في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (11)

1

والأن نجيء إلى نظام التوارث . حيث يبدأ بوصية الله للوالدين في أولادهم ؛ فتدل هذه الوصية على أنه - سبحانه - أرحم وأبر وأعدل من الوالدين مع أولادهم ؛ كما تدل على أن هذا النظام كله مرده إلى الله سبحانه ؛ فهو الذي يحكم بين الوالدين وأولادهم ، وبين الأقرباء وأقاربهم . وليس لهم إلا أن يتلقوا منه سبحانه ، وأن ينفذوا وصيته وحكمه . . وأن هذا هو معنى " الدين " الذي تعنى السورة كلها ببيانه وتحديده كما أسلفنا . . كذلك يبدأ بتقرير المبدأ العام للتوارث : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) . . ثم يأخذ في التفريع ، وتوزيع الأنصبة ، في ظل تلك الحقيقة الكلية ، وفي ظل هذا المبدأ العام . . ويستغرق هذا التفصيل آيتين : أولاهما خاصة بالورثة من الأصول والفروع ، والثانية خاصة بحالات الزوجية والكلالة . ثم تجيء بقية أحكام الوراثة في آخر آية في السورة استكمالا لبعض حالات الكلالة [ وسنعرضها في موضعها ] :

( يوصيكم الله في أولادكم : للذكر مثل حظ الأنثيين . فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك . وإن كانت واحدة فلها النصف . ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك - إن كان له ولد - فإن لم يكن له ولد ، وورثه أبواه ، فلأمه الثلث . فإن كان له إخوة فلأمه السدس - من بعد وصية يوصي بها أو دين - آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا . فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما . . ولكم نصف ما ترك أزواجكم - إن لم يكن لهن ولد - فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن - من بعد وصية يوصين بها أو دين - ولهن الربع مما تركتم - إن لم يكن لكم ولد - فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم - من بعد وصية توصون بها أو دين - وإن كان رجل يورث كلالة ، أو امرأة ، وله أخ أو أخت ، فلكل واحد منهما السدس . فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث - من بعد وصية يوصى بها أو دين - غير مضار ، وصية من الله ، والله عليم حليم ) . .

هاتان الآيتان ، مضافا إليهما الآية الثالثة التي في نهاية السورة ، ونصها : ( يستفتونك . قل : الله يفتيكم في الكلالة : إن امرؤ هلك ليس له ولد ، وله أخت ، فلها نصف ما ترك . وهو يرثها - إن لم يكن لها ولد - فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك . وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ، فللذكر مثل حظ الأنثيين . يبين الله لكم أن تضلوا ، والله بكل شيء عليم ) . .

هذه الآيات الثلاث تتضمن أصول علم الفرائض - أي علم الميراث - أما التفريعات فقد جاءت السنة ببعضها نصا ، واجتهد الفقهاء في بقيتها تطبيقا على هذه الأصول . وليس هنا مجال الدخول في هذه التفريعات والتطبيقات فمكانها كتب الفقه - فنكتفي - في ظلال القرآن - بتفسير هذه النصوص ، والتعقيب على ما تتضمنه من أصول المنهج الإسلامي . .

( يوصيكم الله في أولادكم : للذكر مثل حظ الأنثيين . . ) . .

وهذا الافتتاح يشير - كما ذكرنا - إلى الأصل الذي ترجع إليه هذه الفرائض ، وإلى الجهة التي صدرت منها ، كما يشير إلى أن الله أرحم بالناس من الوالدين بالأولاد ، فإذا فرض لهم فإنما يفرض لهم ما هو خير مما يريده الوالدون بالأولاد . .

وكلا المعنيين مرتبطان ومتكاملان . .

إن الله هو الذي يوصي ، وهو الذي يفرض ، وهو الذي يقسم الميراث بين الناس - كما أنه هو الذي يوصي ويفرض في كل شيء ، وكما أنه هو الذي يقسم الأرزاق جملة - ومن عند الله ترد التنظيمات والشرائع والقوانين ، وعن الله يتلقى الناس في أخص شؤون حياتهم - وهو توزيع أموالهم وتركاتهم بين ذريتهم وأولادهم - وهذا هو الدين . فليس هناك دين للناس إذا لم يتلقوا في شؤون حياتهم كلها من الله وحده ؛ وليس هناك إسلام ، إذا هم تلقوا في أي أمر من هذه الأمور - جل أو حقر - من مصدر آخر . إنما يكون الشرك أو الكفر ، وتكون الجاهلية التي جاء الإسلام ليقتلع جذورها من حياة الناس .

