لا أحدَ أحسنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله ؛ يعني أفرد قصده إلى الله ، وأخلص عقده لله عما سوى الله ، ثم استسلم في عموم أحواله لله بالله ، ولم يدَّخِرْ شيئاً عن الله ؛ لا من ماله ولا من جَسَدِه ، ولا من روحه ولا من جَلَدِه ، ولا من أهله ولا من وَلَدِه ، وكذلك كان حال إبراهيم عليه السلام .
وقوله : { وَهُوَ مُحْسِنٌ } : الإحسان - بشهادة الشرع - أن تعبد الله كأنك تراه ، ولا بد للعبد من بقية من عين الفرق حتى يصحّ قيامه بحقوقه - سبحانه - لأنه إذا حصل مستوفيّ بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه ، وهذا اتِّباع إبراهيم عليه السلام الحنيف الذي لم يبق منه شيء على وصف الدوام .
وقوله : { وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } : جرَّد الحديث عن كل سعي وكدٍ وطلبٍ وجهدٍ حيث قال : { وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } فعُلِمَ أَنَّ الخلَّة لُبسةٌ يُلبِسها الحقُّ لا صفةٌ يكتسبها العبد .
ويقال الخليل المحتاج بالكلية إلى الحق في كل نَفَسٍ ليس له شيء منه بل هو بالله لله في جميع أنفاسه وأحواله ، اشتقاقاً من الخُلَّة التي هي الخَصَاصة وهي الحاجة .
ويقال إنه من الخلة التي هي المحبة ، والخلة أن تباشِر المحبةُ جميع أجزائه ، وتتخلل سِرَّه حتى لا يكون فيه مساغ للغير .
فلمَّا صفَّاه الله - سبحانه - ( عليه السلام ) عنه ، وأخلاه منه نَصَبَه للقيام بحقه بعد امتحائه عن كل شيء ليس لله سبحانه .
ثم قال :{ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً }[ الحج : 27 ] لا يلبي الحاج إلا لله ، وهذه إشارة إلى جمع الجمع .
{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًاْ }
أي : لا أحد أحسن من دين من جمع بين الإخلاص للمعبود ، وهو إسلام الوجه لله الدال على استسلام القلب وتوجهه وإنابته وإخلاصه ، وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله .
{ وَهُوَ ْ } مع هذا الإخلاص والاستسلام { مُحْسِنٌ ْ } أي : متبع لشريعة الله التي أرسل بها رسله ، وأنزل كتبه ، وجعلها طريقا لخواص خلقه وأتباعهم .
{ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ْ } أي : دينه وشرعه { حَنِيفًا ْ } أي : مائلا عن الشرك إلى التوحيد ، وعن التوجه للخلق إلى الإقبال على الخالق ، { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ْ } والخُلة أعلى أنواع المحبة ، وهذه المرتبة حصلت للخليلين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، وأما المحبة من الله فهي لعموم المؤمنين ، وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه وفَّى بما أُمر به وقام بما ابْتُلي به ، فجعله الله إماما للناس ، واتخذه خليلا ، ونوه بذكره في العالمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.