ويختم هذا الدرس بالتشجيع على المضي في الجهاد ؛ مع الألم والضنى والكلال . ويلمس القلوب المؤمنة لمسة عميقة موحية ، تمس أعماق هذه القلوب ، وتلقي الضوء القوي على المصائر والغايات والاتجاهات :
( ولا تهنوا في ابتغاء القوم . إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون . وترجون من الله ما لا يرجون . وكان الله عليما حكيمًا ) . .
إنهن كلمات معدودات . يضعن الخطوط الحاسمة ، ويكشفن عن الشقة البعيدة ، بين جبهتي الصراع . .
إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة . ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه . . إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء . . ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء . . إن المؤمنين يتوجهون إلى الله بجهادهم ، ويرتقبون عنده جزاءهم . . فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون ، لا يتجهون لله ، ولا يرتقبون عنده شيئا في الحياة ولا بعد الحياة . .
فإذا أصر الكفار على المعركة ، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارا ، وإذا احتمل الكفار آلامها ، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام . وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال ، وتعقب آثارهم ، حتى لا تبقى لهم قوة ، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله .
وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح . فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة ، ويربو الألم على الاحتمال . ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد . هنالك يأتى المدد من هذا المعين ، ويأتي الزاد من ذلك الكنف الرحيم .
ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة . معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين . لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل .
ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة . . ولكن القاعدة لا تتغير . فالباطل لا يكون بعافية أبدا ، حتى ولو كان غالبا ! إنه يلاقي الآلام من داخله . من تناقضه الداخلي ؛ ومن صراع بعضه مع بعض . ومن صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء .
وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار . وأن تعلم أنها إن كانت تألم ، فإن عدوها كذلك يألم . والألم أنواع . والقرح ألوان . . ( وترجون من الله ما لا يرجون ) وهذا هو العزاء العميق . وهذا هو مفرق الطريق . .
يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب . ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والقرح . .
ولما عرف من ذلك أن آيات الجهاد في هذه السورة معلمة{[22548]} للحذر خوف الضرر ، مرشدة إلى إتقان المكائد للتخلص من الخطر ، وكان ذلك مظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه ، وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد ؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبهاً على الجد في أمره ، وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه ، عاطفاً على نحو : فافعلوا ما أمرتكم به ، أو على { فأقيموا الصلاة } : { ولا تهنوا } أي {[22549]}تضعفوا وتتوانوا{[22550]} بالاشتغال بذكر ولا صلا ، فقد يسرت{[22551]} ذلك لكم تيسيراً لا يعوق عن{[22552]} شيء من{[22553]} أمر الجهاد { في ابتغاء القوم } أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا في غاية القوم والقيام بالأمور ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن تكونوا تألمون } أي يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل{[22554]} وما دونه { فإنهم يألمون كما تألمون } أي{[22555]} لأنهم{[22556]} يحصل{[22557]} لهم من ذلك ما يحصل لكم ، فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم على حقكم .
ولما بين ما يكون مانعاً{[22558]} لهم من الوهن دونهم ، لأنه مشترك بينهم{[22559]} ؛ بيّن ما يحملهم على الإقدام لاختصاصه به فقال : { وترجون } أي أنتم { من الله } أي الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى { ما لا يرجون } أي من النصر والعزم والكرم واللطف ، لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في الشيطان{[22560]} ، وهذا لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك{[22561]} في جهاد الكفار أو لا .
ولما كان العلم مبنى كل خير ، وكانت الحكمة التي هي نهاية العلم وغاية القدرة مجمع{[22562]} الصفات العلى قال تعالى ؛ { وكان الله } أي الآمر لكم بهذه الأوامر وهو المحيط بكل شيء { عليماً } أي بالغ العلم فهو لا يأمر إلا بما يكون بالغ الحسن مصلحاً للدين والدنيا { حكيماً } فهو يتقن لمن يأمره الأحوال ، ويسدده{[22563]} في المقال والفعال ، فمن علم منه خيراً أراده ورقاه في درج{[22564]} السعادة ، ومن علم منه شراً كاده فنكس مبدأه {[22565]}ومعاده{[22566]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.