لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (125)

قوله جلّ ذكره : { وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } .

واذكر يا محمد حين جعلنا البيت - يعني الكعبة - مثابة للناس إليه يثوبون ، ومأمنًا لهم إليه يرجعون ، وإياه من كل نحوٍ يقصدون .

هو بيت خلقتُه من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل ؛ فمن نظر إلى البيت بعين الخِلْقَة انفصل ، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل ، وكلُّ من التجأ إلى ذلك البيت أَمِنَ من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام ، والتوبة عن الآثام .

ويقال بُنيَ البيتُ من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد .

بيتٌ من وقع عليه ظِلُّه أناخ بعَقْوَةِ الأمن .

بيتٌ مَنْ وقع عليه طَرْفُه بُشِّرَ بتحقيق الغفران .

بيتٌ مَنْ طاف حَوْلَه طافت اللطائف بقلبه ، فطَوْفَة بطوفة ، وشَوْطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان .

بيتٌ ما خَسِرَ مَنْ أنفق على الوصول إليه مَالَه .

بَيت ما ربح مَنْ ضَنَّ عليه بشيءٍ ؛ مَنْ زاره نَسِيَ مزارَه ، وهجر ديارَه .

بيت لا تُسْتَبْعَدُ إليه المسافة ، بيت لا تُترَك زيارته لحصول مخافة ، أو هجوم آفة ، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة .

بيت من قعد عن زيارته فَلِعدَمِ فُتَوَّتِه ، أو لقلة محبته .

بيتٌ من صَبِرَ عنه فقلبه أقسى من الحجارة . بيت من وقع عليه شعاعُ أنواره تَسَلَّى عن شموسه وأقماره .

بيت ليس العجب ممن بقي ( عنه ) كيف يصبر ، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع !

قوله جلّ ذكره : { وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى } .

عَبْدٌ رفع لله سبحانه قَدمًا فإلى القيامة جعل أثر قَدَمِه قِبْلَةً لجميع المسلمين إكرامًا لا مدى له .

الأمر في الظاهر بتطهير البيت ، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب .

وتطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس والأوضار ، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار .

وطوافُ الحجاج حول البيت معلومٌ بلسان الشرع ، وطوافُ المعاني معلومٌ لأهل الحق ؛ فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة ، وقلوب الموحدين الحقائق فيها عاكفة ، فهؤلاء أصحاب التلوين وهؤلاء أرباب التمكين .

وقلوبُ القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدًا واقفة .

وقلوب الموحدِّين على بساط الوصل أبدًا راكعة .

وقلوب الواجدين على بساط القرآن أبدًا ساجدة .

ويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدًا واقفة ، وسوامي قصود المريدين بمشهد الجود أبدًا طائفة ، ووفود هِمَمِ العارفين بحضرة العِزِّ أبداً عاكفة . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} (125)

البيت : الحرم المكي .

مثابة : مرجعا يثوب إليه الناس .

مقام إبراهيم : هو الحجر الذي كان يقوم عليه حين بناء الكعبة ، وقيل : إن الحرم كله مقام إبراهيم .

عهد : وصّى .

في هذه الآية يأتي الحديث عن إبراهيم وإسماعيل ، وعن البيت الحرام وشعائره ، لتقدير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جمعيا حول النسب الذي يمتُّ به ويحترمه أهل الكتاب ومشركو العرب ، وهو ملة إبراهيم ونسبه إلى عقيدة المسلمين .

اذكروا قصة بناء إبراهيم مع ابنه اسماعيل لبيت الله الحرام بمكة ، إذ جعلنا هذا البيت للخلَف ملاذا ومأمنا ، وإذ أمرنا الناس أن يتخذوا منه مكاناً يصلّون فيه . وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أي : وصيناهم بتطهير البيت ، وأن يصوناه من كل رجس معنوي كالشرك بالله وعبادة الأصنام ، أو رجس حسي كاللغو والرفث والتنازع فيه ، وقت أداء العبادات . كما أوصيناهما أن يجعلاه مهيَّأً للناس للطواف والصلاة والسعي .

ومقام إبراهيم الذي جاءت الإشارة إليه كان ملاصقاً للكعبة ، وكان الحجاج أثناء الطواف يتزاحمون عنده ، وربما حدث كثير من الانزعاج لبعضهم ، مما حدا بالمسئولين أن يستفتوا العلماء لإبعاده قليلا ، وقد أفتى بذلك جمهور من العلماء ، فتمت زحزحته عن مكانه .

وهناك من المفسرين من يقول : مقام إبراهيم هو الحرم جميعه سماه الله بيته ، لأنه أمر المصلّين أن يتوجهوا في عبادتهم إليه .

والحكمة في ذلك أن الناس في حاجة إلى التوجه إلى خالقهم لشكره والثناء عليه ، لكنهم يعجزون عن التوجه إلى «ذات مجردة » لا تنحصر في جهة ، فعيّن الله لهم هذا البيت المقدس نسبة إليه .

القراءات :

قرأ نافع وابن عام : «اتخذوا » بلفظ الماضي .