وهنا يواجههم ببأس الله الذي قد يأخذهم بعد النجاة ! فما هي مرة وتنتهي ، ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون :
( قل : هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ، أو من تحت أرجلكم ، أو يلبسكم شيعا ، ويذيق بعضكم بأس بعض . انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) . .
وتصور العذاب الغامر من فوق ، أو النابع من تحت ، أشد وقعا في النفس من تصوره آتيا عن يمين أو شمال . فالوهم قد يخيل للإنسان أنه قد يقدر على دفع العذاب من يمين أو شمال ! أما العذاب الذي يصب عليه من فوق ، أو يأخذه من تحت ، فهو عذاب غامر قاهر مزلزل ، لا مقاومة له ولا ثبات معه ! والتعبير الموحي يتضمن هذا المؤثر القوي في حس الإنسان ووهمه ، وهو يقرر حقيقة قدرة الله على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء وكيف شاء .
ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة الله ؛ والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء ؛ لونا آخر بطيئا طويلا ؛ لا ينهي أمرهم كله في لحظة ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار :
( أو يلبسكم شيعا ، ويذيق بعضكم بأس بعض ) . .
وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد ؛ الذي يذوقونه بأيديهم ، ويجرعونه لأنفسهم ؛ إذ يجعلهم شيعا وأحزابا ، متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض ، ولا يفاصل بعضها بعضا ، فهي أبدا في جدال وصراع ، وفي خصومة ونزاع ، وفي بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك . .
ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب ، كلما انحرفت عن منهج الله وتركت لأهواء البشر ونزواتهم وشهواتهم وجهالتهم وضعفهم وقصورهم . . تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالة والضعف والقصور . وكلما تخبط الناس وهم يضعون أنظمة للحياة وأوضاعا وشرائع وقوانين وقيما وموازين من عند أنفسهم ؛ يتعبد بها الناس بعضعهم بعضا ؛ ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وشرائعه وقوانينه البعض الآخر ، والبعض الآخر يأبى ويعارض ، وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض . وتتصارع رغباتهم وشهواتهم وأطماعهم وتصوراتهم . فيذوق بعضهم بأس بعض ، ويحقد بعضهم على بعض ، وينكر بعضهم بعضا ، لأنهم لا يفيئون جميعا إلى ميزان واحد ؛ يضعه لهم المعبود الذي يعنوا له كل العبيد ، حيث لا يجد أحدهم في نفسه استكبارا عن الخضوع له ، ولا يحس في نفسه صغارا حين يخضع له .
إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم ، ثم يزاول هذا الحق فعلا ! إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعا ملتبسة ؛ لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعا واحدا ، ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيدا لبعض ؛ ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها - لأنها غير مقيدة بشريعة من الله - ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص . . ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض ! وهم شيع ؛ ولكنها ليست متميزة ولا منفصله ولا مفاصلة ! والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد !
وهذا يقودنا إلى موقف العصبة المسلمة في الأرض . وضرورة مسارعتها بالتميز من الجاهلية المحيطة بها - والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها ، ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية - وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها ؛ باعتبار نفسها أمة متميزة من قومها الذي يؤثرون البقاء في الجاهلية ، والتقيد بأوضاعها وشرائعها وأحكامها وموازينها وقيمها .
إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب : ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) . . إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديا وشعوريا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها - حتى يأذن الله لها بقيام " دار إسلام " تعتصم بها - وإلا أن تشعر شعورا كاملا بأنها هي " الأمة المسلمة " وأن ما حولها ومن حولها ، ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه ، جاهلية وأهل جاهلية . وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج ؛ وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين .
فإذا لم تفاصل هذه المفاصلة ، ولم تتميز هذا التميز ، حق عليها وعيد الله هذا . وهو أن تظل شيعة من الشيع في المجتمع ، شيعة تتلبس بغيرها من الشيع ، ولا تتبين نفسها ، ولا يتبينها الناس مما حولها . وعندئذ يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد ؛ دون أن يدركها فتح الله الموعود !
إن موقف التميز والمفاصلة قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات . . غير أن هذه التضحيات والمشقات لن تكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزه ، ونتيجة اندغامها وتميعها في قومها والمجتمع الجاهلي من حولها . .
ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله على أيدي جميع رسل الله ، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره ، وتحقيق وعده بغلبة رسله والذين آمنوا معهم . . لم يقع في مرة واحدة ، قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتهالقومها على العقيدة وعلى منهج الحياة - أي الدين - وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها - أي نظام حياتها - وأن هذه كانت هي نقطة الفصل ومفرق الطريق في الدعوات جميعا .
وطريق هذه الدعوة واحد . ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعا ، صلوات الله عليهم وسلامه :
{ عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } قيل : الذي من فوق إمطار الحجارة ، ومن تحت الخسف ، وقيل : من فوقكم : تسليط أكابركم ، ومن تحت أرجلكم : تسليط سفلتكم ، وهذا بعيد .
{ أو يلبسكم شيعا } أي : يخلطكم فرقا مختلفين { ويذيق بعضكم بأس بعض } بالقتال ، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين ؟ وروي أنه لما نزلت { أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعوذ بوجهه " ، فلما نزلت : { من تحت أرجلكم } قال : أعوذ بوجهك ، فلما نزلت : { أو يلبسكم شيعا } ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا أهون ، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة " .
ولما كانوا بإشراكهم{[29917]} كأنهم{[29918]} يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعود ، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً ، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن{[29919]} شدتهم تلك التي{[29920]} أذلتهم لم تزل في الحقيقة ، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء{[29921]} كقدرته عليها في وقتها سواء ، فإنه{[29922]} خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما ، ولكنهم عمي الأبصار{[29923]} أجلاف الطبائع فقال : { قل هو } أي وحده { القادر } ولم يصغه صيغة مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته إنما كانوا يدعون المشاركة{[29924]} التي نفاها{[29925]} بالتخصيص ، على أن التعريف يفيد به المبالغة{[29926]} { على أن يبعث } أي في أيّ{[29927]} وقت يريده{[29928]} { عليكم } أي في كل حالة { عذاباً من فوقكم } بإسقاط السماء قطعاً أو شيء منها كالحجارة التي حصب{[29929]} بها قوم لوط وأصحاب الفيل أو{[29930]} بتسليط أكابركم { أو من تحت أرجلكم } أي بالخسف أو إثارة{[29931]} الحيات أو غيرها{[29932]} من الأرض كما وقع لبعض من سلف ، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم{[29933]} { أو يلبسكم } أي يخلط بينكم حال كونكم { شيعاً } أي متفرقين ، كل شيعة على هوى ، فيكون ذلك سبباً للسيف { ويذيق بعضكم } أي بعض تلك الشيع { بأس بعض } فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره ، ويصير التخطف بالنهب والغارات عاماً ، وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما ، لأن كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه ، فكيف بملك الملوك علام الغيوب ! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد .
وقال : حسن غريب ، وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان
{ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك{[29934]} }[ الفرقان : 10 ] .
ولما كان هذا بياناً عظيماً ، أشار إلى عظمه بقوله : { انظر } وعظمه تعظيماً آخر بالاستفهام فقال { كيف نصرف{[29935]} الآيات } أي أي نكررها{[29936]} موجهة في جميع الوجوه{[29937]} البديعة النافعة البليغة { لعلهم يفقهون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به ،