والحكم التالي يختص بعدد الطلقات ، وحق المطلقة في تملك الصداق ، وحرمة استرداد شيء منه عند الطلاق ، إلا في حالة واحدة : حالة المرأة الكارهة التي تخشى أن ترتكب معصية لو بقيت مقيدة بهذا الزواج المكروه . وهي حالة الخلع التي تشتري فيها المرأة حريتها بفدية تدفعها :
( الطلاق مرتان . فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا . إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله . فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به . تلك حدود الله فلا تعتدوها . ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) . .
الطلاق الذي يجوز بعده استئناف الحياة مرتان . فإذا تجاوزهما المتجاوز لم يكن إلى العودة من سبيل إلا بشرط تنص عليه الآية التالية في السياق . وهو أن تنكح زوجا غيره ، ثم يطلقها الزوج الآخر طلاقا طبيعيا لسبب من الأسباب ، ولا يراجعها فتبين منه . . وعندئذ فقط يجوز لزوجها الأول أن ينكحها من جديد ، إذا ارتضته زوجا من جديد .
وقد ورد في سبب نزول هذا القيد ، أنه في أول العهد بالإسلام كان الطلاق غير محدد بعدد من المرات . فكان للرجل أن يراجع مطلقته في عدتها ، ثم يطلقها ويراجعها . هكذا ما شاء . . ثم إن رجلا من الأنصار اختلف مع زوجته فوجد عليها في نفسه ، فقال : والله لا آويك ولا أفارقك . قالت : وكيف ذلك ؟ قال : أطلقك ، فإذا دنا أجلك راجعتك . فذكرت ذلك للرسول [ ص ] فأنزل الله عز وجل : ( الطلاق مرتان ) . .
وحكمة المنهج الرباني الذي أخذ به الجماعة المسلمة مطردة في تنزيل الأحكام عند بروز الحاجة إليها . . حتى استوفى المنهج أصوله كلها على هذا النحو . ولم يبق إلا التفريعات التي تلاحق الحالات الطارئة ، وتنشىء حلولا مستمدة من تلك الأصول الشاملة .
وهذا التقييد جعل الطلاق محصورا مقيدا ؛ لا سبيل إلى العبث باستخدامه طويلا . فإذا وقعت الطلقة الأولى كان للزوج في فترة العدة أن يراجع زوجه بدون حاجة إلى أي إجراء آخر . فأما إذا ترك العدة تمضي فإنها تبين منه ؛ ولا يملك ردها إلا بعقد ومهر جديدين . فإذا هو راجعها في العدة أو إذا هو أعاد زواجها في حالة البينونة الصغرى كانت له عليها طلقة أخرى كالطلقة الأولى بجميع أحكامها . فأما إذا طلقها الثالثة فقد بانت منه بينونة كبرى بمجرد إيقاعها فلا رجعة فيها في عدة ، ولا عودة بعدها إلا أن ينكحها زوجا آخر . ثميقع لسبب طبيعي أن يطلقها . فتبين منه لأنه لم يراجعها . أو لأنه استوفى عليها عدد مرات الطلاق . فحينئذ فقط يمكن أن تعود إلى زوجها الأول .
إن الطلقة الأولى محك وتجربة كما بينا . فأما الثانية فهي تجربة أخرى وامتحان أخير . فإن صلحت الحياة بعدها فذاك . وإلا فالطلقة الثالثة دليل على فساد أصيل في حياة الزوجية لا تصلح معه حياة .
وعلى أية حال فما يجوز أن يكون الطلاق إلا علاجا أخيرا لعلة لا يجدي فيها سواه . فإذا وقعت الطلقتان : فإما إمساك للزوجة بالمعروف ، واستئناف حياة رضية رخية ؛ وإما تسريح لها بإحسان لا عنت فيه ولا إيذاء . وهو الطلقة الثالثة التي تمضي بعدها الزوجة إلى خط في الحياة جديد . . وهذا هو التشريع الواقعي الذي يواجه الحالات الواقعة بالحلول العملية ؛ ولا يستنكرها حيث لا يجدي الاستنكار ، ولا يعيد خلق بني الإنسان على نحو آخر غير الذي فطرهم الله عليه . ولا يهملها كذلك حيث لا يجدي الإهمال !
