( وألق عصاك ) . . باختصار هنا ، حيث لا يذكر ذلك النجاء الطويل الذي في سورة طه . لأن العبرة المطلوبة هي عبرة النداء والتكليف .
( فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ) . .
فقد ألقى عصاه كما أمر ؛ فإذا هي تدب وتسعى ، وتتحرك حركة سريعة كحركة ذلك النوع الصغير السريع من الحيات " الجان " . وأدركت موسى - عليه السلام - طبيعته الانفعالية ، وأخذته هزة المفاجأة التي لم تخطر له ببال ، وجرى بعيدا عن الحية دون أن يفكر في الرجوع ! وهي حركة تبدو فيها دهشة المفاجأة العنيفة في مثل تلك الطبيعة الشديدة الانفعال .
ثم نودي موسى بالنداء العلوي المطمئن ؛ وأعلن له عن طبيعة التكليف الذي سيلقاه :
يا موسى لاتخف إني لا يخاف لدي المرسلون . .
لا تخف . فأنت مكلف بالرسالة . والرسل لا يخافون في حضرة ربهم وهم يتلقون التكليف .
{ وَأَلْقِ عَصَاكَ } عطف على { بُورِكَ } [ النمل : 8 ] منتظم معه في سلك تفسير النداء أي نودي أن بورك وأن الق عصاك . ويدل عليه قوله تعالى : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } بعد قوله سبحانه : { أَن يا موسى إِنّى أَنَا الله } [ القصص : 30 ، 31 ] بتكرير أن فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً وهذا ما اختاره الزمخشري . وأورد عليه أن تجديد النداء في قوله تعالى : { حَدِيثُ موسى } الخ يأباه . ورد بأنه ليس بتجديد نداء لأنه من جملة تفسير النداء المذكور ، وقيل : لا يأباه لأنه جملة معترضة وفيه بحث ، واعترض أيضاً بأن { بُورِكَ } أخبار { وَأَلْقِ } إنشاء ولا يعطف الإنشاء على الاخبار ، ومن هنا قيل ؛ إن العطف على ذلك بتقدير وقيل له : الق أو العطف على مقدر أي افعل ما آمرك والق ، وفيه إنه في مثل هذا يجوز عطف الإنشاء على الأخبار لكون النداء في معنى القول بل أجاز سيبويه جاء زيد ومن عمر بالعطف .
ولا يرد هذا أصلاً على من يجعل { بُورِكَ } إنشاء ، ويرد على من جعل العف على أفعل محذوفاً أن الظاهر حينئذ فألق بالفاء ، واختار أبو حيان كون العطف على جملة { إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم } [ النمل : 9 ] ولم يبال باختلاف الجملتين اسمية وفعلية وإخبارية وإنشائية لما ذكر أن الصحيح عدم اشتراط تناسب الجملتين المتعاطفتين في ذلك لما سمعت آنفاً عن سيبويه ، والفاء في قوله تعالى : { فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بظهورها ودلالة على سرعة وقوع مضمونها كأنه قيل : فألقاها فانقلبت حية فلما أبصرها تتحرك بشدة اضطراب ، وجملة { تَهْتَزُّ } في موضع الحال من مفعول رأى فإنها بصرية كما أشرنا إليه لا علمية كما قيل .
وقوله تعالى : { كَأَنَّهَا جَانٌّ } في موضع حال أخرى منه ألأ هو حال من ضمير { تَهْتَزُّ } على طريقة التداخل ، والجان الحية الصغيرة السريعة الحركة شبهها سبحانه في شدة حركتها واضطرابها مع عظم جثتها بصغار الحيات السريعة الحركة فلا ينافي هذا قوله تعالى في موضع آخر : { فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [ الأعراف : 107 ] .
وقيل : يجوز أن يكون الأخبار عنها بصفات مختلفة باعتبار تنقلها فيها ، وقرأ الحسن . والزهري . وعمرو بن عبيد : { جَانٌّ } بهمزة مفتوحة هرباً من التقاء الساكنين وإن كان على حده كما قيل : دأبة وشأبة .
