بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ ، الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة ، ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل ، ليصوغوا حولها الشبهات ؛ ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم لله في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال :
( هو الذي أنزل عليك الكتاب . منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وأخر متشابهات . فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . وما يعلم تأويله إلا الله . والراسخون في العلم يقولون : آمنا به . كل من عند ربنا - وما يذكر إلا أولوا الألباب - ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة . إنك أنت الوهاب . ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه . إن الله لا يخلف الميعاد ) .
وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول [ ص ] ألست تقول عن المسيح : إنه كلمة الله وروحه ؟ يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى - عليه السلام - وأنه ليس من البشر ، إنما هو روح الله - على ما يفهمون هم من هذا التعبير - بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة ، وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور . . فنزلت فيهم هذه الآية ، تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة ، وترك النصوص التجريدية القاطعة .
على أن نص الآية اعم من هذه المناسبة ؛ فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه [ ص ] متضمنا حقائق التصور الإيماني ، ومنهاج الحياة الإسلامية ؛ ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة ، ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها .
فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة ، مدركة المقاصد - وهي أصل هذا الكتاب - وأما السمعيات والغيبيات - ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده - فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر " الحق " ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها ، لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود .
وهنا يختلف الناس - حسب استقامة فطرتهم أو زيغها - في استقبال هذه الآيات وتلك . فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة ، فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة ، ويجرون وراء المتشابه الذي يعول في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره ، والتسليم بأنه هو الذي يعلم " الحق " كله ، بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال . كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله ، وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . . يجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة ، والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر ، نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله . . ( وما يعلم تأويله إلا الله ) . .
وأما الراسخون في العلم ، الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري ، وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له . . أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة :
( آمنا به ، كل من عند ربنا ) . .
يدفعهم إلى هذه الطمأنينة ، أنه من عند ربهم . فهو إذن حق وصدق . وما يقرره الله صادق بذاته . وليس من وظيفة العقل البشري ولا في طوقه أن يبحث عن أسبابه وعلله ، كما أنه ليس في طوقه أن يدرك ماهيته وطبيعة العلل الكامنة وراءه .
والراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله . يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة . . ثم لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك ؛ لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم ، وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه . .
وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم . . فما يتبجح وينكر إلا السطحيون الذين تخدعهم قشور العلم ، فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء ، وأن ما لم يدركوه لا وجود له ؛ أو يفرضون إدراكهم على الحقائق ، فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها . ومن ثم يقابلون كلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم ! صاغتها عقولهم المحدودة ! أما العلماء حقا فهم أكثر تواضعا ، وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة تكبر طاقته وترتفع عليها . كما أنهم أصدق فطرة فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق وتطمئن إليه .
( وما يذكر إلا أولوا الألباب ) . .
وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا . . فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله ، ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب .
{ آيات محكمات }آيات بينات واضحات الدلالة ، لا التباس فيها ولا اشتباه . من الإحكام بمعنى الإتقان . يقال : أحكمه أي أتقنه ، فاستحكم ومنعه من الفساد ، كحكمه حكما . وذلك لإحكام عبارتها عن احتمال التأويل والاشتباه ، ولمنع الخلق من التصرف فيها ، لظهورها ووضوح معانيها ، وإقامتها حجة من الله على عباده ، وعصمة لهم من الزيغ . وإلى هذا المعنى يرجع تفسير بعضهم المحكمات : بما عرف تأويلها وفهم معناها المراد منها ، أو مالا التباس فيها ، ولا تحتمل من التأويل إلا وجها واحدا . ( المسألة الرابعة من المقدمة ص8 ) .
{ هن أم الكتاب }أي أصله الذي يعول عليه في الأحكام ، ويرجع إليه في الحلال والحرام ، ويرد إليه ما تشابه من آياته وأشكل من معانيها . وأم كل شيء : أصله وعماده ، قال الخليل : كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى في لغة العرب أما .
{ وأخر متشابهات }ومنه آيات أخر متشابهات وهي غير المحكمات . والمتشابه : ما استأثر الله بعلمه ، كوقت الساعة والروح والحروف المقطعة في أوائل السور ، وإليه ذهب الحنفية . أو مالا يتضح معناه إلا بالنظر الدقيق وهو يشمل المجمل ونحوه ، وإليه ذهب الشافعية . أو ما دل الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد ، ولم يقم دليل على تعيين المراد منه ، كآيات الصفات مثل : الاستواء واليد والقدم ، والتعجب والضحك والفوقية ، والنزول والرحمة والغضب ، ونحو ذلك . يقال : اشتبه الأمران ، إذا أشتبه كل واحد منهما الآخر حتى التبسا . وأمور مشتبهة ومشبهة – كمعظمة – مشكلة . وشبه عليه الأمر تشبيها : لبس عليه .
{ في قلوبهم زيغ }ميل عن الاستقامة وانحراف عن الحق ، وطرح للقصد السوي . يقال : زاغ يزيغ ، مال . ومنه : زاغت الشمس إذا مالت .
