لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة الله بعباده أن تبرزها لأعينهم . ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقاً طبيعياً لهم ! وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم .
( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) . .
وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله ، فإنها لا ترى يده - سبحانه - في تصريف هذا الوجود ؛ ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث . وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة . فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة . لا صلة بينها ولا قاعدة ولا ترابط ؛ وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة ؛ لا تلتقي عند قاعدة ، ولا تجتمع وفق نظام - وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية " العلمية ! " عن معاكسة " الطبيعة ! " لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات ! وكما يقول الذين يمضون مع هذه " العلمية " المدعاة في تعليل مثل هذه الأحداث . . وهم ينكرون قدر الله . . وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب الله وقدر الله أنه " مسلم " وهو ينكر أصول الإيمان بالله !
وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث . الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها . والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم ، ومن تحت رأسهم !
وأصل " التطير " في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن الله وقدره يزاولونه . . فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا ، جاء إلى عش طائر فهيجه عنه ، فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده . وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه ! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي ؛ وأحل محله التفكير " العلمي " - العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن الله الثابتة في الوجود ؛ وإلى قدر الله الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها ؛ وأقام الأمور على أسس " علمية " يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده ؛ وتوضع في موضعها الصحيح ، في إطار المشيئة الإلهية الطليقة ، وقدره النافذ المحيط :
( ألا إنما طائرهم عند الله ؛ ولكن أكثرهم لا يعلمون ) . .
إن ما يقع لهم مصدره كله واحد . . إنه من أمر الله . . ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء . . وتصيبهم السيئة للابتلاء : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) . . ويصيبهم النكال للجزاء . . ولكن أكثرهم لا يعلمون . . كالذين ينكرون غيب الله وقدره في هذه الأيام باسم " العقلية العلمية " ! وكالذين ينسبون إلى الطبيعة المعاكسة باسم " الاشتراكية العلمية " كذلك ! ! ! وكلهم جهال . . وكلهم لا يعلمون !
بالحسنة ، المراد هنا : الخصب والرخاء ، وبالسيئة : ما يسوؤهم من جدب أو مصيبة .
يطيّروا : يتشاءَموا ، لأن العرب كانت تتوقع الخير والشر من حركة الطير ، فإذا طار من جهة اليمين تيّمنت به ورجتْ الخير والبركة ، وإذا طار من الشِمال تشاءمت وتوقعت الشر ، وسموا الشؤم طيرا وطائرا والتشاؤم تطيراً .
كانوا إذا جاءهم الخِصب والرخاء قالوا : نحن المستحقون له لما لنا من الامتياز على الناس . وإن أصابهم ما يسوؤهم ، كجدب أو مصيبة في الأبدان والأرزاق ، قالوا : إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه . لقد غفلوا عن ظلمهم لقومِ موسى كما غفلوا عن فجورهم فيما بينهم . ألا فلْيعلموا أن ما نزل بهم كان من عند الله ، وبسبب أعمالهم القبيحة ، لا نحساً رافقهم لسوء طالع موسى ومن معه . ولكن أكثرهم لا يعلمون حكمة الله في تصرفه مع خلقه .
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي : الخصب وإدرار الرزق قَالُوا لَنَا هَذِهِ أي : نحن مستحقون لها ، فلم يشكروا اللّه عليها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي : قحط وجدب يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أي : يقولوا : إنما جاءنا بسبب مجيء موسى ، واتباع بني إسرائيل له .
قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي : بقضائه وقدرته ، ليس كما قالوا ، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك ، بل أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي : فلذلك قالوا ما قالوا .
قوله تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة } ، يعني : الخصب والسعة والعافية .
قوله تعالى : { قالوا لنا هذه } ، أي نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي جرت لنا في سعة أرزاقنا ، ولم يروها تفضلاً من الله عز وجل فيشكروه عليها .
قوله تعالى : { وإن تصبهم سيئة } ، جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون .
قوله تعالى : { يطيروا } يتشاءموا .
قوله تعالى : { بموسى ومن معه } ، وقالوا : ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم ، فهذا من شؤم موسى وقومه ، وقال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر : كان ملك فرعون أربعمائة سنة ، وعاش ستمائة وعشرون سنة لا يرى مكروهاً ، ولو كان له في تلك المدة جوع ، أو حمى ليلة ، أو وجع ساعة ، لما ادعى الربوبية قط .
قوله تعالى : { ألا إنما طائرهم عند الله } ، أي : نصيبهم من الخصب ، والجدب ، والخير والشر ، كله من الله . وقال ابن عباس : طائرهم ما قضى الله عليهم ، وقدر لهم . وفي رواية عنه : شؤمهم عند الله ، ومن قبل الله ، أي : إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله ، وقيل معناه : الشؤم العظيم الذي لهم عند الله من عذاب النار .
قوله تعالى : { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أن الذي أصابهم من الله .
قوله : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصيبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } إذا أصاب آل فرعون الخصب والرخاء وكل وجوه النعمة والسعة ورأوا ما يحبون من أنعم الدنيا فرحوا وقالوا { لنا هذه } أي نحن أحق بهذه الخيرات والنعم . أو أننا أعطينا ذلك لأننا أهل له ونستحقه .
أما إن أصابهم البلاء من جدوب وقحوط وكروب وأسقام ؛ فغنهم عندئذ يتطيرون بموسى ومن معه من المؤمنين . أي يتشاءمون بهم ؛ إذ يقولون : ما أصابنا هذا البلاء والسوء إلا بسبب موسى والذين معه . والتطير بمعنى التشاؤم ، من الطيرة وهي ما يتشاءم به من الفأل الرديء{[1503]} .
قوله : { ألا إنما طائرهم عند الله } طائرهم ، أي أنصباؤهم وحظوظهم من الرخاء والخير والنعمة أو غير ذلك مما يخالفه ؛ فهو كله بتقدير الله . فما يصيبهم من خير أو شر إنما هو بقضاء الله وحكمه ومشيئته وليس شؤم أحد أو يمنه .
قوله : { ولكن أكثركم لا تعلمون } أي يجهلون هذه الحقيقة ؛ وهي أنه ما من خير أو سوء إلا هو بتقدير الله وحكمه ومشيئته ، فهم لجهلهم تطيروا بموسى والذين معه{[1504]} .