وإن ما يوصي به الله ، ويفرضه ، ويحكم به في حياة الناس - ومنه ما يتعلق بأخص شؤونهم ، وهو قسمة أموالهم وتركاتهم بين ذريتهم وأولادهم - لهو أبر بالناس وأنفع لهم ، مما يقسمونه هم لأنفسهم ، ويختارونه لذرياتهم . . فليس للناس أن يقولوا : إنما نختار لأنفسنا . وإنما نحن أعرف بمصالحنا . . فهذا - فوق أنه باطل - هو في الوقت ذاته توقح ، وتبجح ، وتعالم على الله ، وادعاء لا يزعمه إلا متوقح جهول !

قال العوفي عن ابن عباس : " [ ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) . . وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض ، للولد الذكر ، والأنثى ، والأبوين ، كرهها الناس - أو بعضهم - وقالوا : تعطى المرأة الربع أو الثمن ، وتعطى الابنة النصف ، ويعطى الغلام الصغير . وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ، ولا يجوز الغنيمة ! اسكتوا عن هذا الحديث ، لعل رسول الله [ ص ] ينساه ، أو نقول له فيغير ! فقالوا : يا رسول الله ، تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها ، وليست تركب الفرس ، ولا تقاتل القوم . ويعطى الصبي الميراث ، وليس يغني شيئا - وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ، ولا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ، ويعطونه الأكبر فالأكبر ] . . رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . .

فهذا كان منطق الجاهلية العربية ، الذي كان يحيك في بعض الصدور ؛ وهي تواجه فريضة الله وقسمته العادلة الحكيمة . . ومنطق الجاهلية الحاضرة الذي يحيك في بعض الصدور اليوم - وهي تواجه فريضة الله وقسمته - لعله يختلف كثيرا أو قليلا عن منطق الجاهلية العربية . فيقول : كيف نعطي المال لمن لم يكد فيه ويتعب من الذراري ؟ وهذا المنطق كذاك . . كلاهما لا يدرك الحكمة ، ولا يلتزم الأدب ؛ وكلاهما يجمع من ثم بين الجهالة وسوء الأدب !

( للذكر مثل حظ الأنثيين ) . .

وحين لا يكون للميت وارث إلا ذريته من ذكور وإناث ، فإنهم يأخذون جميع التركة ، على أساس أنللبنت نصيبا واحدا ، وللذكر نصيبين اثنين .

وليس الأمر في هذا أمر محاباة لجنس على حساب جنس . إنما الأمر أمر توازن وعدل ، بين أعباء الذكر وأعباء الأنثى في التكوين العائلي ، وفي النظام الاجتماعي الإسلامي : فالرجل يتزوج امرأة ، ويكلف إعالتها وإعالة أبنائها منه في كل حالة ، وهي معه ، وهي مطلقة منه . . . أما هي فإما أن تقوم بنفسها فقط ، وإما أن يقوم بها رجل قبل الزواج وبعده سواء . وليست مكلفة نفقة للزوج ولا للأبناء في أي حال . . فالرجل مكلف - على الأقل - ضعف أعباء المرأة في التكوين العائلي ، وفي النظام الاجتماعي الإسلامي . ومن ثم يبدو العدل كما يبدو التناسق بين الغنم والغرم في هذا التوزيع الحكيم . ويبدو كل كلام في هذا التوزيع جهالة من ناحية وسوء أدب مع الله من ناحية أخرى ، وزعزعة للنظام الاجتماعي والأسري لا تستقيم معها حياة .

ويبدأ التقسيم بتوريث الفروع عن الأصول :

( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ، وإن كانت واحدة فلها النصف ) .

