وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة ؛ وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه . وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل ، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد . . وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود ، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين ، وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين !
وكانت الحملة - كما أسلفنا - تتعلق بنسخ بعض الأوامر والتكاليف . وبخاصة عند تحويل القبلة إلى الكعبة . الأمر الذي أبطل حجتهم على المسلمين :
( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) . .
وسواء كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة - كما يدل سياق هذه الآيات وما بعدها - أم كانت مناسبة أخرى من تعديل بعض الأوامر والتشريعات والتكاليف ، التي كانت تتابع نمو الجماعة المسلمة ، وأحوالها المتطورة . أم كانت خاصة بتعديل بعض الأحكام التي وردت في التوراة مع تصديق القرآن في عمومه للتوراة . . سواء كانت هذه أم هذه أم هذه ، أم هي جميعا المناسبة التي اتخذها اليهود ذريعة للتشكيك في صلب العقيدة . . فإن القرآن يبين هنا بيانا حاسما في شأن النسخ والتعديل ؛ وفي القضاء على تلك الشبهات التي أثارتها يهود ، على عادتها وخطتها في محاربة هذه العقيدة بشتى الأساليب .
فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال - في فترة الرسالة - هو لصالح البشرية ، ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها . والله خالق الناس ، ومرسل الرسل ، ومنزل الآيات ، هو الذي يقدر هذا . فإذا نسخ آية القاها في عالم النسيان - سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكما من الأحكام ، أو آية بمعنى علامة وخارقة تجيء لمناسبة حاضرة وتطوى كالمعجزات المادية التي جاء بها الرسل - فإنه يأتي بخير منها أو مثلها ! ولا يعجزه شيء ، وهو مالك كل شيء ، وصاحب الأمر كله في السماوات وفي الأرض . .
قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ما أداة شرط تجزم فعلين . { ننسخ } فعل الشرط مجزوم . والنسخ يأتي في اللغة بمعنى الإزالة والإبطال أو إقامة الشيء بدل غيره ، أو النقل من مكان إلى آخر{[107]} أما النسخ في الاصطلاح فهو : رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر . أو هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم{[108]} .
ويبدو هذه التعريفات أنها متقاربة وذلك من حيث إن النسخ يعني الإزالة أو التبديل ، فهذه المعاني شديدة التقارب بما ذكره الأصوليون من تعريف للنسخ . أما النسخ من حيث ضروبه وأقسامه على التفصيل ، ومن حيث المواضع التي يقع فيها النسخ ، ومن حيث النسخ بين القرآن والقرآن ، ثم بين القرآن والسنة ، وغير ذلك من مسائل تتعلق بالنسخ ، فإن موضع ذلك كله في كتب الأصول حث البيان المفصل والشامل لهذه القضية الهامة .
وعلى العموم فإن الآية تعني أنه : ما نرفع حكم آية ، سواء كان الرفع واقعا على التلاوة والمعنى كليهما ، أو على التلاوة دون المعنى ، أو المعنى دون التلاوة ، { أو ننسها } فإن الله جلت قدرته لسوف يأتي بخير منها أو مثلها . وقوله : { ننسها } معطوف على { ننسخ } . وفي قراءتها وجهان وهما : ننسأها بالهمز ، وننسها بغير همز . وقراءتها بالهمز تعني : نؤخرها فلا ننسخها ، وهو من الإنسان أو التأخير ، وفعله أنسأ بمعنى أخر . نقول أنسأ الله أجلك أي أخره ليطيل في عمرك{[109]} .
وأما قراءتها بغير همز من النسيان وفعله نسي . أي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان الله سبحانه ينسيه ما يشاء من آيات لحكمة يعلمها ويقدرها هو جل ثناؤه . وفي تعزيز هذا المعنى يستشهد سعد بن أبي وقاص بقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } وقوله : { واذكر ربك إذا نسيت } وفي تقديرنا أن هذا هو الصواب ليكون معنى الآية : أن الله لا يقدر لعباده رفعا لآية أو إباحة لتركها بعد نسيان إلا ويأتي بمثلها أو خير منها من الآيات .
وقوله : { نأتي بخير منها أو مثلها } لا يفهم من هذا أن بعض القرآن خير من بعضه الأخر ، فإنه كله خير ، وهو كله مقدور من عند الله جاء متضمنا لجوانب الخير جميعا ، وهو في روعته وبلاغته وكمال معناه يستوي أوله ووسطه وآخره ، فهو في أعلاه عظيم باهر وفي أسفله رفيع مشرق . ومعنى الخير هنا الذي يأتي به الله فهو ما كان أنفع للعباد مما كان لهم به خير . فالله جل ثناؤه يقرر نسخ الآية أو نسيها ليخلفها بما هو أكثر نفعا للناس أو بما يكون مساويا له في النفع في هذه الدنيا وفي تلكم الأجلة الباقية .
قوله : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } قوله : { ألم } في الآيتين سؤال ينطوي على تقرير لحقيقة ما ورد في هاتين الآيتين ، لكن العلاقة وثيقة بين الاستفهام التقريري هنا وقضية النسخ السابقة . فقد عجبت يهود من ورود النسخ في القرآن وأخذوا يطعنون في صدق نبوة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصدق القرآن الكريم . مع أنه لا غرابة في مثل هذه القضية ، فإن النسخ قد وقع في كثير من الأحكام في التوراة . وليست المسألة هنا غير التعصب والحقد والهوى والعناء . وكم كان أجدى لو رضخت يهود وغير يهود لكلمة الله وتشريعه للنسخ . فليس في ذلك ما يثير عجبا ، فإن الله شارع النسخ لهو المقتدر على كل شيء ، وهو الذي يملك السماوات والأرض ، بل له ملكوت كل شيء فله إقرار ما يشاء ونسخ ما يشاء ، وله الحكمة في ذلك من غير معقب ولا نديد .
قوله : { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } الولي من الولاية وهي السلطان . يقول سبحانه في آية أخرى : { هنالك الولاية للحق الحق } أي له السلطان والهيمنة دون أحد من خلقه . فإنه ليس للناس سوى الله سلطان أو نصير يركنون إليه أو يستمدون منه العون والمدد . فهو –جل ثناؤه-يهب العزة لمن يشاء ويمنن بالقوة والمنعة يكتبهما لمن أراد من عباده .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.