في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (64)

51

وكنموذج من قولهم الإثم في أبشع صوره يحكي القرآن الكريم قول اليهود الغبي اللئيم :

وقالت اليهود يد الله مغلولة - غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء-

وذلك من سوء تصور يهود لله سبحانه . فقد حكى القرآن الكريم الكثير من سوء تصورهم ذاك . وقد قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء عندما سئلوا النفقة ! وقالوا : يد الله مغلولة ، يعللون بذلك بخلهم ؛ فالله - بزعمهم - لا يعطي الناس ولا يعطيهم إلا القليل . . فكيف ينفقون ؟ !

وقد بلغ من غلظ حسهم ، وجلافة قلوبهم ، ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهو البخل بلفظه المباشر ؛ فاختاروا لفظا أشد وقاحة وتهجما وكفرا فقالوا : يد الله مغلولة !

ويجيء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم ، ولعنهم وطردهم من رحمة الله جزاء على قولهم : ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) .

وكذلك كانوا ، فهم أبخل خلق الله بمال !

ثم يصحح هذا التصور الفاسد السقيم ؛ ويصف الله سبحانه بوصفه الكريم . وهو يفيض على عباده من فضله بلا حساب :

( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) . .

وعطاياه التي لا تكف ولا تنفد لكل مخلوق ظاهرة للعيان . . شاهدة باليد المبسوطة ، والفضل الغامر ، والعطاء الجزيل ، ناطقة بكل لسان . ولكن يهود لا تراها ؛ لأنها مشغولة عنها باللم والضم ، وبالكنود وبالجحود ، وبالبذاءة حتى في حق الله !

ويحدث الله رسوله [ ص ] عما سيبدو من القوم ، وعما سيحل بهم ، بسبب حقدهم وغيظهم من اصطفاء الله له بالرسالة ؛ وبسبب ما تكشفه هذه الرسالة من أمرهم في القديم والحديث :

( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرًا ) . .

فبسبب من الحقد والحسد ، وبسبب من افتضاح أمرهم فيما أنزل الله إلى رسوله ، سيزيد الكثيرون منهم طغيانا وكفرا . لأنهم وقد أبوا الإيمان ، لا بد أن يشتطوا في الجانب المقابل ؛ ولا بد أن يزيدوا تبجحا ونكرا ، وطغيانا وكفرا . فيكون الرسول [ ص ] رحمة للمؤمنين ، ووبالا عن المنكرين .

ثم يحدثه عما قدر الله لهم من التعادي والتباغض فيما بينهم ؛ ومن إبطال كيدهم وهو في أشد سعيره تلهبا ؛ ومن عودتهم بالخيبة فيما يشنونه من حرب على الجماعة المسلمة :

وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله . .

وما تزال طوائف اليهود متعادية . وإن بدا في هذه الفترة أن اليهودية العالمية تتساند ؛ وتوقد نار الحرب علىالبلاد الإسلامية وتفلح ! ولكن ينبغي ألا ننظر إلى فترة قصيرة من الزمان ولا إلى مظهر لا يشتمل على الحقيقة كاملة . ففي خلال ألف وثلاثمائة عام . . بل من قبل الإسلام . . واليهود في شحناء وفي ذل كذلك وتشرد . ومصيرهم إلى مثل ما كانوا فيه . مهما تقم حولهم الأسناد . ولكن مفتاح الموقف كله في وجود العصبة المؤمنة ، التي يتحقق لها وعد الله . . فأين هي العصبة المؤمنة اليوم ، التي تتلقى وعد الله ، وتقف ستارا لقدر الله ، ويحقق الله بها في الأرض ما يشاء ؟

ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام : تؤمن به على حقيقته ؛ وتقيم حياتها كلها على منهجه وشريعته . . يومئذ يحق وعد الله على شر خلق الله . . واليهود يعرفون هذا ، ومن ثم يسلطون كل ما في جعبتهم من شر وكيد ؛ ويصبون كل ما في أيديهم من بطش وفتك ، على طلائع البعث الإسلامي في كل شبر من الأرض ، ويضربون - لا بأيديهم - ولكن بأيدي عملائهم - ضربات وحشية منكرة ؛ لا ترعى في العصبة المؤمنة إلا ولا ذمة . . ولكن الله غالب على أمره . ووعد الله لا بد أن يتحقق :

( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) . .

إن هذا الشر والفساد الذي تمثله يهود ، لا بد أن يبعث الله عليه من يوقفه ويحطمه ؛ فالله لا يحب الفساد في الأرض ؛ وما لا يحبه الله لا بد أن يبعث عليه من عباده من يزيله ويعفي عليه :

( ويسعون في الأرض فسادا ، والله لا يحب المفسدين ) . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (64)

لليد عدة معان منها : اليد الجارحةُ المعروفة ، والنعمة ، إذ يقال : لفلان عندي يد أشكره عليها . والقدرةُ والمُلك ، كما في قوله تعالى { الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } . والمقصود هنا اليد الحقيقة كما يقصدون بذَلك .

