ولأن المحاولة ضخمة . . وهي تعني التغيير الأساسي الكامل الشامل للجاهلية : تصوراتها وأفكارها ، وقيمها وأخلاقها ، وعاداتها وتقاليدها ، ونظمها ، وأوضاعها ، واجتماعها واقتصادها ، وروابطها بالله ، وبالكون ، وبالناس . .
لأن المحاولة ضخمة على هذا النحو ؛ يمضي السياق فيهز الضمائر هزاً عنيفاً ؛ ويوقظ الأعصاب إيقاظاً شديداً ؛ ويرج الجبلات السادرة في الجاهلية ، المستغرقة في تصوراتها وأوضاعها رجاً ويدفعها دفعاً . . وذلك بأن يعرض عليها مصارع الغابرين من المكذبين في الدنيا ، ومصائرهم كذلك في الآخرة :
( كم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون . فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا : إنا كنا ظالمين . . فلنسألن الذين أرسل إليهم ، ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم ، وما كنا غائبين . والوزن يومئذ الحق ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) . .
إن مصارع الغابرين خير مذكر ، وخير منذر . . والقرآن يستصحب هذه الحقائق ، فيجعلها مؤثرات موحية ، ومطارق موقظة ، للقلوب البشرية الغافلة .
إنها كثيرة تلك القرى التي أهلكت بسبب تكذيبها . أهلكت وهي غارة غافلة . في الليل وفي ساعة القيلولة ، حيث يسترخي الناس للنوم ، ويستسلمون للأمن :
( وكم من قرية أهلكناها ، فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ) .
وكلتاهما . . البيات والقيلولة . . ساعة غرّة واسترخاء وأمان ! والأخذ فيهما أشد ترويعاً وأعنف وقعا . وأدعى كذلك إلى التذكر والحذر والتوقي والاحتياط !
القرية : هنا تعني المكان والسكّان .
بياتا : ليلا على حين غرة . أو هم قائلون : وسط النهار وقت القيلولة . بعد أن بين الله تعالى أنه أنزل الكتاب إلى الرسول الكريم لينذر به الناسَ ويكونَ موعظةً وذِكرى لأهل الإيمان ، وأنه طلب إليه أن يأمر الناس باتباع ما أُنزل إليهم من ربهم ، وأن لا يتبعوا من دونه أحداً ، أردف هنا بالتخويف من عاقبة المخالفة لذلك ، وبالتذكير بما حلّ بأمم قبلَهم بسبب إعراضهم عن الحق ، وإصرارهم على الباطل .
{ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } .
لقد أهلكنا كثيراً من القرى بسبب عبادة أهلها غيرَ الله ، وسلوكهم غير طريقه . وقد جاءهم عذابنا في وقت غفلتهم ليلاً وهم نائمون ، كما حدث لقوم لوط ، أو نهاراً وهم مستريحون وقت القيلولة كقوم شعيب .
الأولى - قوله تعالى : " وكم من قرية أهلكناها " " كم " للتكثير ، كما أن " رب " للتقليل . وهي في موضع رفع بالابتداء ، و " أهلكنا " الخبر . أي وكثير من القرى - وهي مواضع اجتماع الناس - أهلكناها . ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها ، ولا يقدر قبلها ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله . ويقوي الأول قوله : " وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح{[6996]} " ولو لا اشتغال " أهلكنا " بالضمير لانتصب به موضع " كم " . ويجوز أن يكون " أهلكنا " صفة للقرية ، و " كم " في المعنى هي القرية ، فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم . يدل على ذلك قوله تعالى : " وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا{[6997]} " [ النجم : 26 ] فعاد الضمير على " كم " . على المعنى ؛ إذ كانت الملائكة في المعنى . فلا يصح على هذا التقدير أن يكون " كم " في موضع نصب بإضمار فعل بعدها . " فجاءها بأسنا " فيه إشكال للعطف بالفاء . فقال الفراء : الفاء بمعنى الواو ، فلا يلزم الترتيب . وقيل : أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا ، كقوله : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم{[6998]} " [ النحل : 98 ] . وقيل : إن الهلاك . واقع ببعض القوم ، فيكون التقدير : وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع . وقيل : المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا . وقيل : أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها ، فجاءها بأسنا وهو الاستئصال . والبأس : العذاب الآتي على النفس . وقيل : المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا ، فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك . وقيل : البأس غير الإهلاك ، كما ذكرنا . وحكى الفراء أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت ، فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها ، مثل دنا فقرب ، وقرب فدنا ، وشتمني فأساء ، وأساء فشتمني ؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد . وكذلك قوله : " اقتربت الساعة وانشق القمر{[6999]} " [ القمر : 1 ] . المعنى - والله أعلم - انشق القمر فاقتربت الساعة . والمعنى واحد . " بياتا " أي ليلا ، ومنه البيت ، لأنه يبات فيه . يقال : بات يبيت بيتا وبياتا . " أو هم قائلون " أي أو وهم قائلون ، فاستثقلوا فحذفوا الواو . قاله الفراء . وقال الزجاج : هذا خطأ ، إذا عاد الذكر استغني عن الواو ، تقول : جاءني زيد راكبا أو هو ماش ، ولا يحتاج إلى الواو . قال المهدوي : ولم يقل بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا يرجع إلى الأول فاستغني عن الواو . وهو معنى قول الزجاج سواء ، وليس أو للشك بل للتفصيل ، كقولك : لأكرمنك منصفا لي أو ظالما . وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت . و " قائلون " من القائلة وهي القيلولة ، وهي نوم نصف النهار . وقيل : الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم . والمعنى جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا وإما نهارا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.