في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

41

( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، من الذين قالوا : آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ومن الذين هادوا . . سماعون للكذب ، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ، يحرفون الكلم من بعد مواضعه ، يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا . ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً . أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم . لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخره عذاب عظيم . سماعون للكذب ، أكالون للسحت . فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً . وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط . إن الله يحب المقسطين . وكيف يحكمونك - وعندهم التوراه فيها حكم الله - ثم يتولون من بعد ذلك ؟ وما أولئك بالمؤمنين ) . .

هذه الآيات تشي بأنها مما نزل في السنوات الأولى للهجرة ؛ حيث كان اليهود ما يزالون بالمدينه - أي قبل غزوة الأحزاب على الأقل وقبل التنكيل ببني قريظه إن لم يكن قبل ذلك ، أيام أن كان هناك بنو النضير وبنو قينقاع ، وأولاهما أجليت بعد أحد والثانيه أجليت قبلها - ففي هذه الفترة كان اليهود يقومون بمناوراتهم هذه ؛ وكان المنافقون يأرزون إليهم كما تأرز الحيه إلى الجحر ! وكان هؤلاء وهؤلاء يسارعون في الكفر ؛ ولو قال المنافقون بأفواههم : آمنا . . وكان فعلهم هذا يحزن الرسول [ ص ] ويؤذيه . .

والله - سبحانه - يعزي رسوله [ ص ] ويواسيه ؛ ويهون عليه فعال القوم ، ويكشف للجماعه المسلمه حقيقة المسارعين في الكفر من هؤلاء وهؤلاء ؛ ويوجه الرسول [ ص ] إلى المنهج الذي يسلكه معهم حين يأتون إليه متحاكمين ؛ بعد ما يكشف له عما تآمروا عليه قبل أن يأتوا إليه وما بيتوه : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، من الذين قالوا : آمنا ، بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ومن الذين هادوا . . سماعون للكذب ، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك . يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا . . . )

روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم - تختلف الروايات في تحديدها - منها الزنا ومنها السرقه . . وهي من جرائم الحدود في التوراة ؛ ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها ؛ لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر . ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع ، وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير [ كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان ! ] . . فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول [ ص ] تآمروا على أن يستفتوه فيها . . فإذا أفتى لهم بالعقوبات التعزيريه المخففه عملوا بها ، وكانت هذه حجه لهم عند الله . . فقد أفتاهم بها رسول ! . . وإن حكم فيها بمثل ما عندهم في التوراة لم يأخذوا بحكمه . . فدسوا بعضهم يستفتيه . . ومن هنا حكاية قولهم :

( إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا ) . .

وهكذا بلغ منهم العبث ، وبلغ منهم الاستهتار ، وبلغ منهم الالتواء أيضاً في التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله [ ص ] هذا المبلغ . . وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد ، فتقسو قلوبهم ؛ وتبرد فيها حرارة العقيده ، وتنطفى ء شعلتها ؛ ويصبح التفصي من هذه العقيده وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل ؛ ويبحث له عن " الفتاوي " لعلها تجد مخرجاً وحيله ؛ أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون : إنهم مسلمون : ( من الذين قالوا : آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) !

أليسوا يتلمسون الفتوى للاحتيال على الدين لا لتنفيذ الدين ؟ أليسوا يتمسحون بالدين احياناً لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقه عليها ! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه . . ( يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه ؛ وإن لم تؤتوه فاحذروا ) إنه الحال نفسه . ولعله لهذا كان الله - سبحانه _يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل ، لتحذر منها أجيال " المسلمين " وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق .

والله سبحانه - يقول لرسوله في شأن هؤلاء المسارعين بالكفر ، وفي شأن هؤلاء المتآمرين المبيتين لهذه الألاعيب : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . فهم يسلكون سبيل الفتنه ، وهم واقعون فيها ، وليس لك من الأمر شيء ، وما أنت بمستطيع أن تدفع عنهم الفتنه وقد سلكوا طريقها ولجوا فيها : ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً )

وهؤلاء دنست قلوبهم ، فلم يرد الله أن يطهرها ، وأصحابها يلجون في الدنس : ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) . .