فإذا لم يكن له ذرية ذكور ، وله بنتان أو أكثر فلهن الثلثان . فإن كان له بنت واحدة فلها النصف . . ثم ترجع بقية التركة إلى أقرب عاصب له : الأب أو الجد . أو الأخ الشقيق . أو الأخ لأب . أو العم . أو أبناء الأصول . . .

والنص يقول : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) . . وهذا يثبت الثلثين للبنات - إذا كن فوق اثنتين - أما إثبات الثلثين للبنتين فقط فقد جاء من السنة ومن القياس على الأختين في الآية التي في آخر السورة .

فأما السنة فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر . قال : [ جاءت امرأة سعد بن الربيع ، إلى رسول الله [ ص ] فقالت : يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا ؛ وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ؛ ولا ينكحان إلا ولهما مال . قال : فقال : " يقضي الله في ذلك " فنزلت آية الميراث . فأرسل رسول الله [ ص ] إلى عمهما ، فقال : " اعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك " ] . .

فهذه قسمة رسول الله [ ص ] للبنتين بالثلثين . فدل هذا على أن البنتين فأكثر ، لهما الثلثان في هذه الحالة .

وهناك أصل آخر لهذه القسمة ؛ وهو أنه لما ورد في الآية الأخرى عن الأختين : ( فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) . . كان إعطاء البنتين الثلثين من باب الأولى ، قياسا على الأختين . وقد سويت البنت الواحدة بالأخت الواحدة كذلك في هذه الحالة .

وبعد الانتهاء من بيان نصيب الذرية يجيء بيان نصيب الأبوين - عند وجودهما - في الحالات المختلفة . مع وجود الذرية ومع عدم وجودها :

( ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك - إن كان له ولد - فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث . فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) .

والأبوان لهما في الإرث أحوال :

الحال الأول : أن يجتمعا مع الأولاد ، فيفرض لكل واحد منهما السدس والبقية للولد الذكر أو للولد الذكر مع أخته الأنثى أو أخواته : للذكر مثل حظ الأنثيين . فإذا لم يكن للميت إلا بنت واحدة فرض لهاالنصف ، وللأبوين لكل واحد منهما السدس . وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب ، فيجمع له في هذه الحالة بين الفرض والتعصيب . أما إذا كان للميت بنتان فأكثر فتأخذان الثلثين ، ويأخذ كل واحد من الأبوين السدس .

والحال الثاني : ألا يكون للميت ولد ولا إخوة ولا زوج ولا زوجة ، وينفرد الأبوان بالميراث . فيفرض للأم الثلث ، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب ، فيكون قد أخذ مثل حظ الأم مرتين . فلو كان مع الأبوين زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف ، أو الزوجة الربع . وأخذت الأم الثلث [ إما ثلث التركة كلها أو ثلث الباقي بعد فريضة الزوج أو الزوجة على خلاف بين الأقوال الفقهية ] وأخذ الأب ما يتبقى بعد الأم بالتعصيب على ألا يقل نصيبه عن نصيب الأم .

والحال الثالث : هو اجتماع الأبوين مع الإخوة - سواء كانوا من الأبوين أو من الأب ، أو من الأم - فإنهم لا يرثون مع الأب شيئا ، لأنه مقدم عليهم وهو أقرب عاصب بعد الولد الذكر ؛ ولكنهم - مع هذا - يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس . فيفرض لها معهم السدس فقط . ويأخذ الأب ما تبقى من التركة . إن لم يكن هناك زوج أو زوجة . أما الأخ الواحد فلا يحجب الأم عن الثلث ، فيفرض لها الثلث معه ، كما لو لم يكن هناك ولد ولا إخوة .

ولكن هذه الأنصبة كلها إنما تجيء بعد استيفاء الوصية أو الدين :

( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) . .

