قوله تعالى : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا " أي القادر على إنجائكم من الكرب ، قادر على تعذيبكم . ومعنى " من فوقكم " الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح ؛ كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح ، عن مجاهد وابن جبير وغيرهما . " أو من تحت أرجلكم " الخسف والرجفة ، كما فعل بقارون وأصحاب مدين . وقيل : " من فوقكم " يعني الأمراء الظلمة ، " ومن تحت أرجلكم " يعني السفلة وعبيد السوء ، عن ابن عباس ومجاهد أيضا . " أو يلبسكم شيعا " وروي عن أبي عبدالله المدني " أو يلبسكم " بضم الياء ، أي يجللكم العذاب ويعمكم به ، وهذا من اللبس بضم الأول ، وقراءة الفتح من اللبس . وهو موضع مشكل والأعراب يبينه . أي يلبس عليكم أمركم ، فحذف أحد المفعولين وحرف الجر ، كما قال : " وإذا كالوهم أو وزنوهم " {[6443]} [ المطففين : 3 ] وهذا اللبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلفي الأهواء ، عن ابن عباس . وقيل : معنى " يلبسكم شيعا " بقوي عدوكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد لبسكم . " شيعا " معناه فرقا . وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا ، وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم{[6444]} على طلب الدنيا . وهو معنى قوله{[6445]} " ويذيق بعضكم بأس بعض " أي بالحرب والقتل في الفتنة ، عن مجاهد . والآية عامة في المسلمين والكفار . وقيل هي في الكفار خاصة . وقال الحسن : هي في أهل الصلاة . قلت : وهو الصحيح ، فإنه المشاهد في الوجود ، فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا ، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض . نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن . وعن الحسن أيضا أنه تأول ذلك فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم . روى مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله زوى{[6446]} لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم{[6447]} ولو اجتمع عليهم من أقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا ) . وروى النسائي عن خباب بن الأرت ، وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر ، فلما سلم رسول الله من صلاته جاءه خباب فقال : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ! لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت الله عز وجل فيها ثلاث خصال ، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها ، وسألت ربي عز وجل ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها ، وسألت ربي عز وجل ألا يلبسنا شيعا فمنعنيها ) . وقد أتينا على هذه الأخبار في كتاب ( التذكرة ) والحمد لله . وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( يا جبريل ما بقاء أمتي على ذلك ) ؟ فقال له جبريل : ( إنما أنا عبد مثلك فادع ربك وسله لأمتك ) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وأسبغ الوضوء وصلى وأحسن الصلاة ، ثم دعا فنزل جبريل وقال : ( يا محمد إن الله تعالى سمع مقالتك وأجارهم من خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) . فقال : ( يا جبريل ما بقاء أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض ) ؟ فنزل جبريل بهذه الآية : " الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا{[6448]} " [ العنكبوت : 1 - 2 ] الآية . وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله قال : لما نزلت هذه الآية " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بوجه الله " فلما نزلت " أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض " قال : ( هاتان أهون ) . وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال : ( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يصبح ويمسي : اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة . اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي . اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي ) . قال وكيع : يعني الخسف .
قوله تعالى : " انظر كيف نصرف الآيات " أي نبين لهم الحجج والدلالات . " لعلهم يفقهون " يريد بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي .
ولما كانوا بإشراكهم{[29917]} كأنهم{[29918]} يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعود ، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً ، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن{[29919]} شدتهم تلك التي{[29920]} أذلتهم لم تزل في الحقيقة ، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء{[29921]} كقدرته عليها في وقتها سواء ، فإنه{[29922]} خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما ، ولكنهم عمي الأبصار{[29923]} أجلاف الطبائع فقال : { قل هو } أي وحده { القادر } ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة{[29924]} التي نفاها{[29925]} بالتخصيص ، على أن التعريف يفيد به المبالغة{[29926]} { على أن يبعث } أي في أيّ{[29927]} وقت يريده{[29928]} { عليكم } أي في كل حالة { عذاباً من فوقكم } بإسقاط السماء قطعاً أو شيء منها كالحجارة التي حصب{[29929]} بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو{[29930]} بتسليط أكابركم { أو من تحت أرجلكم } أي بالخسف أو إثارة{[29931]} الحيات أو غيرها{[29932]} من الأرض كما وقع لبعض من سلف ، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم{[29933]} { أو يلبسكم } أي يخلط بينكم حال كونكم { شيعاً } أي متفرقين ، كل شيعة على هوى ، فيكون ذلك سبباً للسيف { ويذيق بعضكم } أي بعض تلك الشيع { بأس بعض } فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره ، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاماً ، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما ، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه ، فكيف بملك الملوك علام الغيوب ! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد .
وقال : حسن غريب ، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان
{ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك{[29934]} }[ الفرقان : 10 ] .
ولما كان هذا بياناً عظيماً ، أشار إلى عظمه بقوله : { انظر } وعظمه تعظيماً آخر بالاستفهام فقال { كيف نصرف{[29935]} الآيات } أي أي نكررها{[29936]} موجهة في جميع الوجوه{[29937]} البديعة النافعة البليغة { لعلهم يفقهون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.