ولا يحل للرجل أن يسترد شيئا من صداق أو نفقة أنفقها في أثناء الحياة الزوجية في مقابل تسريح المرأة إذا لم تصلح حياته معها . ما لم تجد هي أنها كارهة لا تطيق عشرته لسبب يخص مشاعرها الشخصية ؛ وتحس أن كراهيتها له ، أو نفورها منه ، سيقودها إلى الخروج عن حدود الله في حسن العشرة ، أو العفة ، أو الأدب . فهنا يجوز لها أن تطلب الطلاق منه ؛ وأن تعوضه عن تحطيم عشه بلا سبب متعمد منه ؛ برد الصداق الذي أمهرها إياه ، أو بنفقاته عليها كلها أو بعضها لتعصم نفسها من معصية الله وتعدي حدوده ، وظلم نفسها وغيرها في هذه الحال . وهكذا يراعي الإسلام جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس ؛ ويراعي مشاعر القلوب الجادة التي لا حيلة للإنسان فيها ؛ ولا يقسر الزوجة على حياة تنفر منها ؛ وفي الوقت ذاته لا يضيع على الرجل ما أنفق بلا ذنب جناه .
ولكي نتصور حيوية هذا النص ومداه ، يحسن أن نراجع سابقة واقعية من تطبيقه على عهد رسول الله [ ص ] تكشف عن مدى الجد والتقدير والقصد والعدل في هذا المنهج الرباني القويم .
روى الإمام مالك في كتابه : الموطأ . . أن حبيبة بنت سهل الأنصاري كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس . وأن رسول الله [ ص ] خرج في الصبح ، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس . فقال رسول الله [ ص ] : " من هذه ؟ " قالت : أنا حبيبة بنت سهل ! فقال : " ما شأنك ؟ " فقالت : لا أنا ولا ثابت بن قيس - لزوجها - فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله [ ص ] : " هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر " . . فقالت حبيبة : يا رسول الله ، كل ما أعطاني عندي . فقال رسول الله [ ص ] : " خذ منها " فأخذ منها وجلست في أهلها .
وروى البخاري - بإسناده - عن ابن عباس رضي الله عنهما - أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي [ ص ] فقالت : يا رسول الله . ما اعيب عليه في خلق ولا دين ، ولكن أكره الكفر في الإسلام . فقال رسول الله [ ص ] : " أتردين عليه حديقته ؟ " [ وكان قد أمهرها حديقة ] قالت : نعم . قال رسول الله [ ص ] : " أقبل الحديقة وطلقها تطليقة " . .
وفي رواية أكثر تفصيلا رواها ابن جرير بإسناد - عن أبي جرير أنه سأل عكرمة : هل كان للخلع أصل ؟ قال : كان ابن عباس يقول : إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي . إنها أتت رسول الله [ ص ] فقالت : يا رسول الله ، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا . إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها . فقال زوجها : يا رسول اللهإني قد أعطيتها أفضل مالي : حديقة لي . فإن ردت علي حديقتي . قال : ما تقولين ؟ قالت : نعم وإن شاء زدته . قال : ففرق بينهما . .
ومجموعة هذه الروايات تصور الحالة النفسية التي قبلها رسول الله [ ص ] وواجهها مواجهة من يدرك أنها حالة قاهرة لا جدوى من استنكارها وقسر المرأة على العشرة ؛ وأن لا خير في عشرة هذه المشاعر تسودها . فاختار لها الحل من المنهج الرباني الذي يواجه الفطرة البشرية مواجهة صريحة عملية واقعية ؛ ويعامل النفس الإنسانية معاملة المدرك لما يعتمل فيها من مشاعر حقيقية .
ولما كان مرد الجد أو العبث ، والصدق أو الاحتيال ، في هذه الأحوال . . هو تقوى الله ، وخوف عقابه . جاء التعقيب يحذر من اعتداء حدود الله :
( تلك حدود الله فلا تعتدوها . ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) . .
ونقف هنا وقفة عابرة أمام اختلاف لطيف في تعبيرين قرآنيين في معنى واحد ، حسب اختلاف الملابستين :
في مناسبة سبقت في هذه السورة عند الحديث عن الصوم . ورد تعقيب : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) . . وهنا في هذه المناسبة ورد تعقيب : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) . .
في الأولى تحذير من القرب . وفي الثانية تحذير من الاعتداء . . فلماذا كان الاختلاف ؟
في المناسبة الأولى كان الحديث عن محظورات مشتهاة :
( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم . . هن لباس لكم وأنتم لباس لهن . . علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ، فتاب عليكم وعفا عنكم ، فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم . وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . ثم أتموا الصيام إلى الليل ، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد . . تلك حدود الله فلا تقربوها ) . .