غُلَّت أيديهم : أمسكت وانقبضت عن العطاء ، وهو دعاء عليهم بالبخل . يداه مبسوطتان : يعني هو كثير العطاء .

الحرب : ضد السلم ، فهي كل ما يهيج الفتن والقلاقل ، ولو بغير قتل .

بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة بعض مخازيهم الّتي أدت إلى اختلال نظُم مجتمعهم ذكر هنا أفظع مخازيهم وأقبحَها ، وهي جرأتُهم على ربهم ، ووصفُهم إياه بما ليس من صفته ، وإنكار نعمته عليهم . والذي يطالع التلمود ويقرأ ما فيه من جُرأة على الله ومن كلام تقشعرّ له الأبدان ، يعلم خُبثهم وقباحتهم .

وقالت اليهود : اللهُ بخيل لا تنبسط يده بالعطاء ، بل كذبوا إنهم هم البخلاء ، لعنهم الله وأبعدهم من رحمته . إن الله غني سخيّ ينفق كما يشاء ، فهو الجواد المتصرف وفق حكمته . أما تقتير الرزق على بعض العباد فإنه لا ينافي سعة الجود ، فهو سبحانه له الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق .

إن كثيرا من هؤلاء المنكرين سوف يزدادون إمعاناً في الضلال ، حسداً لك يا محمد ، ونقمة على ما أنزله إليك ربّك من كلامه في القرآن .

{ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة } والعداوة ملموسة فيما بينهم وبين النصارى وفيما بينهم أنفسهم . وإن المقام ليضيق عن سَرْد أقوال علماء النصارى وقادتِهم ورؤسائهم في شتم اليهود وإبراز مساوئهم . لذا تجدني أكتفي بذكر بعض هذه الأقوال :

يقول بنيامين فرانكلين في خطابه في المؤتمر الدستوري التأسيسي المنعقد في فيلادلفيا ( الولايات المتحدة ) سنة 1787 م .

«في كل بلد استوطنه اليهود ، انحطّت القيم الأخلاقيّة إلى الدَّرْك الأسفل وشاعت الفوضى واللامسئولية والاحتيالُ في معاملات أبنائه التجارية . هذا بينما ينعزل اليهود متقوقعين على أنفسهم في كتَلٍ وعصابات ، لم نتمكّن من القضاء عليها ولا دمجها في مجتمعنا . لقد هزئ اليهودُ من قِيم ديانتنا المسيحية التي تقوم دولتنا عليها وتعيش بها ، متجاهلين كلَّ أنظمِتنا ومحظوراتِنا ، فمكّنهم ذلك من إقامة دولة لهم داخل دولتنا » إلى أن يقول :

«إنكم إن لم تطردوهم عن ديارنا فلن يمضي أكثرُ من مائتي سنة حتى يصبح أحفادُنا خَدَماً في حقولهم يمدّونهم بثروات بلادنا . . . إن اليهود يشكّلون خطراً عظيماً على هذه البلاد ، وإنني أؤكد على ضرورة طردِهم منها ومنعِهم من الدخول إليها أو الإقامة فيها ، بموجب نصوص دستورية صريحة » .

وقد تحققت نبوءته ، فاليهود هم حكّام الولايات المتحدة الأمريكية دون جدال ، وبأصواتهم في الانتخابات على الأقلّ . هذا سيرينغ ، السفير البريطاني في أمريكا ، يقول في تقريره المؤرخ في 13 تشرين الثاني سنة 1914 من كتاب ادموندسون «أنا أشهد » ص 193 ما يأتي : «يعتبر بول م . واربورغ الألمانيُّ المولد ، اليهودي الأصل ، المسيِّر الوحيدَ لسياسة الولايات المتحدة الاقتصادية والمالية ، إبّان عهد الرئيس ويلسون . ومنذ وفاة ج . ب . مورغن الأب ، قفز أصحاب المصارف اليهودُ في أمريكا إلى أرفع المراكز في السلطة وأعلى مقامات النفوذ ؟ .

ويقول ويليام دادلي بالي ، في الصفحة 9 من كتاب «الإمبراطورية الخفية » ما يأتي «كان للرئيس فرانكلين روزفلت 72 مستشاراً ، منهم 52 من اليهود المهاجرين إلى الولايات المتحدة . والأَهمُّ من ذلك ، أن الإحصاءات الرسمية تدل على أن اليهود يملكون 80 بالمائة من عقارات الولايات المتحدة وأبنيتها ومواردها الطبيعية . كما يشكّل اليهود نسبة 86 بالمائة من مجموع الموظفين في واشنطن » .

هذا إلى كتب كثيرة أُلّفت في هذا الموضوع ، لكن الأمريكان مخدَّرون تحت وطأة رشوة اليهود للمسئولين في البلاد والضغط عليهم بشتّى الوسائل المغرية .

