ظلماتُ الحسبان ، وغيومُ التفرقة ، وليالي الجُحْدِ ، وحنادسُ لاشَّكِّ إذا اجتمعت فلا سِراجَ لصاحبها ولا نجوم ، ولا أقمارَ ولا شموسَ . . . . فالويلُ ثم الويل ! .
قوله : { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا مِن نُّورٍ } : إذا لم يسبق لعبدٍ نورُ القسمة ، ولم يساعده تَعَلُّقٌ فجهدُه وكدُّه ، وسَعْيُه وجِدُّه عقيمٌ من ثمراته ، موئِسٌ من نَيْلِ بركاته والبدايات غالبةٌ للنهايات ؛ فالقبولُ لأهْلِه غيرُ مُجتلَبٍ والرد لأهله غير مُكْتَسَبٍ وسعيدٌ مَن سَعِدْ بالسعادة في عِلْمِه في آزاله ، وأراد كونَ ما عَلِمَ من أفعاله يكون ، وأخبر أن ذلك كذلك يكون ، ثم أجرى ذلك على ما أخبر وأراد وعَلِمَ .
وهكذا القول في الشقاوة ؛ فليس لأفعاله عِلَّةٌ ، ولا تتوجَّهُ عليه لأحدٍ حُجَّةٌ .
40 - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ . . .
لجى : أي : ذي لج ( بالضم ) ، واللج معظم الماء ، والمراد : بحر عميق الماء كثيره .
لم يكد يراها : لم يقرب أن يراها ، فضلا عن أن يراها .
أي : مثل أعمالهم التي عملت على غير هدى ، مثل ظلمات مترادفة في بحر عميق ماؤه ، بعيد غوره ، يغطيه موج من فوقه موج من فوقه سحاب .
فالظلمات هي أعمال الكافرين ، والبحر اللجي قلوبهم التي غمرتها الحيرة والضلالة ، فلا تعقل ما في الكون من آيات ، ولا تسمع عظة الناصحين ، ولا تبصر حجج الله ، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض .
قال الحسن : الكافر له ظلمات ثلاث : ظلمة الاعتقاد ، وظلمة القول ، وظلمة العمل .
وقال ابن عباس : هي ظلمة قلبه وبصره وسمعه .
والخلاصة : أن الكافر لشدة إصراره على كفره ، تراكمت عليه الضلالات ، حتى إن أظهر الدلالات إذا ذكرت عنده لا يفهمها ، فقلبه مظلم ، في صدر مظلم ، في جسد مظلم .
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ . . .
ظلمة البحر اللجي ، وظلمة الذي فوقه ، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله .
إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا . . .
أي : إذا أخرج يده – وهي أقرب ما يرى إليه – لم يقرب أن يراها ، فضلا عن أن يراها .
وقالت طائفة من النحاة : بل هذا دال على أنه إنما يراها بعد جهد شديد ، وفي ذلك إثبات رؤيتها ، بعد أعظم العسر لأجل تلك الظلمات223 .
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ .
أي : ومن لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ، فما له هداية من أحد .
والتعبير في الآيتين يرسم لحال الكافرين مشهدين عجيبين حافلين بالحركة والحياة :
في المشهد الأول : يرسم أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة ، يلتمع التماعا كاذبا فيتبعه صاحبه الظامئ ، وهو يتوقع الري غافلا عما ينتظره هناك . . . وفجأة يتحرك حركة عنيفة . . . فهذا السائر وراء السراب ، الظامئ الذي يتوقع الشراب ، الغافل عما ينتظره هناك . . . يصل فلا يجد ماء يرويه ، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال ، المرعبة التي تقطع الأوصال وتورث الخبال : ووجد الله عنده . الله الذي كفر به وجحده ، وخاصمه وعاداه ، وجده هنالك ينتظره ، ولو وجد في هذه المفاجأة خصما له من بني البشر لروعه ، وهو ذاهل غافل على غير استعداد ، فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار .
فوفاه حسابه . . . هكذا في سرعة عاجلة تتناسق مع البغتة والمفاجأة . والله سريع الحساب . تعقيب يتناسق مع المشهد الخاطف المرتاع .
وفي الشمهد الثاني : تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب ، ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجى ، موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض ، حتى لتخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام .
إنه الكفر ، ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون ، وضلال لا يرى فيه القلب أقرب علامات الهدى ، ومخافة لا أمن فيها ولا قرار .
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . ونور الله هدى في القلب ، وتفتح في البصيرة ، واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض ، والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض ، فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها ، وفي مخالفة لا أمن فيها ، وفي ضلال لا رجعة منه ، ونهاية العمل سراب ضائع ، يقود إلى الهلاك والعذاب ، لأنه لا عمل بغير عقيدة ، ولا صلاح بغير إيمان ، إن هدى الله هو الهدى ، وإن نور الله هو النور224 .