وسيجزيهم بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخره : ( لهم في الدنيا خزي ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) . .

فلا عليك منهم ، ولا يحزنك كفرهم ، ولا تحفل بأمرهم . فهو أمر مقضي فيه . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

الحزن : ألمٌ يجده الإنسان عند فَوت ما يحب .

سارعَ في كذا : أسرع فيه وهو داخل فيه ، وهنا الكفّار داخلين في الكفر . الفتنة : الاختبار ، كما يُفتن الذهب بالنار .

يا أيها الرسول : خطاب للنبي ، وقد ورد الخطاب في جميع القرآن الكريم بعبارة «يا أيّها النبي » إلا هنا في هذه الآية ، والآية 67 من هذه السورة { يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } . هذا الخطاب للتشريف والتعظيم ، وتعليمٌ للمؤمنين أن يخاطبوه بهذا الوصف العظيم .

أيها الرسول ، لا تهتم بهؤلاء المنافقين الذين يتنقلون في مراتب الكفر من أدناها إلى أَعلاها ، ويسارعون في التحيز إلى أعداء المؤمنين عندما يرون الفرصة سانحة ، فالله يكفيك شرّهم ، وينصرك عليهم وعلى من ناصرهم .

{ مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ . . . } . . أي الذين ادَّعوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم .

{ وَمِنَ الذين هِادُواْ . . } . ومن اليهود الذي يُكثرون الاستماعَ إلى ما يقوله رؤساؤهم وأحبارهم في النبي صلى الله عليه وسلم والاستجابة لطائفة منهم ، لم يحضروا مجلسَك تكبُّراً وبغضاً . فهم جواسيس بين المسلمين يبلّغون رؤساءَهم أعداءَ الإسلام كل ما يقفون عليه من أخبار ، ويحرّفون ما يحرفون ، ثم ينقلون تلك الأكاذيب إلى الأحبار المتخلّفين عن الحضور .

{ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ . . } . أي يحرّفون كلام التوراة بعد أن ثبّته الله في مواضعه المعّينة إما تحريفاً لفظياً بإبدال كلماته ، أو بإخفائه وكتمانه تسهيلاً لزيادةٍ فيه أو النقص منه ، وإما تحريفاً معنوياً بالالتواء في التفسير .

روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه قال : «أن اليهود أتوا النبي صلى لله عليه وسلم برجلٍ منهم وامرأةٍ قد زنيا فقال : ما تجدون في كتابكم ؟ قالوا : نُسَخِّم وجوههما ويخزيان ، قال : كذبتم إن فيها الرجم ، فأْتُوا بالتّوراة فاتلوها إن كنتُم صادقين . فجاؤوا بالتوراة مع قارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا . فقرأ ، حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه ، فقيل له : ارفع يدك . فرفع يده ، فإذا هي تلوح يعني «آية الرجم » ، فقالوا : يا محمد ، إن فيها الرجم ، ولكنّا كنّا نتكاتمه بيننا . فأمر بهما رسول الله فرُجما » .

ومن قبيل ذلك ما قاله مارتن لوثر في كتابه : اليهود وأكاذيبهم . «هؤلاء هم الكاذبون الحقيقيون مصّاصو الدماء ، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس وإفساده ، من الدفة إلى الدفة ، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم . . . الخ » وهي كلمة طويلة .

{ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ . . . } يقول أولئك الرؤساء لأتباعهم الذين أرسلوهم ليسألوا النبيّ عن حكم الرجل والمرأة الزانين إن أعطاكم محمد رخصة بالجَلد عوضاً عن الرجّم فخُذوها ، وارضوا بها ، وإن حكَمَ بالرَّجم فارفضوا ذلك .

{ وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ . . . } ومن يُرد الله اختباره في دينه فيُظهر الاختبارُ ضلالَه وكفره ، فلن تملِك له يا محمد شيئاً من الهداية . هؤلاء المنافقون والجاحدون من اليهود . . قد أظهرت فتنةُ الله لهم مقدارَ فسادهم ، فهم يقبلون الكذب ويحرفون كلام الله ، اتباعاً لأهوائهم ومرضاة رؤسائهم . لا تحزن البتةَ على مسارعتهم في الكفر ، ولا تطمع في جذبهم إلى الإيمان ، ولا تخفْ عاقبة نفاقهم فإنما العاقبة للمتقين .

{ أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله . . . } إنّ الذين بلغت منهم الفتنة ذلك المبلغ هم الذين لم يرد الله تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق ، فلن تستطيع أن تهديهم ، لهم في الدنيا خِزي وذلّ ولهم في الآخرة عذاب شديد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (41)

فيه ثمان مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " يا أيها الرسول لا يحزنك " الآية في سبب نزولها ثلاثة أقوال : قيل نزلت في بني قريظة والنضير ، قتل قرظي نضيريا وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يقيدوهم ، وإنما يعطونهم الدية على ما يأتي بيانه ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم بالتسوية بين القرظي والنضيري ، فساءهم ذلك ولم يقبلوا . وقيل : إنها نزلت في شأن أبي لبابة حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فخانه حين أشار إليهم أنه الذبح{[5587]} . وقيل : إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم ، وهذا أصح الأقوال . رواه الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود . قال أبو داود عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ( ائتوني بأعلم رجلين منكم ) فجاؤوا بابني صوريا فنشدهما الله تعالى ( كيف تجدان أمر هذين في التوراة ) ؟ قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما . قال : ( فما يمنعكم أن ترجموهما ) ، قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود{[5588]} ، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما . وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبدالله قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه ، فسألوه فدعا بابن صوريا وكان عالمهم وكان أعور ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم ) ، فقال ابن صوريا : فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية ، والاعتناق زنية ، والقبلة زنية ، فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هو ذاك ) . وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما{[5589]} مجلودا ، فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ) قالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم فقال : ( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ ) قال : لا - ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك - نجده الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، قلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) فأمر به فرجم ، فأنزل الله تعالى : " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " إلى قوله : " إن أوتيتم هذا فخذوه " يقول : ائتوا محمدا ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، فأنزل الله عز وجل : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " [ المائدة 44 ] ، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " [ المائدة : 45 ] ، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " [ المائدة : 47 ] في الكفار كلها . هكذا في هذه الرواية ( مر على النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وفي حديث ابن عمر : أتي بيهودي ويهودية فد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود ، قل : ( ما تجدون في التوراة على من زنى ) الحديث . وفي رواية : أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجل وامرأة قد زنيا . وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر قال : أتى نفر من اليهود ، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف{[5590]} فأتاهم في بيت المدراس{[5591]} فقالوا : يا أبا القاسم ، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا . ولا تعارض في شيء من هذا كله ، وهي كلها قصة واحدة ، وقد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال : زنى رجل من اليهود وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي ، فإنه نبي بعث بالتخفيفات ، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله ، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك . قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه . فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدراسهم ، فقام على الباب ، فقال : ( أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ) ، فقالوا : يحمم وجهه ويجبَّه ويجلد ، والتجبيه : أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف به . قال : وسكت شاب منهم ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ{[5592]} به النشدة . فقال : اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم . وساق الحديث إلى أن قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإني أحكم بما في التوراة ) فأمر بهما فرجما .

