في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

56

وهنا يواجههم ببأس الله الذي قد يأخذهم بعد النجاة ! فما هي مرة وتنتهي ، ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون :

( قل : هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ، أو من تحت أرجلكم ، أو يلبسكم شيعا ، ويذيق بعضكم بأس بعض . انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) . .

وتصور العذاب الغامر من فوق ، أو النابع من تحت ، أشد وقعا في النفس من تصوره آتيا عن يمين أو شمال . فالوهم قد يخيل للإنسان أنه قد يقدر على دفع العذاب من يمين أو شمال ! أما العذاب الذي يصب عليه من فوق ، أو يأخذه من تحت ، فهو عذاب غامر قاهر مزلزل ، لا مقاومة له ولا ثبات معه ! والتعبير الموحي يتضمن هذا المؤثر القوي في حس الإنسان ووهمه ، وهو يقرر حقيقة قدرة الله على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء وكيف شاء .

ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة الله ؛ والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء ؛ لونا آخر بطيئا طويلا ؛ لا ينهي أمرهم كله في لحظة ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار :

( أو يلبسكم شيعا ، ويذيق بعضكم بأس بعض ) . .

وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد ؛ الذي يذوقونه بأيديهم ، ويجرعونه لأنفسهم ؛ إذ يجعلهم شيعا وأحزابا ، متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض ، ولا يفاصل بعضها بعضا ، فهي أبدا في جدال وصراع ، وفي خصومة ونزاع ، وفي بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك . .

ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب ، كلما انحرفت عن منهج الله وتركت لأهواء البشر ونزواتهم وشهواتهم وجهالتهم وضعفهم وقصورهم . . تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالة والضعف والقصور . وكلما تخبط الناس وهم يضعون أنظمة للحياة وأوضاعا وشرائع وقوانين وقيما وموازين من عند أنفسهم ؛ يتعبد بها الناس بعضعهم بعضا ؛ ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وشرائعه وقوانينه البعض الآخر ، والبعض الآخر يأبى ويعارض ، وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض . وتتصارع رغباتهم وشهواتهم وأطماعهم وتصوراتهم . فيذوق بعضهم بأس بعض ، ويحقد بعضهم على بعض ، وينكر بعضهم بعضا ، لأنهم لا يفيئون جميعا إلى ميزان واحد ؛ يضعه لهم المعبود الذي يعنوا له كل العبيد ، حيث لا يجد أحدهم في نفسه استكبارا عن الخضوع له ، ولا يحس في نفسه صغارا حين يخضع له .

إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم ، ثم يزاول هذا الحق فعلا ! إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعا ملتبسة ؛ لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعا واحدا ، ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيدا لبعض ؛ ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها - لأنها غير مقيدة بشريعة من الله - ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص . . ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض ! وهم شيع ؛ ولكنها ليست متميزة ولا منفصله ولا مفاصلة ! والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد !

وهذا يقودنا إلى موقف العصبة المسلمة في الأرض . وضرورة مسارعتها بالتميز من الجاهلية المحيطة بها - والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها ، ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية - وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها ؛ باعتبار نفسها أمة متميزة من قومها الذي يؤثرون البقاء في الجاهلية ، والتقيد بأوضاعها وشرائعها وأحكامها وموازينها وقيمها .

إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب : ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) . . إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديا وشعوريا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها - حتى يأذن الله لها بقيام " دار إسلام " تعتصم بها - وإلا أن تشعر شعورا كاملا بأنها هي " الأمة المسلمة " وأن ما حولها ومن حولها ، ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه ، جاهلية وأهل جاهلية . وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج ؛ وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين .

فإذا لم تفاصل هذه المفاصلة ، ولم تتميز هذا التميز ، حق عليها وعيد الله هذا . وهو أن تظل شيعة من الشيع في المجتمع ، شيعة تتلبس بغيرها من الشيع ، ولا تتبين نفسها ، ولا يتبينها الناس مما حولها . وعندئذ يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد ؛ دون أن يدركها فتح الله الموعود !

إن موقف التميز والمفاصلة قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات . . غير أن هذه التضحيات والمشقات لن تكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزه ، ونتيجة اندغامها وتميعها في قومها والمجتمع الجاهلي من حولها . .

ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله على أيدي جميع رسل الله ، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره ، وتحقيق وعده بغلبة رسله والذين آمنوا معهم . . لم يقع في مرة واحدة ، قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتهالقومها على العقيدة وعلى منهج الحياة - أي الدين - وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها - أي نظام حياتها - وأن هذه كانت هي نقطة الفصل ومفرق الطريق في الدعوات جميعا .

وطريق هذه الدعوة واحد . ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعا ، صلوات الله عليهم وسلامه :

( انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) . .

والله نسأل أن يجعلنا ممن يصرف الله لهم الآيات فيفقهون . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ} (65)

قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الأيت لعلهم يفقهون } بعد أن بين الله أنه هو الذي يكتب النجاة لعباده ويرفع الشدائد عن المكروبين ، فإنه يبين عقيب ذلك أنه هو القادر على إلقائهم في المهالك وإنزال البلاء بهم فيقول سبحانه : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } العذاب من فوقهم يراد به الطوفان والرجم بالحجارة والصيحة والريح ، مثلما فعل بقوم نوح وقوم لوط وعاد وثمود . وأما العذاب من تحت أرجلهم فهو الخسف والرجفة ، مثلما فعل بقارون وأصحاب مدين .

قوله : { أو يلبسكم شيعا } جمع شيعة وهم الأتباع والأنصار . وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ، والجمع شيع . مثل سدرة وسدر{[1190]} ويلبسكم ، من اللبس وهو الخلط . لبست عليه الأمر إذا خلطته فأنا ألبسه . ويلبسكم أي يخلط أمركم فيجعلكم أهواء مختلفة وأحزابا مفترقة .

قوله : { ويذيق بعضكم بأس بعض } البأس معناه العذاب ، والشدة في الحرب{[1191]} ويذيق ، من الذوق . وأصل ذلك من ذوق الطعام ، ثم استعمل في كل ما وصل إلى الإنسان من لذة وحلاوة ومرارة ومكروه وألم . والمراد أن تعمكم الفتنة فيقتل بعضكم بعضا .

ولقد حل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من أنواع الفتن ما يثير الحزن والمضاضة . وهذه حقيقة أليمة نذكرها في غاية الإحساس بالمرارة والأسى .

لقد دهمت المسلمين من القلاقل والفتن التي كثيرا ما عصفت بكلمتهم ووحدة صفهم بعد أن انقلبوا شيعا مختلفي الأهواء وبعد أن استحوذ عليهم الشيطان وطغى عليهم حظ النفس من الدنيا في كثير من الأحيان فدارت بينهم معارك وحروب طاحنة أزهقت فيها أنفس كثيرة . وذلك عقيب لحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى . مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من فداحة الاختلاف في الأهواء أو الحرص المتكالب على حظ النفس من الدنيا ، بما يفضي في النهاية إلى اختلاف القلوب وتنافرها ثم الاقتتال والاحتكام إلى السيف فقال عليه السلام : " لا تنقلبوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف " فقالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ قال : " نعم " .

وذلك الذي حل بالمسلمين وا أسفاه ! إذ انصاعوا لنداء الشيطان يحرض شيعهم وفرقهم على الحرب والاقتتال . مع أن جدير بالمسلمين أن يكونوا أكثر أمم العالمين طرا تماسكا وائتلافا وانسجاما ما دامت عقيدتهم الراسخة العظيمة قائمة على التوحيد . وهي تدعو بالضرورة إلى الوحدة والتئام الصفوف . لقد كان جديرا بالمسلمين أن يظلوا طوال الدهر أحرص الناس على الإخاء والوحدة وتمام التلاقي في إطار العقيدة والدين وأن لا يفتلهم عن ذلك أي سبب من أسباب الغواية أو الهوى أو حب الدنيا والحرص على الشهوات .

قوله : { انظر كيف نصرف الأيات لعلهم يفقهون } أي نبين لهم الدلائل والحجج ، أو من أنواع الكلام ما بين وعد ووعظ ووعيد لكي يعتبروا فيذكروا أو يزدجروا عما هم عليه من الشرك و التكذيب{[1192]} .


[1190]:- المصباح المنير ج 1 ص 353.
[1191]:- مختار الصحاح ص 38.
[1192]:- روح المعاني ج 7 ص 180- 181 وتفسير الطبري ج 7 ص 144- 146.