في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (128)

128

لقد مضى في الحلقة السابقة حديث عن الذين يشرح الله صدورهم للإسلام ؛ فتبقى قلوبهم ذاكرة لاتغفل ؛ وأنهم ماضون إلى دار السلام ، منتهون إلى ولاية ربهم وكفالته . . فالآن يعرض الصفحة المقابلة في المشهد - على طريقة القرآن الغالبة في عرض " مشاهد القيامة " - يعرض شياطين الإنس والجن ، الذين قضوا الحياة يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً وخداعاً وإضلالاً ؛ ويقف بعضهم بمساندة بعض عدوا لكل نبي ؛ ويوحي بعضهم إلى بعض ليجادلوا المؤمنين في ما شرعه الله لهم من الحلال والحرام . . يعرضهم في مشهد شاخص حي ، حافل بالحوار والاعتراف والتأنيب والحكم والتعقيب ، فائض بالحياة التي تزخر بها مشاهد القيامة في القرآن .

( ويوم يحشرهم جميعا : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! وقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ! قال : النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - إن ربك حكيمعليم . . وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . . يا معشر الجن والإنس ، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ، وينذرونكم لقاء يومكم هذا ؟ قالوا : شهدنا على أنفسنا ! وغرتهم الحياة الدنيا ، وشهدوا على انفسهم أنهم كانوا كافرين ) . .

إن المشهد يبدأ معروضاً في المستقبل ، يوم يحشرهم جميعا . . ولكنه يستحيل واقعا للسامع يتراءى له مواجهة . وذلك بحذف لفظة واحدة في العبارة . فتقدير الكلام ، ( ويوم يحشرهم جميعا )- فيقول - ( يا معشر الجن والإنس . . . ) ولكن حذف كلمة - يقول - ينتقل بالتعبير المصور نقلة بعيدة ؛ ويحيل السياق من مستقبل ينتظر ، إلى واقع ينظر ! وذلك من خصائص التصوير القرآني العجيب . . .

فلنتابع المشهد الشاخص المعروض :

( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! ) . .

استكثرتم من التابعين لكم من الإنس ، المستمعين لإيحائكم ، المطيعين لوسوستكم ، المتبعين لخطواتكم . . وهو إخبار لا يقصد به الإخبار فالجن يعلمون أنهم قد استكثروا من الإنس ! إنما يقصد به تسجيل الجريمة - جريمة إغواء هذا الحشد الكبير الذي نكاد نلمحه في المشهد المعروض ! - ويقصد به التأنيب على هذه الجريمة التي تتجمع قرائنها الحية في هذا الحشد المحشود ! لذلك لا يجيب الجن على هذا القول بشيء . . ولكن الأغرار الأغمار من الإنس المستخفين بوسوسة الشياطين يجيبون :

( وقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ! ) .

وهو جواب يكشف عن طبيعة الغفلة والخفة في هؤلاء الأتباع ؛ كما يكشف عن مدخل الشيطان إلى نفوسهم في دار الخداع . . لقد كانوا يستمتعون بإغواء الجن لهم وتزيينه ما كان يزين لهم من التصورات والأفكار ، ومن المكابرة والاستهتار ، ومن الإثم ظاهره وباطنه ! فمن منفذ الاستمتاع دخل إليهم الشيطان ! وكانت الشياطين تستمتع بهؤلاء الأغرار الأغفال . . كانت تستهويهم وتعبث بهم ؛ وتسخرهم لتحقيق هدف إبليس في عالم الإنس ! وهؤلاء الأغرار المستخفون يحسبون أنه كان استمتاعا متبادلا ، وأنهم كانوا يمتعون فيه ويتمتعون ! ومن ثم يقولون :

( ربنا استمتع بعضنا ببعض ! ) . .

ودام هذا المتاع طوال فترة الحياة ، حتى حان الأجل ، الذي يعلمون اليوم فقط أن الله هو الذي أمهلهم إليه ؛ وأنهم كانوا في قبضته في أثناء ذلك المتاع :

( وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ) !