الثانية : والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله عليه وسلم ، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة . واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا ، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها ، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان . فهذه مسائل أربع . فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام ، فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم ، ومنعهم منه بلا خلاف . وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي ، غير أن مالكا رأى الإعراض عنهم{[5593]} أولى ، فإن حكم حكم بينهم{[5594]} بحكم الإسلام . وقال الشافعي : لا يحكم بينهم في الحدود . وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال ، وهو قول الزهري وعمر بن عبدالعزيز والحكم ، وروي عن ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي ؛ لقوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [ المائدة : 49 ] على ما يأتي بيانه بعد{[5595]} ، احتج مالك بقوله تعالى : " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " [ المائدة : 42 ] وهي نص في التخيير . قال ابن القاسم : إذا جاء الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير ؛ لأن إنفاذ الحكم حق للأساقفة والمخالف يقول : لا يلتفت إلى الأساقفة . قال ابن العربي : وهو الأصح ؛ لأن مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ ، ولم يعتبر رضا الحاكم . فالكتابيون بذلك أولى . وقال عيسى عن ابن القاسم : لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب . قال ابن العربي : وهذا الذي قال عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره : أن الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك ، وكانوا حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . واسم المرأة الزانية بسرة ، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم اسألوا محمدا عن هذا ، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه منه{[5596]} واقبلوه ، وإن أفتاكم به فاحذروه{[5597]} ؛ الحديث . قال ابن العربي : وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا ، وإن لم يكن عهد وذمة ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم ، فلا حجة لرواية عيسى في هذا ، وعنهم أخبر الله تعالى بقوله : " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع ، فكل من حكم رجلا في الدين وهي :

الثالثة : فأصله هذه الآية . قال مالك : إذا حكم رجلا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه ، إلا أن يكونوا جورا بينا . وقال سحنون : يمضيه إن رآه صوابا{[5598]} . قال ابن العربي : وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب ، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان ، والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه ، وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية ، ومؤد إلى تهارج الناس كتهارج{[5599]} الحمر ، فلا بد من فاصل ، فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج ، وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل الفائدة . وقال الشافعي وغيره : التحكيم جائز وإنما هو فتوى . وقال بعض العلماء : إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم ، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به ؛ ألا ترى أنه قال : ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) وأن ذلك كان حين قدم المدينة ، ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك . وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع ، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به . وقد يحتمل أن يكون حصول طريق العلم بذلك الوحي ، أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجردا ، فبين له النبي{[5600]} صلى الله عليه وسلم ، وأخبر بمشروعية الرجم ، ومبدؤه ذلك الوقت ، فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة ، وبين أن ذلك حكم شريعته ، وأن التوراة حكم الله سبحانه ؛ لقوله تعالى : " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا " {[5601]} [ المائدة : 44 ] وهو من الأنبياء . وقد قال عنه أبو هريرة : ( فإني أحكم بما في التوراة ) والله أعلم .

الرابعة : والجمهور على رد شهادة الذمي ؛ لأنه ليس من أهلها فلا تقبل على مسلم ولا على كافر ، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين وغيرهم إذ لم يوجد مسلم على ما يأتي بيانه آخر السورة فإن قيل : فقد حكم بشهادتهم ورجم{[5602]} الزانيين ؟ فالجواب أنه إنما نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به ، على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاما للحجة عليهم ، وإظهارا لتحريفهم وتغييرهم ، فكان منفذا لا حاكما{[5603]} . وهذا على التأويل الأول ، وعلى ما ذكر من الاحتمال فيكون ذلك خاصا بتلك الواقعة ، إذ لم يسمع في الصدر الأول من قبل شهادتهم في مثل ذلك . والله أعلم .

الخامسة : قوله تعالى : " لا يحزنك " قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي ، والباقون بفتح الياء وضم الزاي . والحزن والحزن خلاف السرور ، وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين ، وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ، ومحزون بني عليه . قال اليزيدي : حزنه لغة قريش ، وأحزنه لغة تميم ، وقد قرئ بهما . واحتزن وأحزن بمعنى . والمعنى في الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم : أي لا يحزنك مسارعتهم إلى الكفر ، فإن الله قد وعدك النصر عليهم .