{ ولى مُدْبِراً } أي انهزم { وَلَمْ يُعَقّبْ } أي ولم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار قال الشاعر :
فما عقبوا إذ قيل هل من معقب *** ولا نزلوا يوم الكريهة منزلاً
وهذا مروى عن مجاهد ، وقريب منه قول قتادة : أي لم يلتفت وهو الذي ذكره الراغب ، وكان ذلك منه عليه السلام لخوف لحقه ، قيل : لمقتضى البشرية فإن الإنسان إذا رأى أمراً هائلاً جداً يخاف طبعاً أو لما أنه ظن أن ذلك لأمر أريد وقوعه به ، ويدل على ذلك قوله سبحانه : { يا موسى لاَ تَخَفْ } أي من غيري أي مخلوق كان حية أو غيرها ثقة بي واعتماداً على أو لا تخف مطلقاً على تنزيل الفعل منزلة اللازم ، وهذا إما لمجرد الإيناس دون أرادة حقيقة النهي وإما للنهي عن منشأ الخوف وهو الظن الذي سمعته ، وقوله تعالى :
{ إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون } تعليل للنهي عن الخوف ، وهو على ما قيل يؤيد أن الخوف كان للظن المذكور وأن المراد { لاَ تَخَفْ } مطلقاً ، والمراد من { لدى } في حضرة القرب مني وذلك حين الوحي .
والمعنى أن الشأن لا ينبغي للمرسلين أن يخافوا حين الوحي إليهم بل لا يخطر ببالهم الخوف وإن وجد ما يخاف منه لفرط استغراقهم إلى تلقي الأوامر وانجذاب أرواحهم إلى عالم الملكوت ، والتقييد بلدي لأن المرسلين في سائر الأحيان أخوف الناس من الله عز وجل فقد قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] ولا أعلم منهم بالله تعالى شأنه ، وقيل : المعنى لا تخف من غيري أو لا تخف مطلقاً فإن الذي ينبغي أن يخاف منه أمثالك المرسلون إنما هو سوء العاقبة وأن الشأن لا يكون للمرسلين عندي سوء عاقبة ليخافوا منه .
والمراد بسوء العاقبة ما في الآخرة لا ما في الدنيا لئلا يرد قتل بعض المرسلين عليهم الصلاة والسلام ، والمراد بلدي على ما قال الخفاجي : عند لقائي وفي حكمي على ما قال ابن الشيخ ، وأياً ما كان يلزم مما ذكر أن المرسلين عليهم السلام لا يخافون سوء العاقبة لأن الله تعالى آمنهم من ذلك فلو خافوا لزم أن لا يكونوا واثقين به عز وجل وهذا هو الصحيح كما في «الحواشي الشهابية » عند الأشعري ، وظاهر الآثار يقتضي أنهم عليهم السلام كانوا يخافون ذلك ، فقد روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يكثر أن يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها يوماً : يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا أراد يقلب قلب عبده " وظاهر بعد الآيات يقتضي ذلك أيضاً مثل قوله تعالى : { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } [ الأعراف : 99 ] وكون الله تعالى آمنهم من ذلك إن أريد به ما جاء في ضمن تبشيرهم بالجنة فقد صح أن المبشرين بالجنة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يخافون من سوء العاقبة مع علمهم ببشارته تعالى إياهم بالجنة ، ويعلم منه أن الخوف يجتمع مع البشارة ، ولا يلزم من ذلك عدم الوثوق به عز وجل لأنه لاحتمال أن يكون هناك شرط لم يظهره الله تعالى لهم للابتلاء ونحوه من الحكم الإلهية ، وإن أريد به ما كان بصرحي ءامنتكم من سوء العاقبة كان هذا الاحتمال قائماً أيضاً فيه ويحصل الخوف من ذلك ، وإن أريد به ما اقتضاه جعله تعالى إياهم معصومين من الكفر ونحوه ورد أن الملائكة عليهم السلام جعلهم الله تعالى معصومين من ذلك أيضاً وهم يخافون .