والمحظورات المشتهاة شديدة الجاذبية . فمن الخير أن يكون التحذير من مجرد الاقتراب من حدود الله فيها ، اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها إذا اقترب الإنسان من مجالها ووقع في نطاق حبائلها !
أما هنا فالمجال مجال مكروهات واصطدامات وخلافات . فالخشية هنا هي الخشية من تعدي الحدود في دفعة من دفعات الخلاف ؛ وتجاوزها وعدم الوقوف عندها . فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة . بسبب اختلاف المناسبة . . وهي دقة في التعبير عن المقتضيات المختلفة عجيبة !
ولما ذكر الرجعة{[10569]} ولم يبين لها غاية تنتهي{[10570]} بها فكانت الآية كالمجمل{[10571]} عرض سؤال : هل هي ممتدة{[10572]} كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة أو{[10573]} منقطعة ؟ فقال : { الطلاق } أي المحدث عنه وهو الذي تملك فيه الرجعة . قال الحرالي : لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى . وقال{[10574]} تعالى : { مرتان{[10575]} } دون طلقتان تنبيهاً{[10576]} - على أنه ينبغي أن تكون{[10577]} {[10578]}مرة بعد مرة{[10579]} كل طلقة{[10580]} في مرة لا أن يجمعهما في مرة .
ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان{[10581]} لأنه أقرب{[10582]} إلى أن يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء {[10583]}سيصرح به في قوله في الآية الآتية { أو سرحوهن بمعروف }[ البقرة : 231 ] فقال معقباً بالفاء{[10584]} { فإمساك } أي إن راجعها في عدة الثانية . قال الحرالي{[10585]} : هو من المسك{[10586]} وهو إحاطة تحبس الشيء ، ومنه المسك - بالفتح - للجلد { بمعروف } قال الحرالي{[10587]} فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حداً يقطع قصد الضرار - انتهى { أو تسريح } أي إن طلقها الثالثة ، {[10588]}ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية{[10589]} . قال الحرالي : سمى{[10590]} الثالثة{[10591]} تسريحاً لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه . وقال أيضاً{[10592]} : هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود ، فمن أرسل البازي مثلاً ليسترده فهو مطلق ، ومن أرسله لا ليسترجعه{[10593]} فهو مسرح{[10594]} انتهى . {[10595]}ويجوز أن يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة{[10596]} ، ولما كان مقصود النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع{[10597]} بالنفس والمال وكان الطلاق منعاً للإمتاع بالنفس قال : { بإحسان } تعريضاً بالجبر بالمال لئلا يجتمع منعان : منع النفس{[10598]} وذات اليد - أفاده الحرالي وقال : ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى . ومن ذلك بذل{[10599]} الصداق{[10600]} كاملاً وأن لا يشاححها{[10601]} في شيء لها فيه حق مع {[10602]}طيب المقال{[10603]} وكرم الفعال{[10604]} .
ولما كان سبحانه وتعالى قد خيره بين شيئين : الرجعة والتسريح الموصوفين وكانت الرجعة أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل الافتداء بما أعطيته المرأة وكان أخذه أو شيئاً منه مشاركاً للسراح في أنه يقطع عليه ما كان له من ملك الرجعة {[10605]}ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة كما كان عليه حال أهل الجاهلية{[10606]} وكان الافتداء قد يكون في الأولى{[10607]} لم يفرعها{[10608]} بالقابل{[10609]} قال مشيراً إلى أن من إحسان التسريح سماح الزوج بما أعطاها عاطفاً على ما تقديره : فلا يحل لكم مضارتهن{[10610]} : { ولا يحل لكم } أي أيها المطلقون {[10611]}أو المتوسطون من الحكام وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا آخذين{[10612]} { أن تأخذوا } إحساناً في السراح { مما آتيتموهن } من صداق وغيره { شيئاً } {[10613]}أي بدون مخالفة{[10614]} . قال الحرالي : لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية{[10615]} الدرجة لا في مقابلة الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه شيئاً ولذلك لزم في النكاح الصداق لتظهر مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت في ذات النفس - انتهى .
