في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

63

والآن وقد صور عباد الرحمن . تلك الخلاصة الصافية للبشرية . يختم السورة بهوان البشرية على الله لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء . فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام .

( قل : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) . .

وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها ؛ ومساقها للتسرية عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم ، وتطاولهم عليه ، وهم يعرفون مقامه ؛ ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون . . فما قومه ? وما هذه البشرية كلها ، لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله . وتتضرع إليه . كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون ?

من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل . والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض . والأمة واحدة من أمم هذه الأرض . والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله ?

وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا ؛ ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه ! وهو هين هين ، ضعيف ضعيف ، قاصر قاصر . إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد ، وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان الله ؛ وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان . فضلا من الله الذي كرم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة ، ليعرفه ويتصل به ويتعبد له ، فيحفظ بذلك خصائصه التي سجدت له معها الملائكة ؛ وإلا فهو لقي ضائع ، لو وضع نوعه كله في الميزان ما رجحت به كفة الميزان !

( قل : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ) . . وفي التعبير سند للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإعزاز : ( قل : ما يعبأ بكم ربي ) . فأنا في جواره وحماه . هو ربي وأنا عبده . فما أنتم بغير الإيمان به ، والانضمام إلى عباده ? إنكم حصب جهنم ( فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

{ قُلْ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم ولولاها لم يعتد بهم أصلاً أي قل للناس مشافها لهم بما صدر عن جنسهم من خير وشر { مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى } أي أي عبء يعبأ بكم وأي اعتداد يعتد بكم { لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ } أي عبادتكم له عز وجل حسبما مر تفصيله ، فإن ما خلق له الإنسان معرفة الله تعالى وطاعته جل وعلا وإلا فهو والبهائم سواء فما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر ، وأصل العبء الثقل وحقيقة قولهم : ما عبأت به ما اعتددت له من فوادح همي ومما يكون عبأ على كما يقول : ما اكترثت له أي ما أعددت له من كوارثي ومما يهمني .

وقال الزجاج : معناه أي وزن يكون لكم عنده تعالى لولا عبادتكم ، ويجوز أن تكون ما نافية أي ليس يعبأ ، وأياً ما كان فجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لولا دعاؤكم لما اعتد بكم ، وهذا بيان لحال المؤمنين من المخاطبين .

وقوله سبحانه : { فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } بيان لحال الكفرة منهم ، والمعنى إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم حكمي ولم تعملوا عمل أولئك المذكورين ، فالفاء مثلها في قوله : فقد جئنا خراساناً والتكذيب مستعار للمخالفة ، وقيل : المراد فقد قصرتم في العبادة على أنه من قولهم : كذب القتال إذا لم يبالغ فيه ، والأول أولى وإن قيل : إن المراد من التقصير في العبادة تركها . وقرأ عبد الله . وابن عباس . وابن الزبير { فَقَدْ كَذَّبَ الكافرون } وهو على معنى كذب الكافرون منكم لعموم الخطاب للفريقين على ما أشرنا إليه وهو الذي اختاره الزمخشري واستحسنه صاحب الكشف ، واختار غير واحد أنه خطاب لكفرة قريش ، والمعنى عليه عند بعض ما يعبأ بكم لولا عبادتكم له سبحانه أي لولا إرادته تعالى التشريعية لعبادتكم له تعالى لما عبأ بكم ولا خلقكم ، وفيه معنى من قوله تعالى : { مَا خَلَقْتَ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] وقيل : المعنى ما يعبأ بكم لولا دعاؤه سبحانه إياكم إلى التوحيد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أي لولا إرادة ذلك .

وقيل : المعنى ما يبالي سبحانه بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم كما قال تعالى : { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ } [ النساء : 147 ] ، وقيل : المعنى ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه تعالى وتضرعكم إليه في الشدائد كما قال تعالى : { فَإِذَا ركبوا في الفلك دعوا الله } [ العنكبوت : 65 ] وقال سبحانه : { فأخذناهم بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } [ الأنعام : 42 ] ، وقيل : المعنى ما خلقكم سبحانه وله إليكم حاجة إلا أن تسألوه فيعطيكم وتستغفروه فيغفر لكم ، وروي هذا عن الوليد بن الوليد رضي الله تعالى عنه .

وأنت تعلم أن ما آثره الزمخشري لا ينافي كون الخطاب لقريش من حيث المعنى فقد خصص بهم في قوله تعالى : { فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } . { فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً } أي جزاء التكذيب أو أثره لازماً يحيق بكم حتى يكبكم في النار كما يعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها فضمير { يَكُونَ } لمصدر الفعل المتقدم بتقدير مضاف أو على التجوز ، وإنما لم يصرح بذلك للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مما لا يكتنهه البيان .

وقيل : الضمير للعذاب ، وقد صرح به من قرأ { يَكُونَ العذاب لِزَاماً } ، وصح عن ابن مسعود أن اللزام قتل يوم بدر ، وروي عن أبي . ومجاهد . وقتادة . وأبي مالك ولعل إطلاقه على ذلك لأنه لوزم فيه بين القتلى { لِزَاماً } .

وقرأ ابن جريج تكون بتاء التأنيث على معنى تكون العاقبة ، وقرأ المنهال ، وأبان بن ثعلب . وأبو السمال { لِزَاماً } بفتح اللام مصدر لزم يقال : لزم لزوماً ولزاماً كثبت ثبوتاً وثباتاً ، ونقل ابن خالويه عن أبي السمال { لِزَاماً } على وزن حذام جعله مصدراً معدولاً عن اللزمة كفجار المعدول عن الفجرة والله تعالى أعلم هذا .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

قوله تعالى : { قل ما يعبأ بكم ربي } قال مجاهد وابن زيد : أي : ما يصنع وما يفعل بكم . قال أبو عبيدة يقال : ما عبأت به شيئاً أي : لم أعده ، فوجوده وعدمه سواء ، مجازه : أي وزن وأي مقدار لكم عنده ، { لولا دعاؤكم } إياه ، وقيل : لولا إيمانكم ، وقيل : لولا عبادتكم ، وقيل : لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام ، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر . وقال قوم : معناها : قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه يعني أنه خلقكم لعبادته ، كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } . وهذا قول ابن عباس ومجاهد . وقال قوم : قل ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة ، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم ، كما قال الله تعالى : { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } . وقيل : ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد ، كما قال : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله } وقال : { فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون } . وقيل : { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } يقول : ما خلقتم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم . { فقد كذبتم } أيها الكافرون ، يخاطب أهل مكة ، يعني : أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه { فسوف يكون لزاماً } هذا تهديده لهم ، أي : يكون تكذيبكم لزاماً ، قال ابن عباس : موتاً . وقال أبو عبيدة : هلاكاً . وقال ابن زيد : قتالاً . والمعنى : يكون التكذيب لازماً لمن كذب ، فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله . وقال ابن جرير : عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مقيماً يلحق بعضكم ببعض . واختلفوا فيه ، فقال قوم : هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون . وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد ومقاتل ، يعني : أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة ، لازماً لهم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا عمر بن حفص بن غياث ، أنبأنا أبي ، أنبأنا الأعمش ، عن مسروق قال : قال عبد الله : " خمس قد مضين : الدخان ، والقمر ، والروم ، والبطشة ، واللزام " وقيل : اللزام هو عذاب الآخرة .