لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (42)

يريد به المتخلفين عنه في غزوة " تبوك " ، بيَّنَ سبحانه أنه لو كانت المسافةُ قريبةً ، والأمرُ هيِّناً لَمَا تخلَّفوا عنك ؛ لأنَّ مَنْ كان غيرَ متحقِّقٍ في قَصْدِه كان غيرَ بالغ في جهده ، يعيش على حَرْفٍ ، ويتصرَّف بحرف ، فإِنْ أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإنْ أصابَتْه فتنةٌ انقلبَ على وجهه . وقال تعالى :{ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ }

[ محمد : 21 ] .

فإذا رأيتَ المريدَ يتبعُ الرُّخَصَ ويَجْنَحُ إلى الكسل ، ويتعلَّلُ بالتأويلاتِ . . فاعلَمْ أنه مُنْصَرِفٌ عن الطريق ، متخلِّفٌ عن السلوك ، وأنشدوا :

وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً *** مَلَّ الوصال وقال : كان وكانا

ومَنْ جَدَّ في الطلب لم يُعَرِّج في أوطان الفشل ، ويواصل السير والسُّرى ، ولا يحتشم من مقاساة الكدِّ والعناء ، وأنشدوا :

ثم قطعتُ الليلَ في مهمهٍ *** لا أسداً أخشى ولا ذئبا

يغلبني شوقي فأطوي السُّرى *** ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا

قوله :

{ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ }[ التوبة : 42 ] : يمين المتعلِّلِ والمُتَأَوِّلِ يمينٌ فاجرةٌ تشهد بكذبها عيون الفراسة ، وتنفر منها القلوب ، فلا تجد من القلوب محلاً .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (42)

{ لَّوْ كَانَ } أي ما دعوا إليه كما يدل عليه ما تقدم { عَرَضًا قَرِيبًا } أي غنماً سهل المأخذ قريب المنال ، وأصل العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها . وفي الحديث «الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر » { وَسَفَرًا قَاصِدًا } أي متوسطاً بين القرب والبعد وهو من باب تامر ولابن { لاَّتَّبَعُوكَ } أي لوافقوك في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة ، وهذا شروع في تعيدي ما صدر عنهم من الهنات قولاً وفعلاً وبيان قصور همهم وما هم عليه من غير ذلك ، وقيل : هو تقرير لكونهم متثاقلين مائلين إلى الإقامة بأرضهم ، وتعليق الاتباع بكلا الأمرين يدل على عدم تحققه عند توسط السفر فقط { ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة } أي المسافة التي تقطع بمشقة . وقرأ عيسى بن عمر { بَعِدَتْ } بكسر العين { *والشقة } بكسر الشين ، وبعد يبعد كعلم يعلم لغة واختص ببعد الموت غالباً ، وجاء لا تبعد للتفجع والتحسر في المصائب كما قال :

لا يبعد الله إخواناً لنا ذهبوا *** أفناهم حدثان الدهر والأبد

{ وَسَيَحْلِفُونَ } أي المتهلفون عن الغزو { بالله } متعلق بسيحلفون ، وجوز أن يكون من جمة كلامهم ولا بد من تقدير القول في الوجهين أي سيحلفون عند رجوعك من غزوة تبوك بالله قائلين { لَوِ استطعنا } أو سيحلفون قائلين بالله لو استطعنا الخ ، وقيل : لا حاجة إلى تقدير القول لأن الحلف من جنس القول وهو أحد المذهبين المشهورين ، والمعنى لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتيهما معاً حسبما عن لهم من التعلل والكذب { لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } لما دعوتمونا إليه وهذا جواب القسم وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم وهو اختيار ابن عصفور ، واختار ابن مالك أنه جواب { لَوْ } ولو وجوابها جواب القسم ، وقيل : إنه ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعاً ، والقسم على الاحتمال الأول ظاهر وأما على الثاني فلأن { لَوِ استطعنا } في قوة بالله لو استطعنا لأنه بيان لسيحلفون بالله وتصديق له كما قيل .

واعترض القول الأخير بأنه لم يذهب إليه أحد من أهل العربية . وأجيب بأن مراد القائل أنه لما حذف جواب { لَوْ } دل عليه جواب القسم جعل كأنه ساد مسد الجوابين . وقرأ الحسن . والأعمش { لَوِ استطعنا } بضم الواو تشبيهاً لها بواو الجمع كما في قوله تعالى : { فَتَمَنَّوُاْ الموت } [ الجمعة : 6 ] و { اشتروا الضلالة } [ البقرة : 16 ] وقرىء بالفتح أيضاً { يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بايقاعها في العذاب ، قيل : وهو بدل من { سَيَحْلِفُونَ } واعترض بأن الهلاك ليس مرادفاً للحلف ولا هو نوع منه ، ولا يجوز أن يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفاً له أو نوعاً منه .

وأجيب بأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع » وحاصله أنهما ترادفان ادعاء فيكون بدل كل من كل ، وقيل إنه بدل اشتمال إذ الحلف سبب للاهلاك والمسبب يبدل من السبب لاشتماله عليه ، وجوز أن يكون حالاً من فاعله أن سيحلفون مهلكين أنفسهم ، وأن يكون حالاً من فاعل { لَخَرَجْنَا } جيء به على طريقة الأخبار عنهم كأنه قيل : نهلك أنفسنا أي لخرجنا مهلكين أنفسنا كما في قولك : حلف ليفعلن مكان لأفعلن ولكن فيه بعد . وجوز أبو البقاء الاستئناف { والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون } في مضمون الشرطية وفيما ادعوا ضمنا من انتفاء تحقق المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا .

واستدل بالآية على أن القدرة قبل الفعل .