ولما كان إسناد الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال : { إلا{[10616]} أن يخافا } نصاً على المراد بالإسناد إلى الزوجين ، وعبر عن الظن بالخوف تحذيراً من عذاب الله{[10617]} ، وعبر في هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع{[10618]} بأداة المتصل تنفيراً من الأخذ ومعنى البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ويعقوب إلا أن يحصل{[10619]} لهما {[10620]}أمر من{[10621]} حظ أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير في الحدود ، ولا مفهوم للتقييد بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال من غير{[10622]} أمر محوج ومتى حصل المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه متى خالفه الآخر حصل التشاجر {[10623]}المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا يسوغ{[10624]} والله سبحانه وتعالى أعلم { ألا يقيما } أي في الاجتماع { حدود الله } العظيم فيفعل كل منهما ما وجب عليه من الحق .
قال الحرالي : وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من زوجها لا من غير ذلك من مالها ، والحدود جمع حد وهو النهاية في المتصرف المانع من الزيادة عليه - انتهى . ثم زاد الأمر بياناً لأنه في مقام التحديد فقال مسنداً{[10625]} إلى ضمير الجمع حثاً على التحقق ليحل الفداء حلاً{[10626]} نافياً لجميع الحرج : { فإن خفتم } أي{[10627]} أيها المتوسطون بينهما من الحكام وغيرهم من الأئمة بما ترون منهما وما{[10628]} يخبرانكم به عن أنفسهما{[10629]} { ألا يقيما حدود الله } وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام ، وتعظيم كبير لهذه الأحكام ، وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة والالتزام ، وذلك لأن{[10630]} كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره ، والشرع كله مبني على العدل الذي هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه { فلا جناح } أي ميل بإثم { عليهما } {[10631]}وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا تظنه{[10632]} { فيما افتدت به } أي{[10633]} لا{[10634]} على الزوج بالأخذ ولا عليها بالإعطاء سواء كان ذلك مما{[10635]} آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا {[10636]}لأن الخلع عقد معاوضة فكما{[10637]} جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائناً ما كان ويكون ذلك عما كان يملكه عليها من الرجعة ، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا سبيل عليها إلا بإذنها .
ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على الشهوات تارة على{[10638]} البهيمية وتارة على السبعية وكان سبحانه وتعالى قد حد فيها حدوداً تكون بها المصالح وتزول{[10639]} المفاسد منع سبحانه وتعالى من تعدى تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في آية الصوم فقال : { تلك } أي الأحكام العظيمة التي تولى الله بيانها{[10640]} من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها{[10641]} { حدود الله } أي شرائع{[10642]} الملك الأعظم{[10643]} الذي له جميع العزة{[10644]} من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت كالحدود المعروفة في الأراضي .
ولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع{[10645]} النقائص وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله : { فلا تعتدوها } أي لا تتكلفوا مجاوزتها ، وفيه أيضاً إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير تعمد .
ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن تعدى شيئاً منها فقد ظلم : { ومن يتعد{[10646]} } أي يتجاوز { حدود الله } أي {[10647]}المحيط بصفات الكمال التي{[10648]} بينها وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم . قال الحرالي : ففيه ترجية{[10649]} فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي إعلامه{[10650]} إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع{[10651]} الأخذ بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى . وإليه يرشد الحصر في قوله : { فأولئك } أي المستحقون للابعاد { هم الظالمون * } أي العريقون{[10652]} في الظلم بوضع الأشياء في غير مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام . قال الحرالي : وفي إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف : حد الله سبحانه وتعالى ، وحد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحد العالم ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " ما جاء من الله فهو الحق ، وما جاء مني فهو السنة ، وما جاء من أصحابي فهو السعة " فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب ، فالظالم المنتهي ظلمه الخارج عن الحدود الثلاثة : حد العالم{[10653]} ، وحد السنة ، وحد الله - انتهى . ولما بين قسمي الطلاق البائن{[10654]} - وكان نظر الطلاق إلى العدد أشد من نظره إلى العوض قدم قسمه {[10655]}في قوله { أو تسريح بإحسان{[10656]} } ثم فرع عليه{[10657]} فقال موحداً لئلا يفهم الحكم على الجمع أن الجمع{[10658]} قيد في الحكم وأفهم التكرير للجمع شدة الذم لما كانوا يفعلون في الجاهلية من غير هذه الأحكام :
قوله تعالى : ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما اقتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) .
