في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (105)

فإذا انتهى من تقرير حال الذين كفروا وقولهم التفت إلى " الذين آمنوًا يقرر لهم انفصالهم وتميزهم ؛ ويبين لهم تكاليفهم وواجبهم ؛ ويحدد لهم موقفهم ممن سواهم ؛ ويكلهم إلى حساب الله وجزائه لا إلى أي مغنم في هذه الأرض أو مأرب .

( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، إلى الله مرجعكم جميعا ، فينبئكم بما كنتم تعملون ) . .

إنه التميز والمفاصلة بينهم وبين من عداهم . ثم إنه التضامن والتواصي فيما بينهم بوصفهم أمة واحدة . ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم )

أنتم وحدة منفصلون عمن سواكم ، متضامنون متكافلون فيما بينكم . فعليكم أنفسكم . . عليكم أنفسكم فزكوها وطهروها ؛ وعليكم جماعتكم فالتزموها وراعوها ؛ ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم . فأنتم وحدة منفصلة عمن عداكم ؛ وأنتم أمة متضامنة فيما بينها بعضكم أولياء بعض ، ولا ولاء لكم ولا ارتباط بسواكم .

إن هذه الآية الواحدة تقرر مبادى ء أساسية في طبيعة الأمة المسلمة ، وفي طبيعة علاقاتها بالأمم الأخرى .

إن الأمة المسلمة هي حزب الله . ومن عداها من الأمم فهم حزب الشيطان . ومن ثم لا يقوم بينها وبين الأمم الأخرى ولاء ولا تضامن ، لأنه لا اشتراك في عقيدة ؛ ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة ؛ ولا اشتراك في تبعة أو جزاء .

وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها ؛ وأن تتناصح وتتواصى ، وأن تهتدي بهدي الله الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها . . ثم لا يضيرها بعد ذلك شيئا أن يضل الناس حولها ما دامت هي قائمة على الهدى .

ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى . والهدى هو دينها هي وشريعتها ونظامها . فإذا هي أقامت نظامها في الأرض بقي عليها أن تدعو الناس كافة ، وأن تحاول هدايتهم ، وبقي عليها أن تباشر القوامة على الناس كافة لتقيم العدل بينهم ؛ ولتحول بينهم وبين الضلال والجاهلية التي منها أخرجتهم . .

إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله لا يضيرها من ضل إذا اهتدت ، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولا ، ثم في الأرض جميعا . وأول المعروف الإسلام لله وتحكيم شريعته ؛ وأول المنكر الجاهلية والاعتداء على سلطان الله وشريعته . وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت ، والطاغوت هو كل سلطان غير سلطان الله وحكمه . . والأمة المسلمة قوامة على نفسها أولا ؛ وعلى البشرية كلها أخيرا .

وليس الغرض من بيان حدود التبعة في الآية كما فهم بعضهم قديما - وكما يمكن أن يفهم بعضهم حديثا - أن المؤمن الفرد غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - إذا اهتدى هو بذاته - ولا أن الأمة المسلمة غير مكلفة إقامة شريعة الله في الأرض - إذا هي اهتدت بذاتها - وضل الناس من حولها .

إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر ، ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان - وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله واغتصاب سلطانه وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته ، وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد ولا ينفع الأمة أن تهتدي وهذا المنكر قائم .

ولقد روى أصحاب السنن أن أبا بكر - رضي الله عنه - قام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم . . وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر ، ولا يغيرونه ، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه " .

وهكذا صحح الخليفة الأول - رضوان الله عليه - ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة . ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح ، لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق . فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه ، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه !

وكلا والله ! إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد . ولا يصلح إلا بعمل وكفاح . ولا بد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إليه ، ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ولتقرير ألوهيةالله في الأرض ، ولرد المغتصبين لسلطان الله عما اغتصبوه من هذا السلطان ، ولإقامة شريعة الله في حياة الناس ، وإقامة الناس عليها . . لا بد من جهد . بالحسنى حين يكون الضالون أفرادا ضالين ، يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة . وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى ؛ وتعطل دين الله أن يوجد ، وتعوق شريعة الله أن تقوم .