قال ابن كثير في التفسير : " أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية " . . وتقديم الدين مفهوم واضح . لأنه يتعلق بحق الآخرين . فلا بد من استيفائه من مال المورث الذي استدان ، ما دام قد ترك مالا ، توفية بحق الدائن ، وتبرئة لذمة المدين . وقد شدد الإسلام في إبراء الذمة من الدين ؛ كي تقوم الحياة على أساس من تحرج الضمير ، ومن الثقة في المعاملة ، ومن الطمأنينة في جو الجماعة ، فجعل الدين في عنق المدين لا تبرأ منه ذمته ، حتى بعد وفاته :

عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال : قال رجل : يا رسول الله . أرأيت إن قتلت في سبيل الله ، أتكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله [ ص ] : " نعم . إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر " . ثم قال : " كيف قلت ؟ " فأعاد عليه . فقال : " نعم . إلا الدين . فإن جبريل أخبرني بذلك " . . [ أخرجه مسلم ومالك والترمذي والنسائي ] .

وعن أبي قتادة كذلك : أتي النبي [ ص ] برجل ليلصلي عليه . فقال [ ص ] : " صلوا على صاحبكم فإن عليه دينا " فقلت : هو علي يا رسول الله . قال : " بالوفاء ؟ " قلت : بالوفاء . فصلى عليه .

وأما الوصية فلأن إرادة الميت تعلقت بها . وقد جعلت الوصية لتلافي بعض الحالات التي يحجب فيها بعض الورثة بعضا . وقد يكون المحجوبون معوزين ؛ أو تكون هناك مصلحة عائلية في توثيق العلاقات بينهم وبين الورثة ؛ وإزالة أسباب الحسد والحقد والنزاع قبل أن تنبت . ولا وصية لوارث . ولا وصية في غير الثلث . وفي هذا ضمان ألا يجحف المورث بالورثة في الوصية .

وفي نهاية الآية تجيء هذا اللمسات المتنوعة المقاصد :

( آباءكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا . فريضة من الله . إن الله كان عليما حكيما ) . .

واللمسة الأولى لفتة قرآنية لتطييب النفوس تجاه هذه الفرائض . فهنالك من تدفعهم عاطفتهم الأبوية إلى إيثار الابناء على الآباء ، لأن الضعف الفطري تجاه الابناء أكبر . وفيهم من يغالب هذا الضعف بالمشاعر الأدبية والأخلاقية فيميل إلى إيثار الآباء . وفيهم من يحتار ويتأرجح بين الضعف الفطري والشعور الأدبي . . كذلك قد تفرض البيئة بمنطقها العرفي اتجاهات معينة كتلك التي واجه بها بعضهم تشريع الإرث يوم نزل ، وقد أشرنا إلى بعضها من قبل . . فأراد الله سبحانه أن يسكب في القلوب كلها راحة الرضى والتسليم لأمر الله ، ولما يفرضه الله ؛ بإشعارها أن العلم كله لله ؛ وأنهم لا يدرون أي الأقرباء أقرب لهم نفعا . ولا أي القسم أقرب لهم مصلحة :

( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) . .

واللمسة الثانية لتقرير أصل القضية . فالمسألة ليست مسألة هوى أو مصلحة قريبة . إنما هي مسألة الدين ومسألة الشريعة :

( فريضة من الله ) . .

فالله هو الذي خلق الآباء والأبناء . والله هو الذي أعطى الأرزاق والأموال . والله هو الذي يفرض ، وهو الذي يقسم ، وهو الذي يشرع . وليس للبشر أن يشرعوا لأنفسهم ، ولا أن يحكموا هواهم ، كما أنهم لا يعرفون مصلحتهم !

( إن الله كان عليما حكيما ) . .

وهي اللمسة الثالثة في هذا التعقيب . تجيء لتشعر القلوب بأن قضاء الله للناس - مع أنه هو الأصل الذي لا يحل لهم غيره - فهو كذلك المصلحة المبنية على العلم والحكمة . فالله يحكم لأنه عليم - وهم لا يعلمون - والله يفرض لأنه حكيم - وهم يتبعون الهوى .

وهكذا تتوالى هذه التعقيبات قبل الانتهاء من أحكام الميراث ، لرد الأمر إلى محوره الأصيل . محوره الاعتقادي . الذي يحدد معنى " الدين " فهو الاحتكام إلى الله . وتلقي الفرائض منه . والرضى بحكمه : ( فريضة من الله . إن الله كان عليما حكيما ) . .

/خ14

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (11)

قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ) .

