قوله جل ذكره : { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .
أي أُدْعُ إلى هذا القرآن ، وإلى الدين الحنيفي ، واستقَمْ في الدعاء ، وفي الطاعة .
أَمَرَ الكُلَّ من الخَلْقِ بالاستقامة ، وأفرده بذكر التزام الاستقامة .
ويقال : الألف والسين والتاء في الاستقامة للسؤال والرغبة ؛ أي سَلْ مني أن أقيمك ، { وَلاَ تَتَبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } : أمرت بالعدل في القضية ، وبأن أُعْلِمَ أنَّ اللَّهَ إلهُ الجميع ، وأَنّه يحاسِب غداً كلاً بعمله ، وبأن الحجةَ لله على خَلْقِه ، وبأن الحاجةَ لهم إلى مولاهم .
استقم : اثبت على الدعاء كما أوحى إليك .
من كتاب : صدّقت بجميع الكتب المنزلة .
لا حجة بيننا وبينكم : لا محاجة ولا خصومة .
15- { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ولا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } .
اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات ، كل منها منفصلة عن التي قبلها ، قالوا : ولا نظير لها سوى آية الكرسي ، فإنها أيضا عشرة فصول كهذه . اه .
لقد بينت الآيات السابقة اختلاف أهل الكتاب وتفرقهم وشكهم المريب في بقايا الكتب المنزلة .
وتأتي هذه الآية لتوضح للنبي الأمي أن الله قد اختاره على فترة من الرسل ليحمل للبشرية دعوته الجديدة مشتملة على أصول الإيمان والإصلاح واليسر والعدل والإحسان .
{ فلذلك فادع واستقم كما أمرت . . . }
من أجل تفرق أهل الكاتب أو المشركين أمرناك أن تدعو الناس إلى الديانة الجديدة – وهي الإسلام – مستقيما على الجادة كما أمرك الله تعالى .
{ ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب . . . } وهذه الديانة الجديدة تستعلي على أهواء الحاسدين ، إنها تؤمن بالكتب السابقة وبالرسل السابقين ، وهذه الديانة الجديدة مهيمنة على الرسالات السابقة ، والقرآن مهيمن على التوراة والإنجيل ، يوضح ما فيهما من حق ، ويرشد إلى الدخيل عليهما ، ويلاحظ أن السورة مكية ، وهذه الآية تفيد عالمية الدعوة الإسلامية ، وهيمنتها وعدالة أحكامها .
{ وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم . . . }
إذا احتكمتم إلي فسوف أحكم بالعدل والقسط .
قال تعالى : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . ( المائدة : 42 ) .
الأديان كلها من عند الله ، وهي ناموس من نواميس الحياة ، وكما يخضع الكون والليل والنهار والسماء والأرض والشمس والقمر لأمر الله ، كذلك الأديان السماوية كلها من عند الله : الإبراهيمية ، واليهودية ، والمسيحية ، والإسلام . كلها وكتبها ورسلها وأحكامها نازلة من عند الله تعالى ، ولكل ملة شرعة ومنهاج ، وسيجازي كل فريق بما عمل .
{ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم . . . }
فنحن لا نستفيد بحسناتكم ، ولا نتضرر بسيئاتكم ، وسيلقى كل عامل جزاء عمله .
لا محاجة ولا خصومة ولا جدال بيننا وبينكم ، فقد وضح الصبح لذى عينين ، فليأخذ كل إنسان طريقه وليتحمل تبعة عمله ، وسيأتي الوقت الذي يستبين فيه الحق ، ويتضح فيه سبيل الرشاد .
{ الله يجمع بيننا وإليه المصير } .
هناك يوم آخر هو يوم الجمع ، يجمع الله فيه الأوليين والآخرين ، ويصدر الحكم لكل فريق بما يستحقه ، والمرجع والمصير إلى الله تعالى .
قال سبحانه : { قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } . ( الزمر : 46 ) .
والغرض أن الحق قد ظهر ، والحجج قد قامت ، فلم يبق إلا العناد ، وبعد العناد لا حجة ولا جدل ، والله يفصل بين الخلائق يوم الميعاد ، ويجازي كلا بعمله . اه .
ثم حض - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على المضى فى دعوته فقال : { فَلِذَلِكَ فادع } .
واسم الإِشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق ، ومن الأمر بإقامة الدين ، أى : فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق ، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذى بعثناك به ، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد ، التى تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطمئنين .
{ واستقم كَمَآ أُمِرْتَ } أى : واستقم على الصراط الذى كلفناك بالسير على نهجه . والزم المنهج القويم الذى أمرناك بالتزامه .
{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ } أى : ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا .
{ وَقُلْ } لهم بكل ثبات وقوة { آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ } أى : آمنت بكل ما أنزله - تعالى - من كتب سماوية ، فالمراد بالكتاب : جنسه .
{ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أى : وأمرنى ربى أن أعدل بينكم فى الحكم عند رفع قضاياكم إلىّ ، فإن العدل شريعة الله تعالى .
{ الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أى : الله - تعالى - وحده هو الخالق لنا ولكم ، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التى لا تحصى .
{ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } أى : لنا أعمالنا التى سيحاسبنا الله عليها يوم القيامة ، ولكم أنتم أعمالكم التى ستحاسبون عليها ، فنحن لا نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا .
{ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أى : لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم ، لأن الحق قد ظهر ، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم .
{ الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير } أى . الله - تعالى - يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة ، وإليه وحده ، مصيرنا ومصيركم ، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما يستحقه من جزاء .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل ، هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة الحسنة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.