في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

104

وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد . إنما هو الإسلام والإحسان ، لا الاسم والعنوان :

( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ، فله أجره عند ربه ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . .

ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم : ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) . . فقال : ( بلى ! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .

إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة . طرفيها المتقابلين : ( من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) . . فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة ، في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة .

و ( من أسلم وجهه لله وهو محسن ) . . فأخلص ذاته كلها لله ، ووجه مشاعره كلها إليه ، وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة . . ( من أسلم وجهه لله ) . . هنا تبرز سمة الإسلام الأولى : إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم . الاستسلام المعنوي والتسليم العملي . ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام : ( وهو محسن ) . . فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك ، بين العقيدة والعمل ، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي . . بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها ؛ وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها ؛ وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله :

فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . .

الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم . . والأمن الموفور لا يساوره خوف ، والسرور الفائض لا يمسه حزن . . وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعا . فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (112)

وقوله : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } قوله : { بلى } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة . فهو تكذيب لقولهم فليس هذا القول إلا التخريص المفترى تطلقه يهود والنصارى بأن كلا منهما مستأثر بالجنة دون غيره . فالله سبحانه في هذه الآية يدحض ما أطلقه الفريقان . ويكذبهما تكذيبا ؛ ليبين بعد ذلك أن الوارثين للجنة والداخلين فيها هم المخلصون العاملون من العباد بغض النظر عن الجنس أو اللون أو المسميات ، فالذي يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فهو على الحق والخير ، سواء كان من بني إسرائيل أو من أتباع المسيح أو من قوم هذا النبي الخاتم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .

قوله : { من أسلم وجهه لله } أي من استسلم لله وخضع . وقيل : من أخلص نفسه لله .

وقد ذكر الوجه هنا لشرفه ، فإن الوجه يحتوي على صورة الإنسان المميزة . الصورة الحسنة المنسجمة التي تكشف عن إبداع إلهي كريم خُص به هذا الكائن المفضل وهو الإنسان الذي كرمه الله واختاره من بين الخلائق ليكون عظيمها وسيدها .

وفي الوجه كذلك ظواهر شتى من الخصائص الإنسانية التي كتبها الله لابن آدم ، منها السمع والبصر والشم والذوق والنطق . وهي أسباب تتلاقي جميعا في هذا الجزء الأهم من الإنسان وهو الوجه .

ومن خلال الوجه تتراءى للناظر البصير ملامح معبرة مستبينة تكشف عما يجيش في صدر المرء من مكنون ، وعما يعتور في أطوائه المستورة من مقاصد . ولا جرم أن تستبين مثل هذه المقاصد حتى توشك القسمات والملامح في الوجه أن تتحدث عنها فتكشفها كشفا .

وقوله : ( وهو محسن ) الواو للحال ، والجملة الإسمية بعدها في محل نصب على الحال . وفي هذه الآية : ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ) تجتمع حقيقتان متكاملتان لا مناص من اجتماعهما معا وهما الإيمان والعمل . فإسلام الوجه إلى الله جزء من عقيدة الإسلام التي تفرض أن يكون الانقياد والخضوع لله وحده دون سواه . فإذا كانت هذه الحقيقة مركوزة في النفس بات الإنسان في تصوره وإحساسه مشدودا إلى الله بحبل متين وليس مشدودا أدنى شد لأي اعتبار من الاعتبارات أو جهة من الجهات . وهذا هو الأصل الأكبر الذي ينبني عليه هذا الدين . وهو دين شامل ومتسع وكبير يقوم أول ما يقوم على العقيدة المتينة الصلبة التي تضرب بجذورها في أعماق الكينونة البشرية .

أما الحقيقة المكلمة الثانية فهي العمل ، وذلك في وقوله : { وهو محسن } وذلك تعبير يتسم بالشمول والمرونة . فإنه يندرج في مفهوم الإحسان كل وجوه الخير والعمل النافع المثمر . فتلكما حقيقتان وهما الإيمان والعمل المشروع يفضيان إلى استحقاق المرء من الله أجرا كريما . وله بعد ذلك ألا يخاف وألا يحزن { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وخير ما جاء في تفسير ذلك أن المؤمن لدى مفارقته الدنيا لسوف يكون آمنا مطمئنا ؛ فهو لا يحيق به خوف مما يواجهه بعد الموت من أهوال وشدائد ، وهو كذلك لا يمسه الحزن أسفا على الحياة عند الفراق . وذلك لعمر الحق عطاء جزيل يمتنّ الله به على العبد المؤمن ، وهو عطاء لا يتصوره الإنسان إلا عند معاينته الموت ، فيدرك عظمة الخير المقدر في أحلك الساعات وأشدها عسرا . وهو كذلك يتصوره المؤمن وهو يتدبر آيات الله تتحدث عن عرصات يوم القيامة وأهوالها ، وما يستقبله بعد الموت من بلايا وثبور وعظائم الأمور .