هذه الآية ، وما بعدها في المواريث تبيين وتفصيل لما أجمله قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون . . . ) ولا جرم أن هذه الآية التفصيلية وما بعدها مما تعلق بالمواريث لهي من أركان الشريعة الإسلامية ومن أمهاتها . فهي آيات عظيمة القدر والمعنى ؛ لاحتوائها على أخص الحقوق للبشر وهي الفرائض ( المواريث ) التي روي أنها ثلث العلم أو نصفه وهو أول علم ينزع من الناس وينسى . وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( ص ) قال : " تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو أول شيء ينسى وهو أول علم ينتزع من أمتي " . وروى البيهقي عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله ( ص ) : " تعلموا القرآن وعلّموه الناس ، وتعلموا الفرائض وعلّموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما " .

والسبب في نزول هذه الآية موضع خلاف العلماء ، وقد ورد في ذلك جملة أقوال نجتزئ من بينها ما نجده صوابا . لما رواه في ذلك الترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع قالت : يا رسول الله إن سعدا هلك وترك بنتين وأخاه فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد وإنما تنكح النساء على أموالهن ، فلم يجبها النبي في مجلسها ذلك . ثم جاءته فقالت : يا رسول الله ابنتا سعد ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " ادع لي أخاه " فجاءه فقال له : " ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي " .

وقيل في سبب النزول : إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو فنزلت الآية لتبين أن لكل صغير وكبير حظه في التركة ، يستوي في ذلك أن يكون ذكرا أو أنثى{[702]} .

قوله : ( يوصيكم الله في أولادكم ) ذهبت الشافعية إلى أن المقصود على الحقيقة هم أولاد الصلب ، أما أولاد الأبناء فهم أولاد على المجاز لا الحقيقة . وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال بدخول أولاد الأبناء على الحقيقة إن لم يكن ثمة أولاد أصلاب{[703]} .

ولا يؤخذ بظاهر الآية على إطلاقها ليدخل في الميراث جميع الأولاد ولو كانوا كفارا . فإن ذلك الإطلاق مقيّد بحديث النبي ( ص ) : " لا يرث المسلم الكافر " وبذلك لا يتوارث المسلمون وغير المسلمين إنما يتوارث أهل الملة الواحدة . وفي ذلك روى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث عن أسامة أن النبي ( ص ) قال : " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " .

ولا يرث القاتل لمورّثه عمدا كان أو خطأ . فإن قتله عمدا فلا يرث بالإجماع . أما إن قتله خطأ فلا يرث أيضا عند جميع المذاهب باستثناء الإمام مالك إذ قال القتل الخطأ لا يمنع التوريث . ولعل ظاهر الدليل من السنّة يجعل رأي الجمهور الصواب فإن النبي ( ص ) يقول فيما رواه ابن ماجه : " ليس لقاتل ميراث " وهو نص صحيح لا نقف على ما يقيده فأجدر أن يؤخذ بإطلاقه .

والفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى ستة هي : النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس . أما النصف فهو فريضة خمسة من الورثة هم : ابنة الصلب ، وابنة الابن ، والأخت الشقيقة والأخت لأب ، والزوج . وذلك في حال انفرادهم عمّن يحجبهم من هذه الفرائض أما إن كان ثمة من يحجبهم انخفض فرض كل منهم بحسب حاله .

وأما الرابع فهو فرض الزوج مع الحاجب وهم الأولاد . وفرض الزوجات مع عدم الحاجب من الأولاد .

وأما الثمن فهو فرض الزوجة والزوجات مع وجود الحاجب من الأولاد .

وأما الثلثان فهو فرض أربعة من الورثة هم : اثنان فأكثر من بنات الصلب ، وبنات الابن ، والأخوات الشقيقات ، أو الأخوات لأب . وذلك في حالة انفراد هؤلاء عمن يحجبهن عن هذه الفرائض .

أما الثلث فهو فرض صنفين وهما : الأم مع عدم الولد أو ولد الابن أو عدم الاثنين فأكثر من الإخوة والأخوات . ثم فرض الاثنين فصاعدا من ولد الأم وهذا هو ثلث كل المال . أما ثلث ما يتبقى من المال فهو للأم وذلك في حالة الزوج والزوجة والأبوين فإن للأم فيها ثلث ما يبقى .