ففي الأثر لما مكر بإبليس بكى جبرائيل . وميكائيل عليهما السلام فقال الله عز وجل لهما : ما يبكيكما ؟ قالا : يا رب ما نأمن مكرك فقال تعالى : هكذا كونا لا تأمنا مكري ، ولعل ذلك لأن العصمة عندنا على ما يقتضيه أصل استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء كما في المواقف وشرحه الشريف الشريفي أن لا يخلق الله تعالى في الشخص ذنباً ، وعند الحكماء بناء على ما ذهبوا إليه من القول بالإيجاب واعتبار استعداد القوابل ملكة تمنع الفجور وتحصل ابتداء بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي وهي بكلا المعنيين لا تقتضي استحالة الذنب ، أما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الأول فلأن عدم خلقه تعالى إياه ليس بواجب عليه سبحانه ليكون خلقه مستحيلاً عليه تعالى ومتى لم يكن الخلق مستحيلاً عليه تعالى فكيف يحصل الأمن من المكر ، وأما عدم اقتضائها ذلك بالمعنى الثاني فلأن زوال تلك الملكة ممكن أيضاً واقتضاء العلم بالمثالب والمناقب إياها ابتداء وتأكدها بتتابع الوحي ليس من الضروريات العقلية ومتى كان الأمر كذلك لا يحصل الأمن بمجرد حصول الملكة ، نعم قال قوم : العصمة تكون خاصية في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه ، وقد يستند إليه من يقول بالأمن ، ولا يخفى أنه لو سلم تمام الاستدلال به على هذا المطلب فهو في حد ذاته غير صحيح .
ففي المواقف وشرحه أنه يكذب هذا القول أنه لو كان صدور الذنب ممتنعاً لما استحق النبي عليه الصلاة والسلام المدح بترك الذنب إذ لا مدح بترك ما هو ممتنع لأنه ليس بمقدور داخلاً تحت الاختيار ، وأيضاً فالإجماع على أن الأنبياء عليهم السلام مكلفون بترك الذنوب مثابون به ولو كان صدور الذنب ممتنعاً عنهم لما كان الأمر كذلك ، وأيضاً فقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ } [ الكهف : 110 ] يدل على مماثلتهم عليهم السلام لسائر الناس فيما يرجع إلى البشرية والامتياز بالوحي فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما لا يمتنع صدوره عن سائر البشر اه ، وذكر الخفاجي في شرح الشفاء عن ابن الهمام أنه قال في التحرير : العصمة عدم القدرة على المعصية وخلق مانع عنها غير ملجئ ، ثم قال : وهو مناسب لقول الماتريدي العصمة لا تزيل المحنة أي الابتلاء المقتضى لبقاء الاختيار ، ومعناه كما في «الهداية » أنها لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه عن المعصية بل هي لطف من الله تعالى تحمله على فعله وتزجره عن الشر مع بقاء الاختيار وتحقيق للابتلاء اه ، وهو ظاهر على عدم الاستحالة الذاتية لصدور الذنب ، ولعل ما وقع في كلام بعض الأجلة من استحالة وقوع الذنب منهم عليهم السلام محمول على الاستحالة الشرعية كما يؤذن به كلام العلامة ابن حجر في «شرح الهمزية » ، وبالجملة الذي تقتضيه الظواهر ويشهد له العقل أن الأنبياء عليهم يخافون ولا يأمنون مكر الله تعالى لأنه وإن استحال صدور الذنب عنهم شرعاً لكنه غير مستحيل عقلاً بل هو من الممكنات التي يصح تعلق قدرة الله تعالى بها ومع ملاحظة إمكانه الذاتي وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء وقيام احتمال تقييد المطلق بما لم يصرح به لحكمة كالمشيئة لا يكاد يأمن معصوم من مكر الملك الحي القيوم فالأنبياء والملائكة كلهم خائفون ومن خشيته سبحانه عز وجل مشفقون ، وليس لك أن تخص خوفهم بخوف الإجلال إذ الظاهر العموم ولا دليل على الخصوص يعود عليه عند فحول الرجال ، نعم قال يقال بإمكان حصول الأمن من المكر وذلك بخلق الله تعالى علماً ضرورياً في العبد بعدم تحقق ما يخاف منه في وقت من الأوقات أصلاً لعلم الله تعالى عدم تحققه كذلك وإن كان ممكناً ذاتياً ، ولعله يحصل لأهل الجنة لتتم لذتهم فيها فقد قيل :
