في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

44

هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم القرآن . ووراءه من قومه من جهد جهده ليؤمن ؛ ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام . فلم يقدر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه . وما كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ليهدي من يحب . إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان . .

( إنك لا تهدي من أحببت ، ولكن الله يهدي من يشاء . وهو أعلم بالمهتدين ) . .

ورد في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كان يحوطه وينصره ، ويقف دونه في وجه قريش ، ويحميه حتى يبلغ دعوته ، ويحتمل في سبيل ذلك مقاطعة قريش له ولبني هاشم وحصارهم في الشعب . ولكنه إنما يفعل ذلك كله حبا لابن أخيه ، وحمية وإباء ونخوة . فلما حضرته الوفاة دعاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى الإيمان والدخول في الإسلام ، فلم يكتب الله له هذا ، لما يعلمه سبحانه من أمره . .

قال الزهري : حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن المخزومي - رضي الله عنه - قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبدالله بن أمية ابن المغيرة . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " يا عم قل : لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " فقال أبو جهل وعبدالله بن أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ? فلم يزل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال : على ملة عبد المطلب . وأبى أن يقول : لا إله إلا الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله تعالى : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ) . وأنزل في أبي طالب : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) . . [ أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري ] .

ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال " : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : " يا عماه . قل : لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " فقال : لولا أن تعيرني بها قريش يقولون : ما حمله عليها إلا جزع الموت لأقررت بها عينك . لا أقولها إلا لأقر بها عينك " . ونزل قول الله تعالى : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) .

وروى عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة أنها نزلت في أبي طالب . وكان آخر ما قاله : هو على ملة عبد المطلب .

وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر مأخوذا بصرامة هذا الدين واستقامته . فهذا عم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وكافله وحاميه والذائد عنه ، لا يكتب الله له الإيمان ، على شدة حبه لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وشدة حب رسول الله له أن يؤمن . ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة ، ولم يقصد إلى العقيدة . وقد علم الله هذا منه ، فلم يقدر له ما كان يحبه له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويرجوه . فأخرج هذا الأمر - أمر الهداية - من حصة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وجعله خاصا بإرادته سبحانه وتقديره . وما على الرسول إلا البلاغ . وما على الداعين بعده إلا النصيحة . والقلوب بعد ذلك بين أصابع الرحمن ، والهدى والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد واستعدادهم للهدى أو للضلال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

قوله تعالى : " إنك لا تهدي من أحببت " قال الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب .

قلت : والصواب أن يقال : أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم . وهو نص حديث البخاري ومسلم . وقد تقدم الكلام في ذلك في " التوبة " {[12376]} . قال أبو روق : قوله " ولكن الله يهدي من يشاء " إشارة إلى العباس ، وقاله قتادة . " وهو أعلم بالمهتدين " . قال مجاهد : لمن قدر له أن يهتدي . وقيل : معنى " من أحببت " ؛ أي من أحببت أن يهتدي . وقال جبير بن مطعم : لم يسمع أحد الوحي يلقى على النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر الصديق ؛ فإنه سمع جبريل وهو يقول : يا محمد اقرأ : " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " .


[12376]:راجع ج 8 ص 272 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

ولما كان من المعلوم أن نفس النبي صلى الله عليه وسلم لما جبلت عليه من الخير والمحبة لنفع جميع العباد ؛ لا سيما العرب لقربهم منه صلى الله عليه وسلم ، لاسيما أقربهم منه صلة للرحم ؛ تتأثر بسبق أهل الكتاب لقومه ، وكان ربما ظن ظان أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه أو إرادته لذلك ، وأنه لو أراد هدايتهم وأحبها ، وعلق همته العلية بها لاهتدوا ؛ أجيب عن هذا بقوله تعالى في سياق التأكيد إظهاراً لصفة القدرة والكبرياء والعظمة : { إنك لا تهدي من أحببت } أي نفسه أو هدايته بخلق الإيمان في قلبه ؛ وإنما في يدك الهداية التي هي الإرشاد والبيان .

ولما كان ربما ظن من أجل الإخبار بتوصيل القول وتعليله ونحو ذلك من أشباهه أن شيئاً من أفعالهم يخرج عن القدرة ، قال نافياً لهذا الظن مشيراً إلى الغلط في اعتقاده بقوله : { ولكن الله } المتردي برداء الجلال والكبرياء والكمال وله الأمر كله { يهدي من يشاء } هدايته بالتوفيق إلى ما يرضيه { وهو } أي وحده { أعلم بالمهتدين* } أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم ، فيكونوا عريقين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب ، أقارب كانوا أو أباعد . روى البخاري في التفسير عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه : قال : " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيره ؛ فقال : أي عم ! قل : لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ؛ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك . فأنزل الله عز وجل { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } ، وأنزل الله في أبي طالب ؛ فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } - الآية - " انتهى .

وقال في كتاب التوحيد : { إنك لا تهدي من أحببت } : قال سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه : نزلت في أبي طالب . وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتوحيد فقال : لولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك ؛ فأنزل الله الآية .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

قوله تعالى : { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } : هذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم . وذلك أن أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني عبد مناف ؛ أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا . فقال عليه السلام : " يا عم ؛ تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك ! " . قال : " فما تريد يا ابن أخي ؟ " قال : " أريد منك كلمة واحدة ؛ فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا : أن تقول لا إله إلا الله ؛ أشهد لك بها عند الله تعالى " . قال : يا ابن أخي ؛ قد علمت أنك صادق ؛ ولكني أكره أن يقال : جزع عند الموت . ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ، ولأقررت بها عينك عند الفراق ؛ لما رأى من شدة وجدك ونصحك . ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ : عبد المطلب ، وهاشم ، وعبد مناف .

وفي رواية أنه لما مات ولم يؤمن اشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : ما تنفع قرابة أبي طالب منك . فقال : " بلى ؛ والذي نفسي بيده إنه الساعة لفي ضحضاح من النار ؛ عليه نعلان من نار تغلي منهما أم رأسه . وما من أهل النار من إنسان هو أهون عذابا منه " . والمراد بالآية : أنك يا محمد لا تستطيع أن تهدي من أحببت هدايته ؛ ولكن الله يهدي من يشاء أن يهديه من خلقه بتوفيقه للإيمان . { وهو أعلم بالمهتدين } أي الله أعلم بمن سبق له في علمه أنه مهتد للحق والصواب{[3513]}


[3513]:تفسير الطبري ج 20 ص 58-59، وتفسير الرازي ج 25 ص 3.