الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري - الزمخشري  
{۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (4)

كان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً صبيحاً ، فصيحاً ، ذلق اللسان وقوم من المنافقين في مثل صفته ، وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه ، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم .

فإن قلت : ما معنى قوله : { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } ؟ قلت : شبهوا في استنادهم - وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير - بالخشب المسندة إلى الحائط ؛ ولأنّ الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع . ويجوز أن يراد بالخشب المسندة : الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان ؛ شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم ؛ والخطاب في { رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ } لرسول الله ، أو لكل من يخاطب . وقرىء : «يُسمع » على البناء للمفعول ، وموضع { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ } رفع على هم كأنهم خشب . أو هو كلام مستأنف لا محل له . وقرىء : «خشب » جمع خشبة ، كبدنة وبدن . وخشب ، كثمرة وثمر . وخشب ، كمدرة ومدر ، وهي في قراءة ابن عباس . وعن اليزيدي أنه قال في { خُشُبٌ } : جمع خشباء ، والخشباء : الخشبة التي دعر جوفها : شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم { عَلَيْهِمْ } ثاني مفعولي يحسبون ، أي : يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم ، لجبنهم وهلعهم وما في قلوبهم من الرعب : إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة : ظنوه إيقاعاً بهم . وقيل : كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم . ومنه أخذ الأخطل :

مَا زِلْتَ تَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُم *** خَيْلاَ تَكِرُّ عَلَيْهِمُ وَرِجَالاَ

يوقف على { عَلَيْهِمْ } ويبتدأ { هُمُ العدو } أي الكاملون في العداوة : لأنّ أعدى الأعداء العدوّ المداجي ، الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي { فاحذرهم } ولا تغترر بظاهرهم . ويجوز أن يكون { هُمُ العدو } المفعول الثاني ، كما لو طرحت الضمير .

فإن قلت : فحقه أن يقال : هي العدوّ . قلت : منظور فيه إلى الخبر ، كما ذكر في { هذا رَبّى } [ الأنعام : 76 ] وأن يقدر مضاف محذوف على : يحسبون كل أهل صحية { قاتلهم الله } دعاء عليهم ، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم . أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك { أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يعدلون عن الحق تعجباً من جهلهم وضلالتهم .