البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ} (87)

{ ويوم ينفخ في الصور } : تقدم القول في الصور في سورة الأنعام ، وهذه النفخة هي نفخة الفزع .

وروى أبو هريرة أن الملك له في الصور ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام من القبور .

وقيل : نفختان ، جعلوا الفزع والصعق نفخة واحدة ، واستدلوا بقوله : { ثم نفخ فيه أخرى } ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله .

وقال صاحب الغنيان : { ويوم ينفخ في الصور } للبعث من القبور والحشر ، وعبر هنا بالماضي في قوله : { ففزغ } ، وإن كان لم يقع إشعاراً بصحة وقوعه ، وأنه كائن لا محالة ، وهذه فائدة وضع الماضي موضع المستقبل ، كقوله تعالى : { فأوردهم النار } بعد قوله : { يقدم قومه يوم القيامة } { إلا من شاء الله } : أي فلا ينالهم هذا الفزع لتثبيت الله قلبه .

فقال مقاتل : هم جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت عليهم السلام .

وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم ، فهم حريون أن لا ينالهم هذا .

وقال الضحاك : الحور العين ، وخزنة النار ، وحملة العرش .

وعن جابر : منهم موسى ، لأنه صعق مرة .

وقال أبو هريرة : هم الشهداء ، ورواه أبو هريرة حديثاً ، وهو : « أنهم هم الشهداء عند ربهم يرزقون » ، وهو قول ابن جبير ، قال : هم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش .

وقيل : هم المؤمنون لقوله : { وهم من فزع يومئذ آمنون } .

قال بعض العلماء : ولم يرد في تعيينهم خبر صحيح ، والكل محتمل .

قال القرطبي : خفي عليه حديث أبي هريرة ، وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي ، فيعول عليه في التعيين ، وغيره اجتهاد .

وهذا النفخ هو حقيقة ، إما في القرن ، وإما في الصور ، وهو قول الأكثرين .

وقيل : يجوز أن يكون تمثيلاً لدعاء الموتى ، فإن خروجهم من قبورهم كخروج الجيش عند سماع الصوت ، فيكون ذلك مجازاً .

والأول قول الأكثرين ، وهو الصواب ، لكثرة ورود النفخ في الصور في القرآن وفي الحديث الصحيح .

وقيل : ففزع ، ليس من الفزع بمعنى الخوف ، وإنما معناه : أجاب وأسرع إلى البقاء .

{ وكل أتوه } : المضاف إليه كل محذوف تقديره : وكلهم .

وقرأ الجمهور : آتوه ، اسم فاعل ؛ وعبد الله ؛ وحمزة ، وحفص : أتوه ، فعلاً ماضياً ، وفي القراءتين روعي معنى كل من الجمع ، وقتادة : أتاه ، فعلاً ماضياً مسنداً الضمير كل على لفظها ، وجمع { داخرين } على معناها .

وقرأ الحسن ، والأعمش : دخرين ، بغير ألف .

قيل : ومعنى آتوه : حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية ، ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له .