قوله جل ذكره : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } .
هنا إضمار أي : أهل السماوات والأرض والجبال .
وقيل أحياها وأعْقَلَها ، وهو كقوله : { ائتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] .
{ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } : أي أبين أنْ تَخُنَّ فيها ، { وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ } : أي خان فيها . وهم مراتب : فالكفار خانوا في الأصل الأمانة - وهي المعرفة - فكفروا . ومَنْ دُونَهم خانوا بالمعاصي ، وبعضهم أَشَدُّ وبعضهم أهون ، وكلُّ احتقب من الوِزْرِ مقدارَه .
ويقال " أبين " إِباءَ إشفاقٍ لا إِباء استكبارٍ ، واستعفين . . . فعفا عنهن ، وأعفاهن مِنْ حَمْلها .
{ وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ } : قَبِلَها ثم ما رعوها حقَّ رعايتها . . كلٌّ بقدره .
{ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } بصعوبة حَمْلِ الأمانة في الحال ، والعقوبة التي عليها في المآل . وقومٌ قالوا عَرَضَ الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ وعَرَضَها على الإِنسان ، فهن استعفين وهؤلاء لم يستعفوا ولم يراعوا .
ويقال : الأمانة القيام بالواجباتِ أصولها وفروعها .
ويقال : الأمانة التوحيد عقداً وحفظ الحدود جهداً .
ويقال : لمَّا حَمَلَ آدمُ الأَمانة وأولاده قال تعالى :{ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحَرِ }
[ الإسراء : 70 ] . . وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟
ويقال حمل الإنسانُ بالله لا بنَفْسِه . ويقال ظَلَمَ نَفْسَه حيث لم يُشْفِقْ مما أشفقت منه السماواتُ والأرضون . والظُلْمُ وَضْعْ الشيءِ في غير موضعه .
ويقال كاشَفَ السماواتِ والأرضَ بوصف الربوبية والعظمة فأشفقوا ، وكاشَفَ آدمَ وذُرِّيَتَه بوصف اللطفِ فقَبِلوا وحملوا ، وفي حال بقاء العبد يا لله يحمل السماواتِ والأرضَ بشعرة من جَفْنِه . ويقال كانت السماوات والأرض أصحاب الجثث والمباني فأشفقوا من حَمْل الأمانة . والحِمْلُ إنما تحمله القلوب . وآدم كان صاحبَ معنًى فَحَمل ، وأنشدوا :
حملت جبال الحكم فوقي وإنني *** لأَعْجَزُ عن حمل القميص وأضعفُ
ويقال لما عَرَضَ الحقُّ الأمانةَ على الخَلْقِ عَلَّقَ آدمُ بها هَمَّتَه ، فصرف بهمته جميع المخلوقات عنها ، فلمَّا أبوا وأشفقوا حَمَلَها الإنسانَ طوعاً لا كرهاً .
{ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا( 72 ) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما( 73 ) }
عرضنا الأمانة : طلبنا القيام بحق الأمانة وهي الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية .
الأمانة : التكاليف الشرعية كالصلوات .
وحملها الإنسان : والتزم الإنسان القيام بها .
{ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } .
خلق الله الكون بقدرته ورفع السماء وبسط الأرض وأرسى الجبال وسخر الهواء والفضاء وسير الشمس والقمر والليل والنهار وجعل الظلمات والنور .
وهذا الكون خاضع لله خضوع القهر والغلبة فالسماء مرفوعة والأرض مبسوطة والجبال راسية والبحار جارية ، والليل مظلم والنهار مضيء والشمس مسخرة والقمر منير وكل في فلك يسبحون ولا يملك أن يغير مساره أو يتمرد على وظيفته .
{ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } ( يس : 40 ) .
وقال تعالى : { ثم استوى على السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا آتينا طائعين } .
أي أظهرت السماء والأرض من الخضوع والامتثال لأمر الله ما لو نطق لسان حالهما لقال : أتينا طائعين فهذا الكون مسخر للطاعة الآلية ، لا يملك غير الطاعة والالتزام بدون تفكير أو امتناع عن أداء وظيفته .
أما الإنسان فقد خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض ومنحه الله العقل والإرادة والاختيار أي أنه يملك أن يطيع الله ويملك المعصية والكفر وترك الطاعات واقتراف المحرمات .
العرض في هذه الآية ضرب مثل أي أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب أي أن التكاليف أمر حقه أن تعجز السماوات والأرض والجبال عن حمله .
وقد كلف الإنسان بحمل الأمانة فقيل الالتزام بأدائها حيث أعده الله لذلك بما زوده من ملكات وغرائز وطبائع وما غرس فيه من قدرات أه .
إن الكون كله خاضع لله تعالى خضوعا تاما ، وامتثالا عمليا بدون عقل أو تفكير أو إرادة أما الإنسان فقد أعطاه الله العقل والإرادة والاختيار وتحمل المسؤولية .
وحين عرض الله تحمل الأمانة على الكون أبى أن يتحملها فلم يكن مهيأ لذلك كما تقول عرضت الأمانة على البعير فأباه أي أن قدرات البعير كانت دون تحمل هذا الحمل .
أما الإنسان فقد تحمل الأمانة وهي قبوله أن يثاب إذا أطاع وأن يعاقب إذا عصى وقد التزم بأداء الأمانة قلة قليلة .
{ وقليل من عبادي الشكور } . ( سبأ : 13 )
وقد فرط معظم أفراد بني آدم في أداء حق الأمانة حيث كان معظم أفراد الإنسان ( ظلوما ) تاركا للأمانة ( جهولا ) بقيمة أداء الأمانة حيث يكون ذلك سببا في سعادته في الدنيا والآخرة .
أي أن من أفراد الإنسان من يختار المعصية والإفساد والشر ويستحق النار وجهنم عن جدارة وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال للجنة والنار " ولكل واحدة منكما على ملؤها " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.