قوله جل ذكره : { وَإِذَا رَأَيْتُهمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيِْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللًّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } .
أي هم أشباحٌ وقوالبٌ وليس وراءهم ألبابٌ وحقائق - فالجوزُ الفارغُ مُزَيَّنٌ ظاهِرُه ولكنه للعب الصبيان .
{ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } وذلك لِجُبْنِهم ؛ إذ ليس لهم انتعاشٌ بربِّهم ، ولا استقلالٌ بغيرهم .
{ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ } هم عدوٌّ لك - يا محمد - فاحْذَرْهم ، ولا يَغُرَّنْكَ تَبَسُّطُهم في الكلام على وجهِ التودُّدِ والتقرُّب .
تعجبك أجسامهم : لصباحتها وتناسُب أعضائها .
تسمع لقولهم : لفصاحتهم وحسن حديثهم .
خشُب مسندة : جمع خشبة ، يعني أنهم أجسام فارغة لا حياة فيها .
يحسبون كل صيحة عليهم : فهم لشعورهم بالذنب وبحقيقة حالهم ، يظنون أن كل صوت أو حركة عليهم .
قاتلَهم الله : لعنهم الله وطردهم من رحمته .
ثم وصف هيئاتهم الظاهرة والباطنة ، فأجسامُهم في الظاهر حسنة تُعجِب الناس ، ومنطقهم حسن ، ولكلامهم حلاوة ، أما في الباطن فهم خُشُبٌ لا فائدة فيها ، أشباح بلا أرواح ، فسدت بواطنهم ، وحسنت ظواهرهم .
ثم وصفهم بالجبن والذلة إذا سمعوا أي صوت أو حركة ظنّوا أنهم المقصودون ، وأن أمرهم قد افتُضِح : { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } وأنهم هالكون لا محالة . { هُمُ العدو فاحذرهم } أيها الرسول ، ولا تأمنهم أبدا .
ثم زاد في ذمهم وتوبيخهم فقال :
{ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ } لعنهم الله وطردَهم من رحمته كيف يُصرَفون عن الحق إلى ما هم عليه من النفاق .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : خشب بإسكان الشين . والباقون : خشب بضم الخاء والشين .
{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } من روائها ونضارتها ، { وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } أي : من حسن منطقهم تستلذ لاستماعه ، فأجسامهم وأقوالهم معجبة ، ولكن ليس وراء ذلك من الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح شيء ، ولهذا قال : { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ } لا منفعة فيها ، ولا ينال منها إلا الضرر المحض ، { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف قلوبهم ، والريب الذي في قلوبهم يخافون{[1104]} أن يطلع عليهم .
فهؤلاء { هُمُ الْعَدُوُّ } على الحقيقة ، لأن العدو البارز المتميز ، أهون من العدو الذي لا يشعر به ، وهو مخادع ماكر ، يزعم أنه ولي ، وهو العدو المبين ، { فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي : كيف يصرفون عن الدين الإسلامي بعد ما تبينت أدلته ، واتضحت معالمه ، إلى الكفر الذي لا يفيدهم إلا الخسار والشقاء .
{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 4 ) }
وإذا نظرت إلى هؤلاء المنافقين تعجبك هيئاتهم ومناظرهم ، وإن يتحدثوا تسمع لحديثهم ؛ لفصاحة ألسنتهم ، وهم لفراغ قلوبهم من الإيمان ، وعقولهم من الفهم والعلم النافع كالأخشاب الملقاة على الحائط ، التي لا حياة فيها ، يظنون كل صوت عال واقعًا عليهم وضارًا بهم ؛ لعلمهم بحقيقة حالهم ، ولفرط جبنهم ، والرعب الذي تمكَّن من قلوبهم ، هم الأعداء الحقيقيون شديدو العداوة لك وللمؤمنين ، فخذ حذرك منهم ، أخزاهم الله وطردهم من رحمته ، كيف ينصرفون عن الحق إلى ما هم فيه من النفاق والضلال ؟
{ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } يعني أن لهم أجساماً ومناظر ، { وإن يقولوا تسمع لقولهم } فتحسب أنه صدق ، قال عبد الله بن عباس : كان عبد الله بن أبي جسيماً فصيحاً طلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله . { كأنهم خشب مسندة } أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام . قرأ أبو عمرو والكسائي : خشب بسكون الشين ، وقرأ الباقون بضمها . { مسندة } ممالة إلى جدار ، من قولهم : أسندت الشيء ، إذا أملته ، والثقيل للتكثير ، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر ، ولكنها خشب مسندة إلى حائط ، { يحسبون كل صيحة عليهم } أي لا يسمعون صوتاً بأن نادى مناد أو انفلتت دابة وأنشدت ضالة ، إلا ظنوا -من جبنهم وسوء ظنهم- أنهم يرادون بذلك ، أنهم قد أتوا ، لما في قلوبهم من الرعب . وقيل : ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ويبيح دماءهم ثم قال : { هم العدو } وهذا ابتداء وخبره ، { فاحذرهم } ولا تأمنهم ، { قاتلهم الله } لعنهم الله { أنى يؤفكون } يصرفون عن الحق .
قوله : { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم } كان المنافقون أولي هيئات حسنة ومناظر بهية وكانوا أولي فصاحة وبيان فإذا تكلموا أجادوا في الكلام فأصغى إليهم سامعوهم لحسن قولهم وبلاغة حديثهم . وقيل : المراد بذلك عبد الله بن أبي ابن سلول . وقد قال عنه ابن عباس : كان عبد الله من أبيّ وسيما جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان . فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته . وقيل الخطاب لكل من يصلح له من المنافقين . وهو الأظهر .
قوله : { كأنهم خشب مسنّدة } يعني كأن هؤلاء المنافقين خشب مسندة إلى الحائط ، لأنها لا قلوب فيها ولا عقول . فهي جوفاء ، فارغة من كل وعي أو خير أو وازع . فهم أشبه بصور عمياء ، وأشباح خرساء ليس فيها أرواح { يحسبون كل صيحة عليهم } هؤلاء المنافقون جبناء خائرون مهزومون . وهم موغلون في الاضطراب والهلع والجزع والخور . فهم بذلك كلما حصل أمر أو نزلت حادثة أو غشي الناس خبر ، ظنوا - واهمين مذعورين - أن ذلك نازل بهم أو من أجلهم لفضحهم وكشف أستارهم .
قوله : { هم العدو فاحذرهم } يبين الله في ذلك أن هؤلاء المنافقين أولو عداوة كاملة ، لأنهم يخفون في قلوبهم الكفر فهم خبيثون ، ماكرون مخادعون . فخذ حذرك منهم يا محمد أن يثبّطوا أصحابك ويشيعوا فيهم الشكوك والأراجيف ويمالئوا عليك الأعداء من الكافرين .
قوله : { قاتلهم الله } يعني أخزاهم الله ، كيف يصرفون عن الحق ، وتميل قلوبهم عن الإيمان الصحيح مع وضوح دلائله وبيناته{[4545]} .