الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا} (125)

قوله تعالى : { مِمَّنْ أَسْلَمَ } متعلِّقٌ ب " أَحْسَنُ " فهي " مِنْ " الجارة للمفضول ، و " لله " متعلقٌ ب " أَسْلَم " وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حالٌ من " وجهه " وفيه نظرٌ لا يخفى . " وهو مُحْسِنٌ " حالٌ من فاعل " أَسْلم " و " اتَّبع " يجوز أن يكون عطفاً على " أسلم " وهو الظاهر ، وأن يكونَ حالاً ثانية من فاعل " أسلم " بإضمار " قد " عند مَنْ يشترط ذلك ، وقد تقدَّم الكلام على { حَنِيفاً } [ الآية : 135 ] في البقرة ، إلا أنه يجوزُ هنا أن يكونَ حالاً من فاعلِ " اتّبع " .

قوله : { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } فيه وجهان ، وذلك أن اتَّخذ " إنْ عَدَّيْناها لاثنين كان مفعولاً ثانياً وإلا كانَ حالاً ، وهذه الجملة عطف على الجملةِ الاستفهاميةِ التي معناها الخبرُ نَبَّهَتْ على شرف المتبوع وأنه جديرٌ بأن يُتَّبع لاصطفاءِ الله له بالخُلّة ، ولا يجوز عطفها على ما قبلها لعدم صلاحيتِها صلةً للموصول . وجعلها الزمخشري جملةً معترضة قال : " فإنْ قلت ما محلُّ هذه الجملةِ ؟ قلت : لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مِنْ جمل الاعتراضاتِ نحو ما يجيء في الشعر من قولهم " والحوادثُ جَمَّةٌ " فائدتُها تأكيدُ وجوبِ اتِّباع مِلَّته ، لأنَّ مَنْ بَلَغ من الزُّلفى عند الله أَن اتَّخذه خليلاً كان جديراً بأن يُتَّبع " فإنْ عنى بالاعتراضِ المصطلحَ عليه فليس ثَمَّ اعتراضٌ ، إذ الاعتراضُ بين متلازمين كفعلٍ وفاعل مبتدأ وخبر وشرط وجزاء وقسم وجواب ، وإن عَنَى غيرَ ذلك احتُمِل ، إلا أنَّ تنظيرَه بقولهم : " والحوادثُ جَمَّةٌ " يُشْعِر بالاعتراض المصطلح عليه ؛ فإن قولهم " والحوادث جمة " وَرَدَ في بيتينِ ، أحدُهما بين / فعل وفاعل كقوله :

وقد أَدْرَكَتْني والحوادثُ جَمَّةٌ *** أَسِنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عُزْلِ

والآخرُ يحتمل ذلك ، على أن تكونَ الباءُ زائدةً في الفاعل كقوله :

ألا هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ *** بأنَّ امرأ القيس بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا

ويحتمل أن يكونَ الفاعلُ ضميراً دلَّ عليه السياق أي : هل أتاها الخبر بأن امرأ القيس ، فيكون اعتراضاً بين الفعل ومعموله .

والخليلُ : مشتق من الخَلَّة بالفتح وهي الحاجة ، أو من الخُلَّة بالضم ، وهي المودة الخالصة ، أو من الخَلَل . قال ثعلب : " سُمِّي خليلاً لأن مودته تَتَخَلَّلُ القلبَ " وأنشد :

قد تَخَلَّلْتَ مسلكَ الروحِ مني *** وبه سُمِّي الخليلُ خليلا

وقال الراغب : " الخَلَّة - أي بالفتح- الاختلالُ العارضُ للنفس : إمَّا لشَهْوَتِها لشيء أو لحاجتِها إليه ، ولهذا فَسَّر الخَلّة بالحاجة ، والخُلّة - أي بالضم - المودة : إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها ، وإما لأنها تُخِلُّ النفسَ فتؤثِّر فيها تأثيرَ السهم في الرميَّة ، وإمَّا لفَرْطِ الحاجة إليها " .