لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (2)

قوله جل ذكره : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ } .

هم أهل النضير ، وكانوا قد عاهدوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ألاَّ يكونوا عليه ، ثم بعد أُحُد نقضوا العَهْدَ ، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة ، فأخبر اللَّهُ تعالى رسولَه بذلك ، فبعثَ صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة ، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ الصَّدَقَة . وكان رئيسهم كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة ( غيلةً ) ، وغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام ، وما كان المسلمون يََتَوَقَّعون الظَّفرَ عليهم لكثرتهم ، ولِمَنَعَةِ حصونهم .

وظلُّوا يهدمون دورَهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا ، ويقطعون أشجارهم ليسدوا النقب ، فسُّمُّوا أولَ الحشر ، لأنهم أول من أُخْرِجَ من جزيرة العرب وحُشِرَ إلى الشام .

قال جل ذكره : { فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأَبْصَارِ } ، كيف نَصَرَ المسلمين - مع قِلَّتهم - عليهم- مع كثرتهم ، وكيف لم تمنعهم حصونُهم إذا كانت الدائرةُ عليهم . وإذا أراد اللَّهُ قَهْرَ عدوِّ استنوق أسَدُه .

ومن مواضع العِبْرةِ في ذلك ما قاله : { مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } بحيث داخلتكم الرِّيبةُ في ذلك لِفَرْطِ قُوَّتِهم - فصَانَهُم بذلك عن الإعجاب .

ومن مواضع العبرة في ذلك أيضاً ما قاله : { وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ } فلم يكن كما ظنُّوه - ومَنْ تَقَوَّ بمخلوقٍ أسْلَمَه ذلك إلى صَغَارِه ومذَلّتِه .

ومن الدلائل الناطقة ما أُلْقِي في قلوبهم من الخوفِ والرُّعب ، ثم تخريبُهم بيوتهم بأيديهم علامةُ ضَعْف أحوالهم ، وبأيدي المؤمنين لقوة أحالهم ، فتمت لهم الغلبةُ عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم .

هذا كلُّ لا بُدَّ أن يحصل به الاعتبارُ - والاعتبارُ أحَدُ قوانين الشَّرْع ، ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بغيره اعتَبَرَ به غيرُه .

ويقال : يُخَرّبون بيوتهم بأيديهم ، وقلوبهم باتِّباع شهواتِ نفوسِهم ، ودِينهم بما يمزجونه به من البِدَع .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} (2)

المفردات :

الذين كفروا من أهل الكتاب : هم يهود بني النضير وكانت منازلهم قرب المدينة .

لأول الحشر : كانوا أول من أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ديارهم في جزيرة العرب ، والحشر : الإجلاء والإخراج ، ثم أُجلي سائر اليهود والنصارى في أيام عمر بن الخطاب ، وهو الحشر الثاني .

ما ظننتم أن يخرجوا : لأنهم كانوا أهل حصون مانعة ، وأهل عدد وعدة .

أنهم مانعتهم حصونهم من الله : ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله .

من حيث لم يحتسبوا : أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم من تلك الجهة ، وذلك غزو لهم ، لإخراجهم من بلاد العرب .

التفسير :

2- { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } .

هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب – وهم يهود بني النضير – من ديارهم عند أول إخراج لهم من جزيرة العرب ، وما كنتم تظنون أن يخرجوا ، لأنهم كانوا أهل عدد وعدة ، وقد ظنوا في أنفسهم أن حصونهم المنيعة تصدّ عنهم بأس الله إذا نزل بهم ، فأخذهم الله من حيث لم يظنوا أن يؤاخذوا من جهته ، وألقى في قلوبهم الفزع الشديد ، وصار اليهود يخرجون بيوتهم بأيديهم ليتركوها خاوية ، وأيدي المؤمنين ليقضوا على تحصنهم ، فاتعظوا بما نزل بهم يا أصحاب العقول .