فإن شئت إن تحيا حياة هنية *** فلا تتخذ شيئاً تخاف له فقداً
ولا يبعد حصوله لمن شاء الله تعالى من عباده يوم القيامة قبل دخولها أيضاً ، ولم تقم أمارة عندي على حصوله في هذه النشأة لأحد والله تعالى أعلم فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك ، وروى الإمام عن بعضهم أنه قال معنى الآية : إني إذا أمرت المرسلين بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وألق عصاك فلما رءاها تهتز} يعني: تتحرك {كأنها جان} يعني: كأنها كانت حية {ولى مدبرا} من الخوف من الحية {ولم يعقب} يعني: ولم يرجع، يقول الله عز وجل: {يا موسى لا تخف} من الحية {إني لا يخاف لدي} يعني: عندي {المرسلون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"وألْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رآهَا تَهْتَزّ" في الكلام محذوف تُرك ذكره، استغناء بما ذُكِر عما حُذف، وهو: فألقاها فصارت حية تهتز، "فَلَمّا رآها تَهْتَزّ كأنّها جانّ "يقول: كأنها حية عظيمة، والجانّ: جنس من الحيات معروف...
وقوله: "وَلّى مُدْبرا" يقول تعالى ذكره: ولى موسى هاربا خوفا منها، "ولَمْ يُعَقّبْ" يقول: ولم يرجع من قولهم: عقب فلان: إذا رجع على عقبه إلى حيث بدأ...
وقوله: "يا موسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَديّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ" يقول تعالى ذكره: فناداه ربه: يا موسى لا تخف من هذه الحية، "إني لا يخاف لديّ المرسلون": يقول: إني لا يخاف عندي رسلي وأنبيائي الذين أختصهم بالنبوّة، إلا من ظلم منهم، فعمل بغير الذي أُذن له في العمل به.. عن ابن جُرَيج، قال: قوله "يا مُوسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ" قال: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه...
يقول القائل: كيف صير خائفا من ظلم، ثم بدّل حسنا بعد سوء، وهو مغفور له؟ فأقول لك: في هذه الآية وجهان: أحدهما أن يقول: إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة، ومن خلط عملاً صالحا وآخر سيئا فهو يخاف ويرجو، فهذا وجه. والآخر: أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة، لأن المعنى: لا يخاف لديّ المرسلون، إنما الخوف على من سواهم، ثم استثنى فقال: "إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمّ بَدّلَ حُسْنا" يقول: كان مشركا، فتاب من الشرك، وعمل حسنا، فذلك مغفور له، وليس يخاف... والصواب من القول في قوله "إلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُم بَدّلَ..." عندي غير ما قاله هؤلاء الذين حكينا قولهم من أهل العربية، بل هو القول الذي قاله الحسن البصري وابن جُرَيج ومن قال قولهما، وهو أن قوله: إلاّ مَنْ ظَلَمَ استثناء صحيح من قوله لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ منهم فأتى ذنبا، فإنه خائف لديه من عقوبته. وقد بين الحسن رحمه الله معنى قيل الله لموسى ذلك، وهو قوله قال: إني إنما أخفتك لقتلك النفس.
فإن قال قائل: فما وجه قيله إن كان قوله "إلاّ مَنْ ظَلَمَ استثناءً" صحيحا، وخارجا من عداد من لا يخاف لديه من المرسلين، وكيف يكون خائفا من كان قد وُعد الغفران والرحمة؟ قيل: إن قوله: "ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءِ" كلام آخر بعد الأوّل، وقد تناهى الخبر عن الرسل من ظلم منهم، ومن لم يظلم عند قوله "إلاّ مَنْ ظَلَمَ" ثم ابتدأ الخبر عمن ظلم من الرسل، وسائر الناس غيرهم. وقيل: فمن ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء فإني له غفور رحيم.
