قوله تعالى : " وكأين من نبي قُتِل معه ربيون كثير " {[3558]} قال الزهري : صاح الشيطان يوم أحد : قتل محمد ، فانهزم جماعة من المسلمين . قال كعب بن مالك : فكنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ إلي أن اسكت ، فأنزل الله عز وجل : " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا " الآية . و " كأين " بمعنى كم . قال الخليل وسيبويه : هي أي دخلت عليها كاف التشبيه وبنيت معها فصار في الكلام معنى وكم وصورت في المصحف نونا ؛ لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغير معناها ، ثم كثر استعمالها فتلعبت{[3559]} بها العرب وتصرفت فيها بالقلب والحذف ، فحصل فيها لغات أربع قرئ بها . وقرأ ابن كثير " وكائن " مثل : وكاعن ، على وزن فاعل ، وأصله : كيء فقلبت الياء ألفا ، كما قلبت في ييأس{[3560]} فقيل ياءَسُ ، قال الشاعر :
وكائنْ بالأباطحِ من صدِيقٍ *** يراني لو أُصِبْتُ هو المُصَابَا
وكائن رددنا عنكم من مُدَجَّجٍ *** يجيء أمام الركب يَرْدِي مُقَنَّعَا{[3561]}
وكائن في المعاشر{[3562]} من أناس *** أخوهم فوقهم وَهُمُ كرام
وقرأ ابن محيصن " وكَئِنْ " مهموزا مقصورا مثل وكَعِن ، وهو من كائن حذفت ألفه . وعنه أيضا " وكأْيِن " مثل وكَعْيِن وهو مقلوب كيء المخفف . وقرأ الباقون " كأَيِّنْ " بالتشديد مثل كعين وهو الأصل ، قال الشاعر :
كأيِّن من أناس لم يزالوا *** أخوهم فوقهم وَهُمُ كرام
كأيِّن أَبَدْنَا من عدو بِعِزِّنَا *** وكائِنْ أجَرْنا من ضعيف وخائف
فجمع بين لغتين : كأَيِّنْ وكائِنْ ، ولغة خامسة كَيْئِن مثل كيعن ، وكأنه مخفف من كيِّىء مقلوب كأيِّن . ولم يذكر الجوهري غير لغتين : كائن مثل كاعن ، وكأَيِّن مثل كَعَيِّن ، تقول : كأين رجلا لقيت ، بنصب ما بعد كأين على التمييز . وتقول أيضا : كأين من رجل لقيت ، وإدخال من بعد كأين أكثر من النصب بها وأجود . وبكأين تبيع هذا الثوب ؟ أي بكم تبيع ، قال ذو الرمة :
وكائنْ ذَعَرْنَا من مَهَاةٍ ورَامِحٍ *** بلادُ العِدَا{[3563]} ليست له بِبلاد
قال النحاس : ووقف أبو عمرو " وكأي " بغير نون ؛ لأنه تنوين . وروى ذلك سَوْرَة بن المبارك عن الكسائي . ووقف الباقون بالنون اتباعا لخط المصحف . ومعنى الآية تشجيع المؤمنين ، والأمر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء ، أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير ، أو كثير من الأنبياء قتلوا فما ارتد أممهم ، قولان : الأول للحسن وسعيد بن جبير . قال الحسن : ما قتل نبي في حرب قط . وقال ابن جبير : ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال . والثاني عن قتادة وعكرمة . والوقف - على هذا القول - على " قتل " جائز ، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب . وهي قراءة ابن عباس واختارها أبو حاتم . وفيه وجهان : أحدهما أن يكون " قتل " واقعا على النبي وحده ، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله " قتل " ويكون في الكلام إضمار ، أي ومعه ربيون كثير ، كما يقال : قتل الأمير معه جيش عظيم ، أي ومعه جيش . وخرجت معي تجارة ؛ أي ومعي . الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ، ويكون وجه الكلام قتل بعض من كان معه ، تقول العرب : قتلنا بني تميم وبني سليم ، وإنما قتلنا بعضهم . ويكون قوله " فما وهنوا " راجعا إلى من بقي منهم .
قلت : وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل ، وقتل معه جماعة من أصحابه . وقرأ الكوفيون وابن عامر " قاتل " وهي قراءة ابن مسعود ، واختارها أبو عبيد وقال : إن الله إذا حمد من قاتل كان من قُتِل داخلا فيه ، وإذا حمد من قُتِل لم يدخل فيه غيرهم ؛ فقاتل أعم وأمدح . و " الربيون " بكسر الراء قراءة الجمهور . وقراءة علي رضي الله عنه بضمها . وابن عباس بفتحها ، ثلاث لغات . والربيون الجماعات الكثيرة ، عن مجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة ، واحدهم رُبِّيَ بضم الراء وكسرها ، منسوب إلى الرُِّبة بكسر الراء أيضا وضمها ، وهي الجماعة . وقال عبد الله بن مسعود : الربيون الألوف الكثيرة . وقال ابن زيد : الربيون الأتباع . والأول أعرف في اللغة ، ومنه يقال للخرقة التي تجمع فيها القداح : رِبّة ورُبّة . والرِّباب قبائل تجمعت . وقال أبان بن ثعلب : الرِّبي عشرة آلاف . وقال الحسن : هم العلماء الصُّبُر . ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي : الجمع الكثير ، قال حسان :
وإذا مَعْشَرٌ تجافوا عن الح *** ق حملنا عليهم رُِبِّيَا
وقال الزجاج : ها هنا قراءتان " رُبِّيُّون " بضم الراء " ورِبِّيُّون " بكسر الراء ، أما الربيون ( بالضم ) : الجماعات الكثيرة . ويقال : عشرة آلاف . قلت : وقد روي عن ابن عباس " رَبِّيُّون " بفتح الراء منسوب إلى الرب . قال الخليل : الرِّبِّي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء . وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله تعالى . والله أعلم .