كان الطلاق في الجاهلية وفي ابتداء الإسلام غير محصور في عدد الطلقات ، بل كان الرجل يطلّق ما شاء ولو مائة مرة ثم يراجع زوجته في العدة لتظل بذلك كالمعلقة فلا هي زوجة ولا هي مطلقة ، وهو لا يبغي من ذلك إلا إغاظتها والإضرار بها . إلى أن نزلت هذه الآية فقيدت الطلاق بثلاث مرا ، الثنتين الأوليين منها يحق للرجل مراجعة زوجته فيهما قبل انتهاء العدة في كل مرة . فإذا وقعت الثالثة باتت المرأة مبتوتة لا يحق له مراجعتها إلا بعد نكاح جديد من زوج جديد . وقد روي عن السيدة عائشة – رضي الله عنها- قالت : لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة . وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس فقال : والله لأتركنك لا أيما ولا ذات زوج ، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها ، ففعل ذلك مرارا ، فأنزل الله تعالى فيه ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) فجعل الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره{[313]} .
قوله : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) إمساك مبتدأ وخبره محذوف تقديره أفضل أو أحسن وتقديره : فإمساك بمعروف أفضل{[314]} والإمساك في اللغة معناه التعلق والاعتصام ، أو حبس النفس ومنعها من فعل الشيء . وهو في الاصطلاح الشرعي خلاف الطلاق . والتسريح معناه الإرسال ويراد به في الآية الطلاق .
ومعنى الآية أن الرجل إذا طلق زوجته مرة أو اثنتين فهو عندئذ مخيّر في إرجاعها إليه على أن ينوي الإحسان في معاملتها وعدم الإضرار بها وذلك أثناء اعتداد الزوجة من الطلقة ، أو أن يتركها إلى أن تنتهي عدّتها فتكون بائنة ، وذلك تسريح لها على أن يكون ذلك بإحسان من غير أن يوقع عليها حيفا أو إضرارا كأن ينتقصها حقا من حقوقها . وبذلك يكون الرجل قد خسر طلقتين اثنتين ، وبقيت له واحدة ثالثة وهي الآخرة . أو هي بمثابة صمام الأمان للحياة الزوجية بالنسبة للزوجين ، فإذا ما انزلق لسان الرجل أو تعثّر في النطق بالطلقة الثالثة فقد انفصمت عرى الحياة بين الاثنين تمام الانفصام ، وما عاد يرتجى لهم بعد ذلك تلاق إلا أن تنكح المبتوتة زوجا ثالثا يطلقها فتبين ثم ينكحها الأول ، وهيهات لذلك أن يتحقق ! .
وقد ذكر عن ابن عباس قوله في هذا الصدد : إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في ذلك ، أي في الثالثة ، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسحرها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا .
وفي تبيين الطلقة الثالثة في الآية سأل رجل النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله أرأيت قول الله ( الطلاق مرتان ) فأين الثالثة ؟ قال : " التسريح بإحسان الثالثة " . وفي حديث آخر أن رجلا جاء إلى النبي ( ص ) ، فقال : يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين فأين الثالثة ؟ قال : " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " .
قوله : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) . لا يحل للزوج أن يضيّق على زوجته ، وأن يسومها العسر والضجر لتفتدي منه بما أعطاها من صداق أو جهاز وغيره . وفي يقول سبحانه في آية أخرى : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) وبهذا فإن أخذ المال من الزوجة على سبيل القهر والاستضعاف أو الابتزاز وذلك بعد قهرها وإرهاقها والتضييق عليها فإنه حرام . ومن ناحية ثانية : فإنه لا يحل للمرأة أن تطلب من زوجها الطلاق أو الافتداء منه بغير عذر إلا البطر والجحود . لا تسأل المرأة زوجها شيئا من ذلك دون مبرر مقبول إلا أن تكون آثمة عاصية لربها . وفي هذا يقول الرسول ( ص ) : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " .
لكن الذي عليه السلف من هذه الأمة وأئمة الخلف فيها أن الخُلع لا يجوز إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فلم تتمكن من تأدية حقوق الزوج أو معاشرته لإبغاضها له أو أنها لا تطيقه . فإنه يجوز حينئذ للرجل أن يقبل الفدية منها ثم يفارقها . وذلك هو المراد في قوله تعالى : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) فإذا علم كل واحد من الاثنين أنه سوف لا يقيم حق النكاح لصاحبه ، فإنه لا حرج إذ ذاك على المرأة أن تفتدي نفسها بصداقها أو بعضه تقدمه لبعلها ؛ كيما يسرّحها ، وليس من حرج كذلك على الزوج أن يأخذ هذا المال منها مقابل تسريحها . وهذه هي المخالعة أو الخلع .