وبعد ذلك - لا قبله - تسقط التبعة عن الذين آمنوا ، وينال الضالون جزاءهم من الله حين يرجع هؤلاء وهؤلاء إليه :

( إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (105)

ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيهاً لآبائهم ، فيعود ضرراً عليهم يُسبَّون{[27902]} به على زعمهم ، أعلم الله المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول{[27903]} الهدى لا تضرهم أصلاً ، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله : { يا أيها الذين آمنوا } أي عاهدوا ربهم ورسوله{[27904]} على الإيمان { عليكم أنفسكم } أي الزموا هدايتها وإصلاحها ؛ ولما كان كأنه قيل : إنا ننسب{[27905]} بآبائنا ، وننسب إليهم ، فربما ضرتنا{[27906]} نسبتنا إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به{[27907]} حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال :

{[27908]} " لا ، إنك{[27909]} مؤمن وهو كافر " - كما في أوائل السيرة{[27910]} الهشامية{[27911]} عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال : { لا يضركم{[27912]} من ضل{[27913]} } أي{[27914]} من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه ولا بقول الكفار : إنكم سفهتم آباءكم ، ولا بغير ذلك من وجوه الضرر ، وحقق هدايتهم بشارة لهم بأداة التحقيق فقال مفهماً لوجود الضرر عند فقد الهداية{[27915]} : { إذا اهتديتم } أي بالإقبال على ما أنزل الله وعلى الرسول حتى{[27916]} تصيروا علماء وتعملوا{[27917]} بعلمكم فتخالفوا من ضل ، فإن كان موجوداً فبالاجتهاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الطاقة ، فإن لم يستطع رده انتظر به يوم الجمع الأكبر والهول الأعظم ، وإن كان مفقوداً فبمخالفته في ذلك الضلال وإن كان أقرب الأقرباء وأولى الأحباء ، وإلا كان الباقي{[27918]} أسفه من الماضي ، وقد كان لعمري أحدهم لا يتبع أباه{[27919]} إذا كان سفيهاً في أمر دنياه عاجزاً عن تحصيلها ولا يتحاشى عن مخالفته في طريقته بل يعد الكدح في تحصيلها والتعمق في اقتناصها وحسن السعي في تثميرها{[27920]} ولطف الحيلة في توسيعها من معالي الأخلاق وإصالة الرأي وجودة النظر على أن ذلك ظل زائل وعرض تافه ، فكيف لا يخالفه{[27921]} فيما به{[27922]} سعادته الأبدية وحياته الباقية ويأخذ بالحزم في ذلك ويشمر ذيله في أمره ويسهر ليله في إعمال الفكر وترتيب النظر فيما أمره الله بالنظر فيه حتى يظهر له الحق فيتبعه ، وينهتك لديه الباطل فيجتنبه ، ما ذاك{[27923]} إلا لمجرد الهوى ، وقد كان الحزم العمل{[27924]} بالحكمة التي كشفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني{[27925]} " وروى مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير أحرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا - وقال ابن ماجه : ولا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا - فإن " لو " تفتح عمل الشيطان " ، وفي بعض طرق الحديث : " ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل " يعني : والله ! اعمل عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمراً يحتمل{[27926]} أن{[27927]} ينفعك ولا يضرك إلا{[27928]} أخذت به ، ولا تدع أمراً يحتمل أن يضرك ولا ينفعك إلا تجتنبه ، فإنك إن فعلت ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في وسعك أمراً تقول{[27929]} : لو أني فعلته أو{[27930]} تركته ، ولكنك تقول : قدر الله وما شاء{[27931]} فعل ، بخلاف ما إذا لم تنعم{[27932]} النظر وعملت عمل العجزة فإنك حتماً{[27933]} تقول : لو أني فعلت كذا وكذا ، لأن الشيطان يفتح لك تلك الأبواب التي{[27934]} نظر فيها الحازم ، فيكثر لك من " لو " لأنها مفتاح عمله ، وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون{[27935]} في الأمر بالمعروف كما يفعله كثير من البطلة ؛ روى أحمد في المسند عن أبي{[27936]} عامر الأشعري رضي الله عنه

" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في أمر رآه : يا أبا عامر ! ألا{[27937]} غيرت ؟ فتلا هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم{[27938]} لا يضركم من ضل إذا اهتديتم{[27939]} } ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أين ذهبتم ؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم " وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحارث{[27940]} وأحمد بن منيع وأبو يعلى " أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : يا أيها الناس ! إنكم{[27941]} تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها{[27942]} ، وإني{[27943]} سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا منكراً{[27944]} فلم يغيروه يوشك أن يعمهم{[27945]} الله بعقابه{[27946]} . قال البغوي : وفي رواية : لتأمرن بالمعروف ولتنهون{[27947]} عن المنكر أو ليستعملن{[27948]} الله عليكم شراركم فليسومونكم{[27949]} سوء العذاب ، ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لكم " والله الموفق .

