الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ} (61)

قوله تعالى : " وهو القاهر فوق عباده " يعني فوقية المكانة والرتبة لا فوقية المكان والجهة . " ويرسل عليكم حفظة " أي من الملائكة . والإرسال حقيقته إطلاق الشيء بما حمل من الرسالة ، فإرسال الملائكة بما حملوا من الحفظ الذي أمروا به ، كما قال : " وإن عليكم لحافظين{[6428]} " [ الانفطار : 10 ] أي ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات . والحفظة جمع حافظ ، مثل الكتبة والكاتب . ويقال : إنهما ملكان بالليل وملكان بالنهار ، يكتب أحدهما الخير والآخر الشر ، إذا مشى الإنسان يكون أحدهما بين يديه والآخر وراءه ، وإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ؛ لقوله تعالى : " عن اليمين وعن الشمال قعيد{[6429]} " [ ق : 17 ] الآية{[6430]} . ويقال : لكل إنسان خمسة من الملائكة : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا . والله أعلم . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه{[6431]} :

ومن الناس من يعيش شَقِيًّا{[6432]} *** جاهلَ القلب غافلَ اليقظه

فإذا كان ذا وفاء ورأي *** حذر الموت واتقى الحفظه

إنما الناس راحل ومقيم *** فالذي بانَ للمقيم عِظَه

قوله تعالى : " حتى إذا جاء أحدكم الموت " يريد أسبابه ، كما تقدم في سورة ( البقرة ){[6433]} . " توفته رسلنا " على تأنيث الجماعة ، كما قال : " ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات{[6434]} " [ المائدة : 32 ] و " كذبت رسل{[6435]} " [ فاطر : 4 ] . وقرأ حمزة " توفاه رسلنا " على تذكير الجمع . وقرأ الأعمش " تتوفاه رسلنا " بزيادة تاء والتذكير . والمراد أعوان ملك الموت . قاله ابن عباس وغيره . ويروى أنهم يسلون الروح من الجسد حتى إذا كان عند قبضها قبضها ملك الموت . وقال الكلبي : يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرا . ويقال : معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب ، فإذا قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء ، إذا قبض نفسا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها ، ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين ، وروح المؤمن إلى عليين . والتوفي تارة يضاف إلى ملك الموت ، كما قال : " قل يتوفاكم ملك الموت{[6436]} " [ السجدة : 11 ] وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك ، كما في هذه الآية وغيرها . وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة ، كما قال : " الله يتوفى الأنفس حين موتها{[6437]} " [ الزمر : 42 ] " قل الله يحييكم ثم يميتكم{[6438]} " [ الجاثية : 26 ] " الذي خلق الموت والحياة{[6439]} " [ الملك : 2 ] فكل مأمور من الملائكة فإنما يفعل ما أمر به . " وهم لا يفرطون " أي لا يضيعون ولا يقصرون ، أي يطيعون أمر الله . وأصله من التقدم ، كما تقدم . فمعنى فرط قدم العجز . وقال أبو عبيدة : لا يتوانون . وقرأ عبيد بن عمير " لا يفرطون " بالتخفيف ، أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به الإكرام والإهانة .


[6428]:راجع ج 19 ص 245.
[6429]:راجع ج 17 ص 8.
[6430]:من ز.
[6431]:من ز، ع.
[6432]:في ك: سفيها.
[6433]:راجع ج 2 ص 137.
[6434]:راجع ج 6 ص 416.
[6435]:راجع ج 6 ص 416.
[6436]:راجع ج 14 ص 92.
[6437]:راجع ج 15 ص 260.
[6438]:راجع ج 16 ص 172.
[6439]:راجع ج 18 ص 206.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ} (61)

ولما أخبر بتمام العلم والقدرة ، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع مخالفتها ، فلو بالغ أحد في الاجتهاد في أن ينام في غير وقته ما قدر ، أو أن يقوم وقت النوم لعجز ، أو أن يحيي وقت الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال : { وهو } أي يفعل ذلك والحال أنه وحده بما له من غيب الغيب وحجب الكبرياء{[29879]} { القاهر } وصور ذلك بقوله : { فوق عباده } أي في الإحاطة بالعلم والفعل ، أما قهره للعدم{[29880]} فبالتكوين{[29881]} والإيجاد ، وأما قهره للوجود{[29882]} فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة و{[29883]} من الوجود إلى العدم أخرى ، فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار - إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصروف{[29884]} الممكنات { ويرسل } ورجع إلى الخطاب لأنه أصرح فقال : { عليكم } من ملائكته { حفظة } أي يحفظون عليكم كل حركة وسكون لتستحيوا منهم وتخافوا{[29885]} عاقبة كتابتهم . ويقوم عليكم بشهادتهم الحجة على مجاري عاداتكم ، وإلا فهو سبحانه غني عنهم ، لأنه العالم القادر فيحفظونكم على حسب مراده فيكم { حتى إذا جاء } .

ولما كان تقديم المفعول أخوف قال : { أحدكم الموت } أي الذي لا محيد له عنه ولا محيص { توفته } أي أخذت روحه كاملة { رسلنا } من ملك الموت وأعوانه على ما لهم من العظمة بالإضافة إلينا { وهم لا يفرطون * } في نفس واحد ولا ما دونه ولا ما فوقه بالتواني عنه{[29886]} ليتقدم ذلك عن وقته أو يتأخر ؛


[29879]:من ظ، وفي الأصل: الكبر.
[29880]:في ظ: بالعدم.
[29881]:من ظ، وفي الأصل: فبالسكون.
[29882]:من ظ، وفي الأصل: بموجود.
[29883]:تقدمت في ظ على " تارة".
[29884]:في ظ: صنوف.
[29885]:من ظ، وفي الأصل: يخافوا.
[29886]:في ظ: منه.