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن ابن عباس أن امرأة ثابت ابن قيس أتت النبي ( ص ) فقالت : يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكن لا أطيقه . فقال رسول الله ( ص ) : " أتردين عليه حديقته " قالت : نعم . وروى الحديث أيضا ابن ماجه عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي ( ص ) فقالت : والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ، ولكن أكره الكفر في الإسلام ، لا أطيقه بغضا . فقال لها النبي ( ص ) : " أتردين عليه حديقته " قالت : نعم ، فأمره رسول الله ( ص ) أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد . والذي يقال : إنها كانت تبغضه بغضا شديدا ، ولكنه كان يحبها أشد الحب ففرق النبي ( ص ) بينهما بطريق الخلع ، فكان أول خلع في الإسلام . أما صفة الخلع ، فإنه طلاق بائن عند جمهور العلماء . وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي في الجديد . وقال به الثوري والأوزاعي . وهو مروي عن عثمان وعلي وابن مسعود وبعض التابعين . وقيل : إن الخلع فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه المخالع . وهو قول ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأحمد ، والشافعي في القديم{[315]} .
وقوله : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ) إن خفتم ، أي علمتم . والمخاطب في هذه الجملة هم المسؤولون كالولاة أو القضاة . وجملة ( ألا يقيما حدود الله ) في محل نصب مفعول به . والمراد بحدود الله ما يجب على الزوجين من حسن الصحبة وطيب العشرة وكريم التعامل بينهما . وعدم مراعاة هذه الحدود يكون من جانب المرأة إذا كرهت زوجة وأبغضته بغضا شديدا لم تستطع معه من أداء حقه في الطاعة وما له عليها من حقوق . وإذا كان الأمر كذلك فقد جعل الإسلام لهما- والزوجة خاصة- سبيلا للفراق أو الخلاص من عيشهما المنكود وتلاقيهما المتنافر ، وهو أن تفتدي المرأة منه بصداقها أو بعض صداقها . وفي هذا يقول سبحانه : ( فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) .
وقوله : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) حدود الله هي شرائعه التي شرعها للناس . وهي هنا ما تضمنته الآية من بيان لكيفية الطلاق ، وأنه مرتان يتلوهما فراق تام . ثم تشريع المخالعة بين الزوجين تدفع الزوجة بموجبها ما أخذته من صداق أو دونه لزوجها على أن يسرحها مادامت تبغضه بغضا شديدا ولا تطيق معه العيش لدمامته أو سوء منظره أو نحو ذلك .
ولا ينبغي لأحد أن يتجاوز هذه الحدود التي رسمها الله وهي شرائعه المبينة في الآية . وهي لا يتجاوزها إلا ظالم لنفسه فموبقها .
وشبيه بذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ( ص ) قوله : " إن الله حد حدودا فلا تعتدوها ، وفرض فرائض فلا تضيعوها ، وحرم محارم فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها " .
ولو جمع الطلقات الثلاث في كلمة واحدة فهو من البدع التي تأتي على خلاف ما شرعه الله للناس من أحكام . أو هو خلاف السنة الصحيحة التي بينها الكتاب وسنة الرسول ( ص ) وهو أن يكون الطلاق مرات ثلاثا ، كل واحدة منها منفصلة عن الأخرى بزمن معلوم تحدده العدة تبعا لطبيعة المرأة ، فهي في ذوات المحيض ثلاث أقراء ، أما في الصغار واليائسات من النساء وهن اللواتي لا يحملن فقدرها ثلاثة أشهر .
وذهب بعض أهل العلم وفيهم المالكية إلى أن جمع الطلقات الثلاث في كلمة واحدة حراما شرعا . ويعزز قولهم هذا ما رواه النسائي في سننه عن محمود بن لبيد قال : أخبر رسول الله ( ص ) عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ، فقام غضبان ثم قال : " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ " حتى قام رجل فقال : يا رسول الله ألا أقتله ؟ .
وعلى أية حال فإن الطلاق بلفظ الثلاث في جلسة واحدة تبين معه المرأة بينونة كبرى فلا تحل لزوجها المطلق إلا بعد نكاحها من زوج ثان ثم تبين منه وتعتد . وقد ذهب إلى ذلك جمهور الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب . وخالفهم في ذلك بعض العلماء إذ قالوا : الطلاق ثلاث في كلمة واحدة يقع طلقة واحدة رجعية . وهو مذهب أهل الظاهر . وقال به ابن تيمية وابن القيم والشوكاني وروي مثل ذلك عن بعض الصحابة{[316]} .