السادسة : قوله تعالى : " من الذين قالوا آمنا بأفواههم " وهم المنافقون " ولم تؤمن قلوبهم " أي لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نطقت به ألسنتهم " ومن الذين هادوا " يعني يهود المدينة ويكون هذا تمام الكلام ، ثم ابتدأ فقال " سماعون للكذب " أي هم سماعون ، ومثله " طوافون عليكم " {[5604]} [ النور : 58 ] . وقيل الابتداء من قوله : " ومن الذين هادوا " ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب ، أي قابلون لكذب رؤسائه من تحريف التوراة . وقيل : أي يسمعون كلامك يا محمد ليكذبوا عليك ، فكان فيهم من يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكذب عليه عند عامتهم ، ويقبح صورته في أعينهم ، وهو معنى قوله : " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " وكان في المنافقين من يفعل هذا . قال الفراء ويجوز سماعين وطوافين ، كما قال : " ملعونين أينما ثقفوا{[5605]} " وكما قال : " إن المتقين في جنات ونعيم " . [ الطور : 17 ] ثم قال : " فاكهين " " آخذين{[5606]} " . وقال سفيان بن عيينة : إن الله سبحانه ذكر الجاسوس في القرآن بقوله : " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولم يعرض النبي صلى الله علبه وسلم لهم مع علمه بهم ؛ لأنه لم يكن حينئذ تقررت الأحكام ولا تمكن الإسلام . وسيأتي حكم الجاسوس في " الممتحنة " {[5607]} إن شاء الله تعالى .

السابعة : قوله تعالى : " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " أي يتأولونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عز وجل ، وبين أحكامه ، فقالوا : شرعه ترك الرجم ، وجعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله عز وجل . و " يحرفون " في موضع الصفة لقوله " سماعون " وليس بحال من الضمير الذي في " يأتوك " لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا ، والتحريف إنما هو ممن يشهد ويسمع فيحرف . والمحرفون من اليهود بعضهم لا كلهم ، ولذلك كان حمل المعنى على " من الذين هادوا " فريق سماعون أشبه " " يقولون " في موضع الحال من المضمر في " يحرفون " " إن أوتيتم هذا فخذوه " أي إن أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلى فأقبلوا وإلا فلا .

الثامنة : قوله تعالى : " ومن يرد الله فتنته " أي ضلالته في الدنيا وعقوبته في الآخرة " فلن تملك له من الله شيئا " أي فلن تنفعه " أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " بيان منه عز وجل أنه قضى عليهم بالكفر . ودلت الآية على أن الضلال بمشيئة الله تعالى ردا على من قال خلاف ذلك على ما تقدم ؛ أي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثوابا لهم " لهم في الدنيا خزي " قيل : هو فضيحتهم حين أنكروا الرجم ، ثم أحضرت التوراة فوجد فيها الرجم وقيل : خزيهم في الدنيا أخذ الجزية والذل . والله أعلم .


[5587]:كان ذلك يوم حصارهم، فسألوه ما الأمر؟ وعلام ننزل من الحكم؟ فأشار إلى حلقه بمعنى أنه الذبح.
[5588]:في ج و ع و ك: باليهود.
[5589]:حممه حميا: طلى وجهه بالفحم.
[5590]:القف: علم لواد من أودية المدينة عليه مال لأهلها.
[5591]:المدراس هو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان. (اللسان). ومدراس أيضا صاحب دراسة كتبهم.
[5592]:ألظ به النشدة: ألح في سؤاله وألزمه إياها.
[5593]:من ج و هـ و ع.
[5594]:من ع و ك.
[5595]:من ك و ع.
[5596]:من ج و ك و هـ و ع.
[5597]:من ك و ع.
[5598]:من ع و ك.
[5599]:من ع.
[5600]:من ك،ع.
[5601]:راجع ص 88 ص 349 من هذا الجزء.
[5602]:في ع: في رجم.
[5603]:في ك و ع: منفذا لأحكامها.
[5604]:راجع ج 12 ص 306.
[5605]:راجع ج 14 ص 245.
[5606]:راجع ج 17 ص 64 و ص 35.
[5607]:راجع ج 18 ص 53.