في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} (110)

83

وفي ظل هذا المشهد الذي يتضاءل فيه علم الإنسان ينطلق الإيقاع الثالث والأخير في السورة ، فيرسم أعلى أفق للبشرية - وهو أفق الرسالة الكاملة الشاملة . فإذا هو قريب محدود بالقياس إلى الأفق الأعلى الذي تتقاصر دونه الأبصار ، وتنحسر دونه الأنظار :

( قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد . فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) . .

إنه أفق الإلوهية الأسمى . . فأين هنا آفاق النبوة ، وهي - على كل حال - آفاق بشريته ?

( قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي . . . ) . . بشر يتلقى من ذلك الأفق الأسمى . بشر يستمد من ذلك المعين الذي لا ينضب . بشر لا يتجاوز الهدى الذي يتلقاه من مولاه . بشر يتعلم فيعلم فيعلم . . فمن كان يتطلع إلى القرب من ذلك الجوار الأسنى ، فلينتفع بما يتعلم من الرسول الذي يتلقى ، وليأخذ بالوسيلة التي لا وسيلة سواها :

( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) . .

هذا هو جواز المرور إلى ذلك اللقاء الأثير .

وهكذا تختم السورة - التي بدأت بذكر الوحي والتوحيد - بتلك الإيقاعات المتدرجة في العمق والشمول ، حتى تصل إلى نهايتها فيكون هذا الإيقاع الشامل العميق ، الذي ترتكز عليه سائر الأنغام في لحن العقيدة الكبير . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} (110)

شرح الكلمات :

{ يرجو لقاء ربه } : يأمل وينتظر البعث والجزاء يوم القيامة حيث يلقى ربه تعالى .

{ ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } : أي لا يرائي بعمله أحداً ولا يشرك في عبادة الله تعالى غيره تعالى .

المعنى :

وقوله تعالى : { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد } . يأمر تعالى رسوله بأن يقول للمشركين الذين يطلبون منه المعجزات كالتي أوتى موسى وعيسى : إنما أنا بشر مثلكم لا أقدر على ما لا تقدرون عليه أنتم ، والفرق بيننا هو أنه يوحى إلي الأمر من ربي وأنتم لا يوحى إليكم يوحى إلي أنما إلهكم أي معبودكم الحق وربكم الصدق هو إله واحد الله ربكم ورب آبائكم الأولين .

وقوله { فمن كان يرجو } أي يأمل وينتظر { لقاء ربه } خوفاً منه وطمعاً فيه { فليعمل عملاً صالحاً } وهو مؤمن موقن ، { ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } فإن الشرك محبط للعمل مبطل له ، وبهذا يكون رجاء صادقاً وانتظاره صالحاً صائباً .

الهداية

من الهداية :

- تقرير بشرية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه ليس روحاً ولا نوراً فحسب كما يقول الغلاة الباطنية .

- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك .

- تقرير أن الرياء شرك لما ورد أن الآية نزلت في بيان حكم المرء ويجاهد يريد وجه الله ويرغب أن يرى مكانة بين الناس ، يصلى ويصوم ويجب أن يثنى عليه بذلك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} (110)

قوله : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم واحد ) لست أنا إلا بشرا مثلكم ولا علم لي بالغيب ، وما أخبركم إلا بما أعلمني به الله . وقد أخبرتكم عن علوم في الأولين الغابرين كأصحاب الكهف وذي القرنين وما في ذلك من دقائق الأخبار وخفاياها العجيبة . ومثل ذلك لا يعلمه إلا الله أو يوحيه الله لعبد من عباده ؛ فقد أوحى إلي بذلك وأنا مبلغكم أن الله واحد لا شريك له ، فلا تعبدوا معه أحدا غيره بل اعبدوه وأطيعوه وأنيبوا إليه .

قوله : ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ذكر عن طاووس في سبب نزول هذه الآية أن رجلا قال : يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يُرى مكاني ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال مجاهد : جاء رجل إلى النبي ( ص ) فقال : إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله سبحانه وتعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به ، فسكت رسول الله ( ص ) ولم يقل شيئا ، فأنزل الله الآية{[2876]} .

ويستدل من ذلك على فظاعة الإشراك في القصد عند فعل الأفعال فأيما فعل قُصد فيه مع الله أحد غيره فمآله الحبوط والإسقاط ، وهو لا يغني صاحبه شيئا . وإنما شرط القبول للأعمال أن تكون خالصة لوجه الله ولا يبتغي بها فاعلون إلا مرضاة ربهم . أما أن يبتغي بها صاحبها إرضاء ربه وكسب السمعة أو الثناء من الناس ؛ فذلك ضرب من ضروب الرياء وهو إشراك في النية أو القصد .

وفي فظاعة الرياء ونكره روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) يرويه عن الله عز وجل أنه قال : " أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيرى فأنا بريء منه وهو للذي أشرك " وروى الإمام أحمد أيضا عن محمد بن لبيد أن رسول الله ( ص ) قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال " الرياء . يقول الله يوم القيامة إذا جزء الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " . {[2877]}


[2876]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 202.
[2877]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 108، 109 وتفسير القرطبي جـ11 ص 69 – 72.