فإن قال قائل: فعلام تعطف إن كان الأمر كما قلت بثم إن لم يكن عطفا على قوله: ظَلَمَ؟ قيل: على متروك استغني بدلالة قوله "ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءٍ" عليه عن إظهاره، إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره، وهو: فمن ظلم من الخلق. وأما الذين ذكرنا قولهم من أهل العربية، فقد قالوا على مذهب العربية، غير أنهم أغفلوا معنى الكلمة وحملوها على غير وجهها من التأويل. وإنما ينبغي أن يحمل الكلام على وجهه من التأويل، ويلتمس له على ذلك الوجه للإعراب في الصحة مخرج لا على إحالة الكلمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويل.
وقوله: "ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْد سُوءٍ" يقول تعالى ذكره: فمن أتى ظلما من خلق الله، وركب مأثما، ثم بدل حسنا، يقول: ثم تاب من ظلمه ذلك وركوبه المأثم، "فإني غَفُورٌ" يقول: فإني ساتر على ذنبه وظلمه ذلك بعفوي عنه، وترك عقوبته عليه "رَحِيمٌ" به أن أعاقبه بعد تبديله الحسن بضده.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون} فإن قيل: كيف نهاه عن الخوف؟ وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون، وقد مدح الله الملائكة وغيرهم من الخلائق بالخوف من ربهم حين قال: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50]...وأمثال ذلك من الآيات مما فيها مدحهم بالخوف من ربهم. لكنه يخرج على وجوه: أحدهما: أنهه قد أمن موسى حين قال: {ولا تخف إنك من الأمنين} [القصص: 31]. فكأنه قال ههنا: لا تخف بعدما أمنتك {إني لا يخاف لدي المرسلون} إذ أمنتهم. والثاني: لا تخف من غيري {إني لا يخاف لدي المرسلون} من غيري. فكأنه قال، والله أعلم: على هذا التأويل: إنما نهاه عن الخوف من غيره، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون. والثالث: إخبار وأمن منه من خوف الآخرة وأهوالها، كأنه قال: لا تخف فإني سأؤمن المرسلين من خوف يومئذ.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
فإن قيل: كيف قال في موضع {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} وفي موضع آخر {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ} والموصوف واحد؟ قلنا: فيه وجهان: أحدهما: أنّها في أوّل أمرها جانّ وفي آخر الأمر ثعبان، وذلك أنّها كانت تصير حية على قدر العصا ثم لا تزال تنتفخ وتربو حتى تصير كالثعبان العظيم. والآخر: أنّها في سرعة الجانّ وخفّته وفي صورة الثعبان وقوّته..
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ...} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ولم يرجع، قاله مجاهد. قال قطرب: مأخوذ من العقب.
الثاني: ولم ينتظر، قاله السدي.
الثالث: ولم يلتفت، قاله قتادة.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
أمره الله عز وجل بهذين الأمرين تدريباً له في استعمالهما، وفي الكلام حذف تقديره فألقى العصا {فلما رآها تهتز}، وأمال «رآها» بعضُ القراء، و «الجانّ» الحيات لأنها تجن أنفسها أي تسترها، وقالت فرقة: الجان صغار الحيات وعصا موسى صارت حية ثعباناً وهو العظيم فإنها شبهت ب «الجانّ» في سرعة الاضطراب، لأن الصغار أكثر حركة من الكبار، وعلى كل قول فإن الله خلق في العصا حياة وغير أوصافها وأعراضها فصارت حية... فلما أبصر موسى عليه السلام هول ذلك المنظر {ولى} فاراً، قال مجاهد ولم يرجع وقال قتادة: ولم يلتفت.
قال القاضي أبو أحمد: و «عقب» الرجل إذا ولى عن أمر صرف بدنه أو وجهه إليه كأنه انصرف على عقبيه، وناداه الله مؤنساً ومقوياً على الأمر: {يا موسى لا تخف} فإن رسلي الذين اصطفيتهم للنبوّة لا يخافون عندي، ومعي، فأخذ موسى الحية فرجعت عصا ثم صارت له عادة.
