا فقرب ، وقرب فدنا ، وشتمني فأساء ، وأساء فشتمني ؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد . وكذلك قوله : " اقتربت الساعة وانشق القمر{[6999]} " [ القمر : 1 ] . المعنى - والله أعلم - انشق القمر فاقتربت الساعة . والمعنى واحد . " بياتا " أي ليلا ، ومنه البيت ، لأنه يبات فيه . يقال : بات يبيت بيتا وبياتا . " أو هم قائلون " أي أو وهم قائلون ، فاستثقلوا فحذفوا الواو . قاله الفراء . وقال الزجاج : هذا خطأ ، إذا عاد الذكر استغني عن الواو ، تقول : جاءني زيد راكبا أو هو ماش ، ولا يحتاج إلى الواو . قال المهدوي : ولم يقل بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا يرجع إلى الأول فاستغني عن الواو . وهو معنى قول الزجاج سواء ، وليس أو للشك بل للتفصيل ، كقولك : لأكرمنك منصفا لي أو ظالما . وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت . و " قائلون " من القائلة وهي القيلولة ، وهي نوم نصف النهار . وقيل : الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم . والمعنى جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا وإما نهارا .
ولما كان من أعظم ما يتذكر سار{[31935]} النعم وضار النقم للإقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الاغترار باسباب الأمن والراحة ، قال : { وكم } أي قلّ تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه{[31936]} كم{[31937]} { من قرية } وإن جلت ؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك ، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال : { أهلكناها } أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله ، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا{[31938]} بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون{[31939]} إذ ذاك - مع أنهم كانوا أشد بطشاً واكثر عدداً وأمتن كيداً - عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم{[31940]} نحوهم .
ولما كان المعنى : أردنا إهلاكها وحكمنا به ، سبب عنه قوله : { فجاءها بأسنا } أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة ، أو{[31941]} الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له وتفسير ؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلاً أو نهاراً ، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال : { بياتاً } أي وقت الاستكنان في البيوت ليلاً كما أهلك{[31942]} قوم لوط عليه السلام وقت السحر{[31943]} .
ولما كان المراد بالقرية أهلها ، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى : أن لا يلتفت إليه - كما في اول الآية ، وأن يلتفت إليه - كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات لأنه موضع التهديد{[31944]} : { أو هم قائلون* } أي نائمون وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما أهلك قوم شعيب عليه السلام ، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين ، لم يظنوا أن شيئاً من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه ، فالتقدير : بياتاً هم فيه{[31945]} بائتون أي نائمون ، أو قائلة هم فيها قائلون أي نائمون ، فالآية من الاحتباك : دل إثبات " بياتاً " أولاً على حذف " قائلة " ثانياً ، وإثبات " هم قائلون " ثانياً{[31946]} على حذف " هم نائمون " {[31947]} أولاً ، والذي أرشدنا{[31948]} إلى هذا المعنى الحسن سوق " هم " من غير واو ، وهذا قريب من قوله تعالى فيما يأتي أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً{[31949]} وهم نائمون فالأقرب{[31950]} أن يكون المحذوف أولاً نائمون ، وثانياً نهاراً ، فيكون التقدير : بياتاً هم فيه نائمون ، أو نهاراً هم فيه قائلون ،
قوله تعالى : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون . فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } .
كم ، خبرية للتكثير في محل رفع مبتدأ . خبره { فجاءها بأسنا } بياتا . منصوب على المصدر في موضع الحال . وهم قائلون جملة اسمية في نحل نصب حال من أهل القرية{[1342]} .
ذلك تخويف من الله لهؤلاء الضالين المشركين . وفيه تذكير بالذل حل بالأمم السابقة من التدمير والتنكيل لفسقهم وإعراضهم عن دعوة الله وتكذيبهم رسل الله فقد جاءهم عذاب الله { بيانا } أي ليلا وهم نائمون { أو هم قائلون } أي نهارا في وقت القائلة أو القيلولة وهي منتصف النهار ؛ أي أن عذاب الله قد جاءهم وهم في غفلة من السهر والراحة أما ليلا أو نهارا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.