النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} (110)

قوله عز وجل : { . . . فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحاً } فيه ثلاثة أوجه :

أحدها : يعني فمن كان يخاف لقاء ربه ، قاله مقاتل ، وقطرب .

الثاني : من كان يأمل لقاء ربه .

الثالث : من كان يصدّق بلقاء ربه ، قاله الكلبي .

وفي لقاء ربه وجهان :

أحدهما : معناه ثواب ربه ، قاله سعيد بن جبير .

الثاني : من كان يرجو لقاء ربه إقراراً منه بالبعث إليه والوقوف بين يديه .

{ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } فيه ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه الخالص من الرياء ، قاله ذو النون المصري .

الثاني : أن يلقى الله به فلا يستحي منه ، قاله يحيى بن معاذ .

الثالث : أن يجتنب المعاصي ويعمل بالطاعات .

{ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } فيه وجهان :

أحدهما : أن الشرك بعبادته الكفر ، ومعناه لا يُعْبَد معه غيرُه ، قاله الحسن .

الثاني : أنه الرياء ، ومعناه ولا يرائي بعمله أحداً ، قاله سعيد بن جبير ، ومجاهد .

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال{[1848]} : " أَخْوَفُ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ{[1849]} " قيل : أتشرك أمتك بعدك ؟ قال : " لاَ ، أَمَّا أَنَّهُم لاَ يَعْبُدونَ شَمْساً وَلاَ قَمَراً وَلاَ حَجراً وَلاَ وَثَناً وَلكِنّهُم يُرَاءُونَ بِعَمَلِهِم " فقيل : يا رسول الله وذلك شرك ؟ فقال : " نَعَم " . قيل : وما الشهوة الخفية ، قال : " يُصْبِحُ أَحَدُهُم صَائِماً فَتَعْرِضُ لَهُ الشَّهْوَةُ مِن شَهَواتِ الدُّنْيَا فَيُفْطِرَ لَهَا وَيَتْرُكَ صَوْمَهُ " .

وحكى الكلبي ومقاتل : أن هذه الآية نزلت في جندب بن زهير العامري أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : إنا لنعمل العمل نريد به وجه الله فيثنى به علينا فيعجبنا ، وأني لأصلي الصلاة فأطولها رجاء أن يثنى بها عليّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا خَيرُ شَرِيكٍ فَمَنْ أَشَرَكَنِي فِي عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لِي أَحَداً مِن خَلْقِي تَرَكْتُهُ وذلِكَ الشَّرِيكَ " ونزلت فيه هذه الآية : { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } فتلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم{[1850]} ، وقيل إنها آخر آية نزلت من القرآن{[1851]} .


[1848]:هذا الحديث رواه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن شداد بن أوس. ورواه أحمد في المسند 4/124.
[1849]:وفسر شداد بن أوس وعبادة بن الصامت الشهوة الخفية أنها من قبل النساء. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهوة الخفية فقال: هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه.
[1850]:أخرجه الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس.
[1851]:هذه العبارة من ك. وقد جاء في تفسير القرطبي 11/72 ما يلي: قال عمر بن قيس الكندي: سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر "فمن كان يرجو لقاء ربه" فقال: إنها لآخر آية نزلت من السماء. ومثل هذا لا يقال بالرأي، لكن المشهور أن آخر آية هي قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". إلا أن يقال أن هذه آخر آية نزلت بمكة لأن الكهف كلها مكية باتفاق.