وأما السدس فهو فرض سبعة وهم : الأبوان والجد مع الولد وولد الابن ، ثم الجد والجدات إذا اجتمعن ، ثم بنات الابن مع بنت الصلب ، ثم الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة ثم الواحد من ولد الأم ذكرا كان أو أنثى .

على أن الأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء : نسب ثابت ، ونكاح منعقد ، وولاء عتاقة . وقد تجتمع الثلاثة في آن واحد كأن يكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها فيرث بالنسب والزوجية وولاء العتاقة . وقد يجتمع منها شيئان فقط كأن يكون الرجل زوج المرأة ومولاها ، أو زوجها وابن عمها فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد ، فله بذلك نصف المال بالزوجية والنصف الآخر بالولاء أو النسب{[704]} .

أما أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين فإن ذلك غاية في الاعتدال والنصفة ، وغاية في التقسيم الذي يراعي حاجة الصنفين وهما الذكر والأنثى . وهذا التقسيم المتوازن السليم إنما ينبثق من تصور الإسلام للحياة والمجتمع ومن تشريعه المتميز الذي ينظّم حياة الأفراد والجماعة على غاية من الإحكام والترابط والعدل . والإسلام في هذه المسألة بالذات يوازن موازنة تامة بين الحقوق والواجبات أو بين حاجة كل من الرجل والمرأة للمال نظرا للتفاوت بينهما في مدى الحاجة للمال ؛ كيلا يكون شيء من حيف أو إرهاق أو مكابرة .

والمرأة في التوريث لها من النصيب نصف ما للرجل باستثناء بعض الأحوال في تقسيم التركة ، وهي لها من الحظ بقدر ما تضطلع به من التزام ، أو هي تتلقى من المغنم بما يكافئ ما عليها من مغرم جزاء وفاقا .

ومن المعلوم في شريعة الإسلام أن المرأة لا تضطلع بأعباء مالية في معظم مراحل حياتها . فهي يضطلع بالإنفاق عليها وليها الأب أو الجد أو غيرهما حال كونها غير متزوجة ، وإذا لم يكن أحد من الأولياء فالوالي هو الولي . وهي كذلك في بيت الزوجية لا تضطلع بشيء من التزام مالي كيفما كان حتى ولو كانت موسرة وزوجها معسرا عند كثير من العلماء . وفوق براءتها من الاضطلاع بمهمة الإنفاق فقد كتبت لها الشريعة نصيبا مفروضا من التركة وهي نصف الذكر .

وليس لأحد بعد هذا التصور أن يتحذلق في سوء طوية وفساد قصد ليفتري على الإسلام الأباطيل من حيث يعلم أولا يعلم . إنه لا يجترئ على الطعن في الإسلام إلا كل جاحد كافر ، أو مضلّل مخدوع ، يهذي بما لا يدري إلا أن يردد كالببغاء ما تلعقه ألسنة الحاقدين والمتعصبين من أعداء الإسلام ممن أفرزتهم الحضارة الغربية الحديثة بكل مفاسدها وضلالاتها وشرورها وتمردها على رسالات السماء .

قوله تعالى : ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) فرض الله للبنت الواحدة نصف التركة . وإن كانت البنات ثلاثا فأكثر فلهن ثلثا التركة بدليل الآية المذكورة . أما البنتان الثنتان فليس فيهما نص واضح هنا فاختلف العلماء في الذي يعطي للبنتين . فثمة قول بأن لهما النصف كما ذهب ابن عباس . والراجح أن لهما الثلثين بالقياس على الأختين اللتين قال الله فيهما : ( فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) .

قوله : ( وإن كانت واحدة فلها النصف ) أي إذا كانت المولودة واحدة فلها نصف التركة وإن كان مع بنات الصلب بنات ابن وكانت بنات الصلب اثنتين فصاعدا حجبن بنات الابن فلا يرثن بالفرض ؛ لأنه لا مجال لبنات الابن في التوريث بالفرض في غير الثلثين . وإن كانت بنت الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات الابن يرثن حينئذ مع بنات الصلب تكملة للثلثين ؛ لان " الثلثين " فرض تشترك فيه البنتان فصاعدا . وبنات الابن يقمن مقام البنات عند عدمهن ، وكذلك أبناء البنين يقومون مقام البنين عند عدمهم{[705]} .