عند ذلك يجيء الحكم الفاصل ، بالجزاء العادل :

( قال : النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - )

فالنار مثابة ومأوى . والمثوى للإقامة . وهي إقامة الدوام . . ( إلا ما شاء الله ) لتبقى صورة المشيئة الطليقة هي المسيطرة على التصور الاعتقادي . فطلاقة المشيئة الإلهية قاعدة من قواعد هذا التصور . والمشيئة لا تنحبس ولا تتقيد . ولا في مقرراتها هي .

( إن ربك حكيم عليم ) .

يمضي قدره بالناس عن حكمة وعن علم ؛ ينفرد بهما الحكيم العليم . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (128)

المعشر : النفر والقوم .

الرهط : الجمع من الرجال .

استكثر الشيءَ : أخذ منه الكثير .

أولياؤهم : الذين تولوهم أي أطاعوهم في وسوستهم .

الاستمتاع بالشيء : الانتفاع به طويلا .

بلغنا أجلنا : وصلنا يوم البعث والجزاء .

المثوى : مكان الإقامة .

الخلود : المكث الطويل غير المحدود .

في الآيات السابقة بين الله حال الذين سلكوا صراطه المستقيم ، وأن الله شرح صدورهم ، وجزاؤهم الجنّة ، فهم في كفالة ربهم ناعمون . وهنا يعرض سبحانه وتعالى حالَ الذين سلكوا طريق الشيطان . وهو يعرض يوم الحشر في القيامة وما فيه من هول ، في مشهد حيّ حافل بالحوار ، فيقول :

{ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً . . . } .

يوم يحشر الله تعالى الخلق جميعا من إنس وجنّ ، ويقول جل جلالُه : يا معشر الجن ، قد أكثرتُم من إغراء الإنس حتى تَبعكم منهم عدد كثير . فيقول الذين اتّبعوهم من الإنس { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } . ربنا ، لقد انتفع بعضُنا ببعض ، واستمتعنا بالشهوات ، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذّة والانغماس في الشهوات ، { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا } . ثم إننا قد وصلنا إلى الأجل الذي حدّدته لنا ، وهو يوم البعث والجزاء ، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكُم فينا بما تشاء .

وما هذا الاعتراف إلا من نوع الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا .

فيقول جل جلاله :

إن النار منزلكم ومقركم خالدين فيها إلا ما شاء الله أن ينقذهم ، فكل شيء بمشيئته واختياره ، فله السلطان الكامل ، { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ } وهو حكيم فيما يفعل ويختار ، عليم بما يستحقه كل من الفريقين .

وفي قوله تعالى { إِلاَّ مَا شَاءَ الله } فسحةٌ كبيرة وبشرى عظيمة بسعةِ حلمه ورحمته ، إنه غفور رحيم .

قراءات :

قرأ حفص عن عاصم ، وروح عن يعقوب : «يحشرهم » بالياء ، كما هو في مصحفنا . وقرأ الباقون «نحشرهم » بالنون .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (128)

{ ويوم نحشرهم } العامل في { يوم } محذوف تقديره : اذكر ، وتقديره : قلنا ، ويكون على هذا عاملا في { يوم } وفي { يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي : أضللتم منهم كثيرا ، وجعلتموهم أتباعكم كما تقول : استكثر الأمير من الجيش .

{ استمتع بعضنا ببعض } استمتاع الجن بالإنس : طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } [ الجن : 6 ] ، فإن الرجل كان إذا نزل واديا قال : أعوذ بصاحب هذا الوادي يعني كبير الجن .

{ وبلغنا أجلنا } هو الموت وقيل : الحشر } إلا ما شاء الله قيل : الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من ، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا من آمن منهم ، وقيل : الاستثناء من مدة الخلود وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار ، وقيل : الاستثناء من النار ، وهو دخولهم الزمهرير ، وقيل : ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج ، وإنما هو على وجه الأدب مع الله ، وإسناد الأمور إليه .