لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (134)

لا يدَّخِرُونَ عن الله شيئاً ، ويؤثِرونه على جميع الأشياء ، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد ، وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات ، وقلوبهم في الطلب ثم دوام المراعاة ، وأرواحهم على صفاء المحبَّات والوفاء على عموم الحالات ، وينفقون أسرارهم على المشاهدات في جميع الأوقات ؛ ينتظرون إشارات المطالبات ، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات .

قوله : { وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ } : يتجاوزون عن الخَلْق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة ، وأقوام يَحْلُمون على الخلق علماً بأن ذلك بسبب جُرْمِهم فيشهدونهم بعين التسلط ، وآخرون يكظمون الغيظ تحققاً بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل ، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافِيَ الدرجات في الذُّلِّ لأن نفوسهم ساقطة فانية ، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار في الإنشاء والإجراء ؛ فعلموا أنَّ المنشئ الله ؛ فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمَّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه ؛ فلم يروا معه وجهاً غير التسليم لحكمه ، فأكرمهم الحق سبحانه بِبَرْدِ الرضاء ، فقاموا له بشرط الموافقة .

قوله : { والعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } فرضاً رأوه على أنفسهم لا فضلاً منهم على الناس ، قال قائلهم :

رُبَّ رام لي بأحجار الأذى *** لم أجِدْ بُدَّاً من العطف عليه

{ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه . . هذا في معاملة الحق ، وأما في معاملة الخلق فالإحسان أن تَدَعَ جميع حقِّك بالكلية كم كان على من كان ، وتقبل ( . . . ) منه ولا تقلده في ذلك مِنَّة .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (134)

السّراء : الرخاء .

الضّراء : الشدة والضيق .

الكاظمين الغيظ : الذين يضبطون أعصابهم فيكفّون عن الانتقام .

بعد أن نهى سبحانه عن الربا من خلال الآيات التي سبق ، وفيها تلوح صورة الغني القاسي القلب الذي يحصر همَّه كله في جمع المال من أية جهة كانت ، بيّن لنا في هذه الآيات صورة الأغنياء المتقِين الذين ينفقون أموالهم في السرّاء والضراء ، ويأخذون بيد الفقراء فيبذلون لهم الأموال ابتغاء مرضاة الله فقال : إنهم الذين ينفقون أموالهم إرضاءً لله في حالة الضيق والعسر ، وفي حالة الرخاء واليسر . ونحن نعلم أن بذل المال للفقراء والمحتاجين وفي سبيل الله من أهمِّ علامات التقوى . كما أن الشحَّ والبخلَ من علامة عدم التقوى . والتقوى هي السبيل الموصل إلى الجنة . وهم أيضا { والكاظمين الغيظ } أي الذين يمسكون أنفسهم عن الانتقام مع القدرة عليه .

ثم أردف تعالى بمزية عظيمة أخرى وهي قوله : { والعافين عَنِ الناس } أي الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك . وتلك منزلةٌ من ضبط النفس وملْكِ زمامها قلّ من يصل إليها . وهي أرقى من كظم الغيظ ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة ، فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نكظم غيظنا ونعفو عن الناس وننسى إساءتهم . وقد روى الطبراني عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله قال : «من سرَّه أن يُشرف له البنيان ، وتُرفع له الدرجات فليعفُ عمَّن ظلمه ، ويعطِ من حرمه ، ويصل من قطعه » .

{ والله يُحِبُّ المحسنين } أي : أولئك الذين يتفضلون على عباده البائسين يواسونهم ببعض ما أُنعم عليهم .