{ ابتغاء الفتنة } الابتغاء : الاجتهاد في الطلب . يقال : بغيت الشيء وابتغيته ، إذا طلبت أكثر ما يجب . والفتنة : ما يدفع إليه الإنسان من شدة . وابتغاء الفتنة : طلب فتنة المؤمنين عن دينهم ، بالتشكيك والتلبيس ، وإثارة الشبه ومناقضة المحكم بالمتشابه . أو فتن أتباعهم الجهال بذلك .
{ وابتغاء تأويله }وطلب تأويل الكتاب وتحريفه ، التأويل الباطل الذي يشتهونه ، والتحريف السقيم الذي يقصدونه ، زاعمين أنه الغاية المرادة منه ، وذلك شأن أهل البدع والأهواء والملاحدة في كل عصر .
و تبعهم في ذلك الذين سموا أنفسهم مبشرين في هذا العصر . والتأويل : يطلق بمعنى التفسير والبيان ، ومنه : ( نبئنا بتأويله ) {[77]} ، وقول المفسرين : تأويل هذه الآية كذا وكذا . وبمعنى حقيقة الشيء وما يئول إليه ، من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ، ورد الشيء إلى الغاية المرادة منه . يقال : آل الأمر إلى كذا يئول أولا ، رجع . وأولته إليه رجعته ، ومنه : ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ){[78]} أي ما ينتظرون إلا حقيقة ومآل ما اخبروا به من أمر المعاد . والمراد هنا المعنى الثاني ، على ما اختاره الراغب . وذهب آخرون إلى اختيار المعنى الأول .
{ والراسخون في العلم } أي الثابتون المتمكنون فيه ، وهم الذين أتقنوا علمهم ، فلم يداخلهم فيه شك
ولم تعرض لهم فيه شبهة . وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ، واستعمل في المعاني ، ومنه : رسخ الإيمان في قلبه ، أي ثبت واستقر .
فإذا فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه فالوقف على لفظ الجلالة ، وما بعده استئناف ، أي والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، ويفوضون علمه إليه سبحانه ، ولا يقتحمون أسواره ، كأهل الزيغ والضلال الذين خلطوا فيه بغير علم ، واتبعوا أهواءهم بغير هدى .
وإذا فسر بما لا يتضح معناه إلا بنظر دقيق ، فالحق الوقف على لفظ " العلم " ، أي أنه لا يعلم تأويله الحق المطابق للواقع إلا الله والراسخون في العلم ، دون أولئك الزائغين . ويجوز الوقف على لفظ الجلالة ، لأنه لا يعلمه بالكنه سواه .
وإذا فسر بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد ، مع عدم قيام الدليل على تعيينه ، جاز الوقف والعطف عند من يجوز الخوض فيه ، وتأويله بما يرجع إلى الجادة في مثله ، وهم جمهور الخلف . ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يمنع الخوض فيه ويمنع تأويله ، وهم جمهور السلف .
ونقل ابن كثير : أنه إذا أريد من التأويل المعنى الأول الذي أسلفناه فالوقف على لفظ( العلم ) ، لأن الراسخين يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به ، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على ما هي عليه . وإذا أريد منه المعنى الثاني فالوقف على لفظ الجلالة ، لأن الحقائق لا يعلمها على الجلية إلا الله عز وجل .
والحكمة في إنزال المتشابه على التفسير الأول : الابتلاء به ، ليخضع العبد لسلطان الربوبية ويقر بالعجز والقصور . وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة ، كما ابتلى سبحانه عباده بسائر التكاليف والعبادات . وعلى التفسير الثاني وكذا الثالث : أن يشتغل أهل النظر والفقه في الدين برد المتشابه إلى المحكم ، فيطول بذلك نظرهم ، ويتصل بالبحث عن معانيه فكرهم ، فيثابون على اجتهادهم كما أثيبوا على عباداتهم . ولو أنزل القرآن كله محكما لاستوى في معرفته العالم والجاهل ، ولم يفضل العالم على غيره ، ولماتت الخواطر وخمدت القرائح ، ومع الغموض والخفاء تقع الحاجة إلى الفكرة ، والحيلة إلى استخراج المعاني .
هذا ، إلى أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة والإعجاز ، وفي ألفاظه وآياته وأسلوبه من المجازات والكنايات ، والتشبيهات ، ما يوجب كد الأذهان وشحذ القرائح ، لاستخراج معانيه واستقصاء مراميه ، وذلك مما لا يقدر عليه إلا من أوتي أوفر حظ من العلم والفقه ، وكانت له قدم راسخة في البحث والفهم .
هذا ، ومن المتشابه آيات الصفات أحاديث الصفات كما قدمنا . ومذهب السلف فيها : أنها صفات ثابتة لله تعالى وراء العقل ، جاء بها السمع ، فيجب الإيمان بها كما وردت ، مع وجوب اعتقاد تنزيهه تعالى عن التجسيم والتشبيه ، لئلا يضاد النقل العقل ، وأن ظاهرها غير مراد قطعا لاستحالته عليه تعالى : فإن ذاته وصفاته مخالفة لذوات المحدثات وصفاتهم . قال الشعراني وغيره : إن مذهب السلف أسلم وأحكم ، وقد درج عليه صدر الأمة وسادتها ، واختاره أئمة الفقه والحديث ، حتى قال الإمام محمد ابن الحسن : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه . اه . أي من غير تأويل على سبيل التفصيل ، ولا تمثيل له بالحوادث ، تعالى الله عن الشبيه والمثال . ( راجع المسألة الرابعة من المقدمة ص8 )