فلو توفي عن زوجة وبنت وبنت ابن وأخت . كان للزوجة الثمن وللبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين وهو فرض البنات ، وما بقي فهو للأخت . ولو توفي عن زوجة حبلى قسمت التركة بين الورثة الموجودين على أن تحتجز حصة الجنين ريثما يولد ؛ لأنه يرث ويورث إذا خرج حيا واستهل ( بكى عند الولادة ) أما إن خرج ميتا فلا يرث وأعيد توزيع حصته على الورثة كل بحسب نصيبه .

وحق الجنين في التوريث معتبر ، فإذا قسمت التركة حسبت حصته على أنه ذكر ، وقيل حسبت على أن الجنين توأمان وقيل ثلاث وقيل أكثر . وفي ذلك دلالة على الاهتمام بالمولود كي يتمكن من العيش في خير وعافية .

وترد هنا مسألة الخنثى فهل يورث باعتباره ذكرا أم أنثى وكيف يتحقق من نوعيته على إحدى الصورتين ؟ والمسألة موضع خلاف طويل نقتصر من ذلك كله على بيان واضح ومجمل ، وهو أن العلماء اتفقوا على أن الخنثى يمكن توريثه على الكيفية التي بها يبول . فإن بال من حيث يبول الرجل ورث كما يرث الرجل ، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث كما ترث المرأة . فهو معتبر على الكيفية التي بها يبول ومن ثم يكون على إحدى الصورتين إما الذكورة أو الأنوثة . وهناك أقوال كثيرة في هذا الصدد لا مجال لذكرها هنا{[706]} .

قوله : ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك وإن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) .

المقصود بالضمير في أبويه هو المتوفى . والأبوان هما الأب والأم ولهما في الإرث أحوال :

أولها : أن يجتمعا مع أولاد الميت فيفرض لكل واحد منهما السدس . فإذا لم يكن للميت غير بنت واحدة كان لها الصنف ولكل واحد من الأبوين السدس . والسدس الآخر للأب بالتعصب فيرث في هذه الحالة بالفرض والتعصب .

ثانيها : أن ينفرد الأبوان بالميراث فيكون للأم الثلث ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب فقط .

ولو كان مع الأبوين زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع . ثم ماذا للأم بعد ذلك ؟ هناك ثلاثة أقوال للعلماء في هذه المسألة :

القول الأول : إن تأخذ الأم ثلث الباقي في المسألتين وليس ثلث المال كله ؛ لأن الباقي يعتبر كأنه جميع المال الموروث بالنسبة لها ، مع أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لها نصف ما للأب فيكون لها بذلك الثلث وللأب الثلثان . وذلك الذي ذهب إليه جمهور العلماء .

القول الثاني : إن الأم تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله تعالى : ( فلأمه الثلث ) وهو قول ابن عباس وعلي ومعاذ بن جبل .

القول الثالث : إنها تأخذ ثلث جميع المال في حال الزوجة لا الزوج . وتأخذ ثلث الباقي في حال الزوج ؛ وذلك لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال . فتكون المسألة هنا من ستة أسهم . للزوج النصف وهو ثلاثة أسهم . وللأم ثلث الباقي وهو سهم . وللأب الباقي وهو سهمان . ويبدو أن القول الأول هو الراجح وهو أن تأخذ الأم ثلث الباقي في الحالتين .

ثالثها : أن يجتمع الأبوان مع الأخوة سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم . فلا يرث الإخوة مع الأب شيئا ؛ لأنه يحجبهم . أما الأم فإنهم يحجبونها حجب نقصان إذ تأخذ السدس بدلا من الثلث فيفرض لها مع وجودهم السدس ولا يرثون . وهي لا يحجبها الأخ الواحد ، بل يحجبها ما فوق ذلك ليتحول فرضها من الثلث إلى السدس{[707]} .

