الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ} (87)

قوله تعالى : " ويوم ينفخ في الصور " أي واذكر يوم أو ذكرهم يوم ينفخ في الصور ومذهب الفراء أن المعنى : وذلكم يوم ينفخ في الصور ، وأجاز فيه الحذف والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل قال مجاهد : كهيئة البوق وقيل : هو البوق بلغة أهل اليمن ، وقد مضى في " الأنعام " {[12321]} بيانه وما للعلماء في ذلك . " ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله " قال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لما فرغ من خلق السماوات خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة ) قلت : يا رسول الله ما الصور ؟ قال : ( قرن والله عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفحة الصعق والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين ) وذكر الحديث ذكره علي بن معبد والطبري والثعلبي وغيرهم ، وصححه ابن العربي . وقد ذكرته في كتاب ( التذكرة ) وتكلمنا عليه هنالك ، وأن الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث ، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لا زمان لهما ، أي فزعوا فزعا ماتوا منه ؛ أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره ، فإنه قال في كلامه على هذه الآية : والمراد النفخة الثانية أي يحيون فزعين يقولون : " من بعثنا من مرقدنا " [ يس : 52 ] ؛ ويعاينون من الأمور ما يهولهم ويفزعهم ؛ وهذا النفخ كصوت البوق لتجتمع الخلق في أرض الجزاء . قاله قتادة . وقال الماوردي : " ويوم ينفخ في الصور " . هو يوم النشور من القبور ، قال وفي هذا الفزع قولان : أحدهما : أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم : فزعت إليك في كذا إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك ، والقول الثاني : إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن ؛ لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا . وهذا أشبه القولين .

قلت : والسُنة الثابتة من حديث أبى هريرة وحديث عبد الله بن عمرو يدل على أنهما نفختان لا ثلاث ، خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في كتاب ( التذكرة ) وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان ، قال الله تعالى : " ونفخ في الصور فصعق من السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله " [ الزمر : 68 ] فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع فدل على أنهما واحدة . وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيي الله بها كل ميت ) فإن قيل : فإن قوله تعالى : " يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة " [ النازعات : 7 ] إلى أن قال : " فإنما هي زجرة واحدة " [ النازعات : 13 ] وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث قيل له : ليس كذلك ، وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم ، كذلك قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم . قال مجاهد : هما صيحتان أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله ، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله . وقال عطاء : " الراجفة " القيامة و " الرادفة " البعث . وقال ابن زيد : " الراجفة " الموت و " الرادفة " الساعة . والله أعلم .

قوله تعالى : " إلا من شاء الله " اختلف في هذا المستثنى من هم . ففي حديث أبي هريرة أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون إنما يصل الفزع إلى الأحياء ، وهو قول سعيد بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش ، وقال القشيري : الأنبياء داخلون في جملتهم ؛ لأن لهم الشهادة مع النبوة وقيل : الملائكة . قال الحسن : استثني طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين . قال مقاتل : يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت . وقيل : الحور العين . وقيل : هم المؤمنون ؛ لأن الله تعالى قال عقب هذا : " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون " وقال بعض علمائنا : والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل .

قلت : خفي عليه حديث أبي هريرة ، وقد صححه القاضي أبو بكر العربي فليعول عليه ؛ لأنه نص في التعيين وغيره اجتهاد . والله أعلم . وقيل غير هذا ما يأتي في " الزمر " .

وقوله " ففزع من في السماوات " ماض و " ينفخ " مستقبل فيقال : كيف عطف ماض على مستقبل ؟ فزعم الفراء أن هذا محمول على المعنى ؛ لأن المعنى : إذا نفخ في الصور ففزع . " إلا من شاء الله " نصب على الاستثناء . " وكل أتوه داخرين " قرأ أبو عمر وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير : " آتُوه " جعلوه فعلا مستقبلا . وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة وحفص عن عاصم : " وكل أتوه " مقصورا على الفعل الماضي ، وكذلك قرأه ابن مسعود وعن قتادة " وكل أتاه داخرين " قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات من قرأ{[12322]} : " وكل أتوه " وحده علي لفظ " كل " ومن قرأ : " أتوه " جمع على معناها ، وهذا القول غلط قبيح ؛ لأنه إذا قال : " وكل أتوه " فلم يوحد وإنما جمع ، ولو وحد لقال : " أتاه " ولكن من قال : " أتوه " جمع على المعنى وجاء به ماضيا ؛ لأنه رده إلي " ففزع " ومن قرأ " وكل آتوه " حمله على المعنى أيضا وقال : " أتوه " لأنها جملة منقطعة من الأول . قال ابن نصر : حكي عن أبي إسحاق رحمه الله ما لم يقله ، ونص أبي إسحاق : " وكل أتوه داخرين " ويقرأ : " أتوه " فمن وحد فللفظ " كل " ومن جمع فلمعناها . يريد ما أتي في القرآن أو غيره من توحيد خبر " كل " فعلى اللفظ أو جمع فعلى المعنى ، فلم يأخذ أبو جعفر هذا المعنى . قال المهدوي : ومن قرأ " وكل أتوه داخرين " فهو فعل من الإتيان وحمل على معنى " كل " دون لفظها ، ومن قرأ " وكل آتوه داخرين " فهو اسم الفاعل من أتى يدلك على ذلك قوله تعالى : " وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " [ مريم : 95 ] ومن قرأ " وكل أتاه " حمله على لفظ " كل " دون معناها وحمل " داخرين " على المعني ، ومعناه صاغرين ، عن ابن عباس وقتادة . وقد مضى في " النحل " {[12323]} .


[12321]:راجع ج 7 ص 20 طبعة أولى أو ثانية.
[12322]:الزيادة من " إعراب القرآن" للنحاس.
[12323]:راجع ج 10 ص 111 طبعة أولى أو ثانية.