ولما حكم الله{[27950]} تعالى - وهو الحكم العدل - أنه لا ضرر عليهم من غيرهم بشرط هداهم ، وكان الكفار يعيرونهم{[27951]} ، قال مؤكداً لما أخبر به ومقرراً{[27952]} لمعناه : { إلى الله } أي{[27953]} الملك الأعظم الذي لا شريك له ، لا إلى غيره { مرجعكم } أي{[27954]} أنتم ومن يعيركم{[27955]} ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق { جميعاً فينبئكم } أي يخبركم إخباراً عظيماً مستوفى مستقصى { بما كنتم تعملون * } أي تعمداً جبلة وطبعاً ، ويجازي كل أحد{[27956]} بما عمل{[27957]} على حسب ما عمل . ولا يؤاخذ أحداً بما عمل غيره ولا بما أخطأ فيه أو تاب منه ، وليس المرجع ولا شيء منه إلى الكفار ولا معبوداتهم ولا غيرهم حتى تخشوا شيئاً من غائلتهم{[27958]} في شيء من الضرر .


[27902]:في ظ: يسنون.
[27903]:في ظ: مقابلة.
[27904]:في ظ: رسولهم.
[27905]:في ظ: نسب.
[27906]:في ظ: ضربتنا.
[27907]:سقط من ظ.
[27908]:في ظ: لأنك.
[27909]:في ظ: لأنك.
[27910]:من ظ، وفي الأصل: السورة.
[27911]:في ظ: الهاشمية.
[27912]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27913]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27914]:زيد من ظ.
[27915]:زيد بعده في ظ: فقال.
[27916]:زيد من ظ.
[27917]:من ظ، وفي الأصل: تعلموا.
[27918]:زيد بعده في ظ: في.
[27919]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[27920]:في ظ: غير- كذا.
[27921]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27922]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27923]:في ظ: دل.
[27924]:في ظ: للعمل.
[27925]:سقط من ظ.
[27926]:من ظ، وفي الأصل: يتحمل.
[27927]:سقط من ظ.
[27928]:في ظ: إذا.
[27929]:في ظ: يقول.
[27930]:في ظ: ان.
[27931]:زيد في ظ: الله.
[27932]:في ظ: تمعن- وهو مرادف لها في الأصل.
[27933]:في ظ: حيثما.
[27934]:في ظ: الذي.
[27935]:في ظ: تهاون.
[27936]:زيد من ظ والتهذيب، واسم أبي عامر عبد الله بن هانىء،وقيل: ابن وهب.
[27937]:في ظ: لا.
[27938]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27939]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27940]:هو ابن أبي أسامة محدث له مسند- راجع تذكرة الحفاظ ومعجم المؤلفين.
[27941]:في ظ: إنما.
[27942]:وفي رواية أحمد: ما وضعها الله، وفي رواية له: موضعها.
[27943]:في ظ: إنما.
[27944]:في ظ: منكر.
[27945]:في ظ: بعذابه.
[27946]:في ظ: بعذابه.
[27947]:من ظ، وفي الأصل: لتنهن.
[27948]:في ظ: لتستعملن.
[27949]:في ظ: فيسومونكم.
[27950]:زيد من ظ.
[27951]:في ظ: يغيرونهم.
[27952]:في ظ: مقرا.
[27953]:سقط من ظ.
[27954]:سقط من ظ.
[27955]:في ظ: يغيركم.
[27956]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27957]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27958]:في ظ: قائلتهم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (105)

قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .

أنفسكم ، منصوب على الإغراء . أي احفظوا أنفسكم . كما تقول : عليك زيداً . يضركم ، رفع على الاستئناف . أو جزم على جواب الأمر ، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل لا يضرركم( {[1095]} ) .

وقيل في سبب نزول هذه الآية : إن المؤمنين كان يحزنهم ويؤزهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم فقيل لهم : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } أي لا يضركم ضلال من ضل ولا فساد من فسد من الناس إذا كنتم أنتم مهتدين للحق . ولا يفهمن أحد أن في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فهذا الفهم خاطئ مبطل : فإن من الحقائق الثابتة المقررة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفروض الدينية التي أوجبها الإسلام . ولا يعذر من وجيبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من كان عاجزاً عن القيام بهذا الواجب الكبير . أو كان يظن أن كلامه غير ذي قيمة ولا تأثير البتة . أو كان يخشى على نفسه أن يحل به ضرر بالغ يسوغ له الترك .

وفي أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي التحريض البالغ على هذا المطلب العظيم ، أخرج الإمام أحمد عن قيس قال : قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } إنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه " .

وأخرج الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني إذ سئل عن هذه الآية فقال : أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم " .

قوله : { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ذلك وعد ووعيد من الله لكلا الفريقين . وخلاصته أن مصير المهتدين والضالين جميعاً إلى الله يوم القيامة . وحينئذ ينئبهم الله بما قدموه في الدنيا من أعمال الهداية والضلال فيجزي الصالحين المهتدين الثواب ويجزي الطالحين الضالين العقاب( {[1096]} ) .


[1095]:- البيان لابن الأنباري ج1 ص307 وتفسير النسفي ج1 ص306.
[1096]:- تفسير ابن كثير ج2 ص109 وفتح القدير ج2 ص84 وروح المعاني ج7 ص45، 46.