قوله تعالى : " فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله " " وهنوا " أي ضعفوا ، وقد تقدم . والوهن : انكسار الجد{[3564]} بالخوف . وقرأ الحسن وأبو السمال " وهنوا " بكسر الهاء وضمها ، لغتان عن أبي زيد . وهن الشيء يهن وهنا . وأوهنته أنا ووهنته ضعفته . والواهنة : أسفل الأضلاع وقصارها{[3565]} . والوَهَن من الإبل : الكثيف . والوَهْن : ساعة تمضي من الليل ، وكذلك الموهن . وأوهنا صرنا{[3566]} في تلك الساعة ، أي ما وهنوا لقتل نبيهم ، أو لقتل من قُتِل منهم ، أي ما وهن باقيهم ، فحذف المضاف . " وما ضعفوا " أي عن عدوهم . " وما استكانوا " أي لما أصابهم في الجهاد . والاستكانة : الذلة والخضوع ، وأصلها " اسْتَكَنوا " على افتعلوا ، فأشبعت فتحة الكاف فتولدت منها ألف . ومن جعلها من الكون فهي استفعلوا ، والأول أشبه بمعنى الآية . وقرئ " فما وهنوا وما ضَعْفوا " بإسكان الهاء والعين . وحكى الكسائي " ضعفوا " بفتح العين . ثم أخبر تعالى عنهم بعد أن قُتل منهم أو قتل نبيهم بأنهم صبروا ولم يفروا ووطنوا أنفسهم على الموت ، واستغفروا ليكون موتهم على التوبة من الذنوب إن رزقوا الشهادة ، ودعوا في الثبات حتى لا ينهزموا ، وبالنصر على أعدائهم . وخصوا الأقدام بالثبات دون غيرها من الجوارح لأن الاعتماد عليها . يقول : فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد ؟ فأجاب دعاءهم وأعطاهم النصر والظفر والغنيمة في الدنيا والمغفرة في الآخرة إذا صاروا إليها . وهكذا يفعل الله مع عباده المخلصين التائبين الصادقين الناصرين لدينه ، الثابتين عند لقاء عدوه بوعده الحق ، وقوله الصدق . " والله يحب الصابرين " يعني الصابرين على الجهاد .
ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل ، وأوضح بحال الزلل ، وكان التقدير بعد انقضائها : فكأين{[19331]} من قوم{[19332]} أمرناهم بالجهاد ، فكانوا على هذين القسمين ، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي ، ولم يضرنا ذلك شيئاً ، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا ، عطف عليه يؤسيهم{[19333]} بطريق{[19334]} الصالحين من قبلهم ويسيلهم{[19335]} بأحوالهم{[19336]} قوله : { وكأين } وهي{[19337]} بمعنى كم ، وفيها لغات كثيرة ، قرىء منها في العشر{[19338]} بثنتين : الجمهور{[19339]} بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء المكسورة ، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة ، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من{[19340]} المشهورة بالمد ، والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب ؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها{[19341]} المتواترة والشاذة وصلاً ووقفاً ، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه ، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته{[19342]} في كتابي الجامع المبين لما قيل{[19343]} في { كأين } ، وقال سبحانه : { من نبي } لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل{[19344]} أصحابه ، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله : { قتل{[19345]} } أي ذلك النبي حال كونه { معه } لكن الأرجح إسناد { قتل } إلى { ربيون } لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرمين{[19346]} وأبي عمرو - : {[19347]}قاتل معه { ربيون } أي علماؤهم ورثة الأنبياء ، وعلى منهاجهم { كثير فما } أي فما{[19348]} تسبب عن قتل نبيهم وهنهم ، أو يكون المعنى ويؤيده{[19349]} الوصف بالكثرة - : قتل الربيون ، فما تسبب عن{[19350]} {[19351]}قتلهم أن الباقين بعدهم { وهنوا } أي ضعفوا عن{[19352]} عملهم { لما أصابهم في سبيل الله } أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم ، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من{[19353]} الله { وما ضعفوا } أي مطلقاً في العمل ولا في غيره { وما استكانوا } أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضاً بمن قال{[19354]} : اذهبَوا إلى أبي عامر{[19355]} الراهب ليأخذ{[19356]} لنا أماناً من أبي سفيان ، بل صبروا ، فأحبهم الله لصبرهم { والله } أي{[19357]} الذي له صفات الكمال { يحب الصابرين * } أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه{[19358]} .