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :
{إني لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} أي: لا يخافون عندي... فكأنه نبهه على أن من آمنه الله بالنبوة من عذابه، لا ينبغي أن يخاف من حية.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء. فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمة هائلة في غاية الكبر، وسرعة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} والجان: ضرب من الحيات، أسرعه حركة، وأكثره اضطرابا -وفي الحديث نَهْيٌ عن قتل جِنَّان البيوت- فلما عاين موسى ذلك {وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي: لم يلتفت من شدة فرقه {يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطَفيك رسولا وأجعلك نبيًا وجيهًا.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان التقدير: فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه، ولا تخف من شيء فإنه لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة، محروس بسور العزة، دل عليه بالعطف في قوله: {وألق عصاك} أي لتعلم علماً شهودياً عزتي وحكمتي -أو هو معطوف على {أن بورك}- فألقاها كما أمر، فصارت في الحال -بما أذنت به الفاء- حية عظيمة جداً، هي -مع كونها في غاية العظم- في نهاية الخفة والسرعة في اضطرابها عند محاولتها ما يريد {فلما رآها تهتز} أي تضطرب في تحركها مع كونها في غاية الكبر {كأنها جآن} أي حية صغيرة في خفتها وسرعتها، ولا ينافي ذلك كبر جثتها {ولى} أي موسى عليه الصلاة والسلام.
ولما كانت عليه التولية مشتركة بين معان، بين المراد بقوله: {مدبراً} أي التفت هارباً منها مسرعاً جداً لقوله: {ولم يعقب} أي لم يرجع على عقبه، ولم يتردد في الجد في الهرب، ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته، يقال: عقب عليه تعقيباً، أي كر، وعقب في الأمر تعقيباً: تردد في طلبه مجداً -هذا في ترتيب المحكم. وفي القاموس: التعقيب: الالتفات. وقال القزاز في ديوانه: عقب- إذا انصرف راجعاً فهو معقب.
ولما تشوفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة، أجيبت بأنه قيل له: {يا موسى لا تخف} ثم علل هذا النهي بقوله، مبشراً بالأمن والرسالة: {إني لا يخاف لديّ} أي في الموضع الذي هو من غرائب نواقض العادات، وهي وقت الوحي ومكانه {المرسلون} أي لأنهم معصومون من الظلم، ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم نودي موسى بالنداء العلوي المطمئن؛ وأعلن له عن طبيعة التكليف الذي سيلقاه: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون.. لا تخف. فأنت مكلف بالرسالة. والرسل لا يخافون في حضرة ربهم وهم يتلقون التكليف.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{يا موسى لا تخف} مقول قول محذوف، أي قلنا له. والنهي عن الخوف مستعمل في النهي عن استمرار الخوف. لأن خوفه قد حصل. والخوف الحاصل لموسى عليه السلام خوف رغب من انقلاب العصا حية وليس خوف ذَنب، فالمعنى: لا يَجْبُنُ لديَّ المرسلون لأني أحفَظُهم. و {إني لا يخاف لديّ المرسلون} تعليل للنهي عن الخوف وتحقيق لما يتضمنه نهيه عن الخوف من انتفاء موجبه. وهذا كناية عن تشريفه بمرتبة الرسالة إذ عُلّل بأن المرسلين لا يخافون لدى الله تعالى. ومعنى {لديّ} في حضرتي، أي حين تلقِّي رسالتي. وحقيقة {لدي} مستحيلة على الله لأن حقيقتها المكان. وإذا قد كان انقلاب العصا حية حصل حين الوحي كان تابعاً لما سبقه من الوحي، وهذا تعليم لموسى عليه السلام التخلق بخلق المرسلين من رِبَاطة الجأش. وليس في النهي حط لمرتبة موسى عليه السلام عن مراتب غيره من المرسلين وإنما هو جار على طريقة: مثلُكَ لا يبخل. والمراد النهي عن الخوف الذي حصل له من انقلاب العصا حية وعن كل خوف يخافه كما في قوله: {فاضْرِب لهم طريقاً في البَحر يَبَساً لا تخافُ درَكاً ولا تخشى} [طه: 77].