قوله : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) وذلك من الحقوق المتعلقة بالتركة ، فإذا مات المرء تعلقت بتركته حقوق الآخرين غير الورثة . وأول هذه الحقوق الدين الذي يشغل ذمة الميت إذا بقي إلى ما بعد الوفاة بغير أداء . ثم الوصية وهي التي وعد بها الموصي حال حياته . فكلا الحقين وهما الدين والوصية يقدمان على حق الورثة في تقسيم التركة . وليس لهم أن يطالبوا بتوزيع تركة المتوفى أو التصرف بها إلا بعد أداء الدين أولا ثم الوصية في حدود ثلث المال ثانيا .

وفي تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين في الآية ما يثير التساؤل ، مع أن العلم من السلف والخلف قد أجمعوا على أن الدين مقدم على الوصية . وفي هذا المعنى أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب قال : إنكم تقرأون ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) إن رسول اله ( ص ) قضى بالدين قبل الوصية .

وثمة وجوه في الحكمة من تقديم ذكر الوصية في الآية على ذكر الدين ، نقتضب منها ثلاثة وجوه هي :

الوجه الأول : أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان في إخراجها ما يشق على أنفس الورثة ، فكان أداؤها مظنة للتفريط منهم ، وذلك بخلاف الدين فإن الورثة مطمئنون إلى أدائه . من أجل ذلك قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين تحريضا للورثة على أدائها وترغيبا لهم في إخراجها من غير تردد أو تثاقل . ويؤيد استواء الوصية والدين في الوجوب قوله : ( أو ) .

الوجه الثاني : قدم الوصية لكثرة وقوعها . فأكثر المسلمين لا يفارقون هذه الدنيا إلا وقد تركوا لأنفسهم من خلفهم وصية يرجون بها جزيل المثوبة من الله . لكن الدين أقل وجودا . فهو ربما يقع أو لا يقع .

الوجه الثالث : قدمت الوصية في الآية ؛ لأنها حظ المساكين والضعفاء ، أما الدين فإنه حظ الغرماء . والغريم يطلب دينه من المدين بقوة السلطان والقضاء .

قوله : ( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) لا داعي للمحاباة ومجانبة العدل والمساواة . وليس لأحد أن يميل بهواه وعاطفته صوب من يرغب من آباء أو أبناء ، فإن المنفعة متوقعة ومرجوة من هذا مثلما هي متوقعة ومرجوة من الآخر . وعلى ذلك فإن الله سبحانه قد فرض لهذا وهذا وساوى بين الجميع في أصل الميراث كل بحسبه خلافا لما كانت عليه الحال في الجاهلية . وليت شعري هل يدري المرء من أنفع له ، هل هو الابن أم الأب ؟ والمراد بالنفع في الدنيا الدعاء المستجاب ، والشفاعة يوم القيامة ، فقد ذكر عن ابن عباس والحسن أن الابن إذا كان أرفع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فرفع إليه أباه . وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه .

قوله : ( فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ) أي ما تبين من أحكام للتوريث وإعطاء بعضهم أكثر من بعض هو فرض قد فرضه الله وقضاه بعلمه وحكمته فهو العليم بمواضع الخير والحق الحكيم في تصرفه وتقديره{[708]} .


[702]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 97.
[703]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 59 وفتح القدير ج ـ 1 ص 431.
[704]:- تفسير القرطبي جـ 5- ص 60 والمجموع جـ 16 ص 53 والأنوار للأردبيلي جـ 2 ص 3-5.
[705]:- المجموع جـ 16 ص 79-81 والأنوار جـ 2 ص 5 وأسهل المدارك جـ 3 ص 94 وأحكام القرآن للجصاص جـ 3 ص 14.
[706]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 65 ، 66 وفتح القدير جـ 1 ص 431.
[707]:- المجموع جـ 16 ص 71 وأسهل المدرك جـ ص 293 والأنوار جـ 2 ص 5 وكشاف القناع للبهوتي جـ4 ص 416.
[708]:- تفسير الرازي جـ 9 ص 224 والكشاف جـ 1 ص 509 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 73 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 459.