والله تعالى قد ضرب ههنا مثلين للكفار والمنافقين :
ففي المثل الأول : بين حال أولئك الذين قد يأتون بأعمال حسنة على كفرهم ونفاقهم ، ويقولون بالحياة الآخرة في جملة معتقداتهم ، ويظنون أن مجرد أعمالهم الظاهرة – مع كونهم لا يؤمنون بصدق قلوبهم ، ولا يتصفون بصفات أهل الإيمان ، ولا يتبعون الرسول في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه – سوف تنقذهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة . فالله تعالى بضربه هذا المثل يبين لهؤلاء أن هذه الأعمال الظاهرة التي يرجون عليها النفع في الآخرة ليست في حقيقتها إلا كسراب في الصحراء . فكما أن الظمآن يحسب السراب ماء في الصحراء ويقصده ليشرب منه ، كذلك إن هؤلاء الكفار والمنافقين يقطعون مسافة الحياة الدنيا لينتهوا إلى حياتهم الآخرة ، لا يعتمدون في ذلك إلا على أعمالهم الكاذبة ، ولكن كما أن الظمآن الذي يسرع إلى السراب في الصحراء ليشرب منه ولا يجده شيئا عندما ينتهي إليه ، كذلك فإن هؤلاء الكفار والمنافقين عندما يدخلون منزل الموت بعد حياتهم الدنيا ، لا يجدون فيه عملا من أعمالهم ينقذهم من بطش الله تعالى وعذابه ، بل سوف يجدون الله تعالى ليوفيهم حسابهم ، ويجازيهم على كفرهم ونفاقهم وسيئاتهم التي كانوا يعملونها في حياتهم الدنيا مختلطة ببعض الحسنات الظاهرة .
وفي المثال الثاني : وهو يبدأ من قوله : أو كظلمات . . . يبين الله تعالى حال جميع الكفار والمنافقين ، وفيهم من قد مر ذكرهم في المثال الأول . فالله تعالى يقول عن هؤلاء جميعا إنهم لا يقضون حياتهم من بدئها إلى آخرها إلا في حالة الجهل الكامل ، ولو كانوا حسب اعتبارات الدنيا كبار علمائها وأساتذتها الذين قد سبقوا سائر أهلها في الفنون والعلوم والاختراع . ولكن مثلهم – حسب بيان القرآن – كمثل رجل يعيش في مكان ليس فيه إلا الظلمة ، ولا ينفذ إليه من أي جوانبه شعاع واحد من النور . فيظن هؤلاء أن العلم إنما هو عبارة عن اختراع القنبلة الذرية أو قنبلة الهيدروجين أو الصاروخ الطائر إلى القمر ، وأن المهارة في الاقتصاديات والماليات والقانون والفلسفة هي العلم . . . ألا إن العلم الحقيقي هو شيء آخر ليسوا على أدنى إلمام بألفه وبائه ، فهم على الجهل المحض باعتبار هذا العلم ، حيث إن رجلا من البدو هو أعلم منهم إن كان سعيدا بمعرفة الحق .
وقوله تعالى : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . فيه يبين الله تعالى مقصوده الحقيقي الذي مهد له الكلام من قوله : الله نور السماوات والأرض . . . فلما لم يكن في الكون كله نور غير نور الله تعالى في حقيقة الواقع ، ولا تظهر فيه الحقائق إلا بنوره ، فهل يكون في غير الظلمة التامة من كان لم يجعل الله له نورا من عنده ؟ إن هدى الله هو الهدى ، وإن نور الله هو النور225 .
قوله تعالى : { أو كظلمات } وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار ، يقول : مثل أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات ، { في بحر لجي } وهو العميق الكثير الماء ، ولجة البحر : معظمه ، { يغشاه } يعلوه ، { موج من فوقه موج } متراكم ، { من فوقه سحاب } قرأ ابن كثير برواية القواس : سحاب بالرفع والتنوين ، { ظلمات } بالجر على البدل من قوله أو كظلمات . وروى أبو الحسن البري عنه : ( سحاب ظلمات ) بالإضافة ، وقرأ الآخرون سحاب ظلمات ، كلاهما بالرفع والتنوين ، فيكون تمام الكلام عند قوله سحاب ثم ابتدأ فقال : { ظلمات بعضها فوق بعض } ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر ، بعضها فوق بعض ، أي : ظلمة الموج على ظلمة البحر ، وظلمة الموج فوق الموج ، وظلمة السحاب على ظلمة الموج ، وأراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه ، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة ، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه . قال أبي بن كعب : في هذه الآية الكافر يتقلب في خمسة من الظلم : فكلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار . { إذا أخرج } يعني : الناظر ، { يده لم يكد يراها } يعني لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمة . وقال الفراء : ( يكد ) صلة ، أي : لم يرها ، قال المبرد : يعني لم يرها إلا بعد الجهد ، كما يقول القائل : ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه ، ولكن بعد يأس وشدة . وقيل : معناه قرب من رؤيتها ولم يرها ، كما يقال : كاد النعام يطير . { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } قال ابن عباس : من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً فلا دين له . وقيل : من لم يهده الله فلا إيمان له ولا يهديه أحد . وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر . والأكثرون على أنه عام في جميع الكفار .