أما الأوربيّون فإنهم تكلّموا عن اليهود وحذّروا منهم كثيراً وانتقدوهم . فهل هناك إلا قَبْضَ الريح من أمل لبعض الحكام ، لا الشعوب العربية ، في أمريكا ! لكن كل ذلك ذهب إدراج الرياح .

{ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } كلّما همّوا بالكيْد للرسول وللمؤمنين خذلهم الله ونصر رسوله والمؤمنين عليهم . وقد كان اليهود يُغرون المشركين بمحاربة النبيّ والمؤمنين ، بل إن منهم من سعى لتحريض الروم على مهاجمتهم . ومنهم من كان يؤوي أعداء المسلمين ويساعدهم مثل كعب بن الأشرف أحد كبار زعمائهم . وكان هذا عربياً من نبهان من طيّ ، أُمه يهودية ، فاتّخذ اليهودية ديناً له . وكان شاعراً ، فآذى النبيَّ عليه السلام والمسلمين كثيرا إلى أن قُتل .

وما سببُ هذا الكيد وإثارة الفتن إلا الحَسد والعصبيّة من قِبل اليهود ، وخوف الأحبار أن يزيل الإسلام امتيازاتهم العلميّة والدينية التي كانوا يعيشون عن طريق استغلالها في الارتشاء والدجَل على صغار العقول .

{ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } ، إن ما يأتونه من عداوة الرسول الكريم والمؤمنين ، بنشْر الفساد في الأرض وإثارة الحروب ليس إلا الفساد بعينه . فهم يخافون اجتماع كلمة العرب ، حيث تقوى شوكتهم . وبذلك يذهب نفوذ اليهود الذي يتمتّعون به ، { والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } بل يبغضهم ومن ثم لن ينجح سعيهم ، أو يصلُح عملُهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (64)

{ 64 - 66 ْ } { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ْ }

يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة ، وعقيدتهم الفظيعة ، فقال : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ْ } أي : عن الخير والإحسان والبر .

{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ْ } وهذا دعاء عليهم بجنس مقالتهم . فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم ، بالبخل وعدم الإحسان . فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم .

فكانوا أبخل الناس وأقلهم إحسانا ، وأسوأهم ظنا بالله ، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل شيء ، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي . ولهذا قال : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ْ } لا حجر عليه ، ولا مانع يمنعه مما أراد ، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي ، وأمر العباد أن يتعرضوا لنفحات جوده ، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم .

فيداه{[269]}  سحاء الليل والنهار ، وخيره في جميع الأوقات مدرارا ، يفرج كربا ، ويزيل غما ، ويغني فقيرا ، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا ، ويجيب سائلا ، ويعطي فقيرا عائلا ، ويجيب المضطرين ، ويستجيب للسائلين . وينعم على من لم يسأله ، ويعافي من طلب العافية ، ولا يحرم من خيره عاصيا ، بل خيره يرتع فيه البر والفاجر ، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم عليها ، ويضيفها إليهم ، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل والآجل ما لا يدركه الوصف ، ولا يخطر على بال العبد ، ويلطف بهم في جميع أمورهم ، ويوصل إليهم من الإحسان ، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير منه ، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه ، وإليه يجأرون في دفع المكاره ، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه ، وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين ، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده .

وقبَّح الله من استغنى بجهله عن ربه ، ونسبه إلى ما لا يليق بجلاله ، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة ، ونحوهم ممن حاله كحالهم ببعض قولهم ، لهلكوا ، وشقوا في دنياهم ، ولكنهم يقولون تلك الأقوال ، وهو تعالى ، يحلم عنهم ، ويصفح ، ويمهلهم ولا يهملهم .

وقوله { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ْ } وهذا أعظم العقوبات على العبد{[270]} ، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله ، الذي فيه حياة القلب والروح ، وسعادة الدنيا والآخرة ، وفلاح الدارين ، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده ، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها ، والاستسلام لله بها ، وشكرا لله عليها ، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه ، وطغيان إلى طغيانه ، وكفر إلى كفره ، وذلك بسبب إعراضه عنها ، ورده لها ، ومعاندته إياها ، ومعارضته لها بالشبه الباطلة . { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ْ } فلا يتآلفون ، ولا يتناصرون ، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم ، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم ، متعادين بأفعالهم ، إلى يوم القيامة { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ ْ } ليكيدوا بها الإسلام وأهله ، وأبدوا وأعادوا ، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم { أَطْفَأَهَا اللَّهُ ْ } بخذلانهم وتفرق جنودهم ، وانتصار المسلمين عليهم .

{ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ْ } أي : يجتهدون ويجدون ، ولكن بالفساد في الأرض ، بعمل المعاصي ، والدعوة إلى دينهم الباطل ، والتعويق عن الدخول في الإسلام . { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ْ } بل يبغضهم أشد البغض ، وسيجازيهم على ذلك .


[269]:- في ب: فيده .
[270]:- في ب: وهذا أعظم من العقوبات على العبد.