في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

28

( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) . .

ولا ندري نحن كيف يتم هذا ، ولا طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات ، ولا مكانها ؛ ولكن النص يلقي ظلال القدرة القادرة التي تبدل الأرض وتبدل السماوات ؛ في مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتد فهو ضئيل عاجز حسير .

وفجأة نرى ذلك قد تحقق :

( وبرزوا لله الواحد القهار ) . .

وأحسوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر ، ولا يقيهم واق . ليسوا في دورهم وليسوا في قبورهم . إنما هم في العراء أمام الواحد القهار . . ولفظة( القهار )هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة . وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

قوله تعالى : " يوم تبدل الأرض غير الأرض " أي اذكر يوم تبدل الأرض ، فتكون متعلقة بما قبله . وقيل : هو صفة لقول : " يوم يقوم الحساب " [ إبراهيم : 41 ] . واختلف في كيفية تبديل الأرض ، فقال كثير من الناس : إن تبدل الأرض عبارة عن تغير صفاتها ، وتسوية آكامها ، ونسف جبالها ، ومد أرضها ، ورواه ابن مسعود رضي الله عنه ، خرجه ابن ماجه في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب ، قال : حدثني ابن عباس قال : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا ، وذكر الحديث . وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي{[9577]} لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها{[9578]} ) ذكره الغزنوي . وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها ، وتناثر نجومها ، قاله ابن عباس . وقيل : اختلاف أحوالها ، فمرة كالمهل{[9579]} ومرة كالدهان{[9580]} ، حكاه ابن الأنباري ، وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في كتاب { التذكرة } وذكرنا ما للعلماء في ذلك ، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال : السلام عليك ، وذكر الحديث ، وفيه : فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في الظلمة دون الجسر ){[9581]} . وذكر الحديث . وخرج عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " فأين الناس يومئذ ؟ قال : ( على الصراط ) . خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء ، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي لسائلة ، قال : هذا حديث حسن صحيح ، فهذه الأحاديث تنص على أن السماوات والأرض تبدل وتزال ، ويخلق الله أرضا أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر . وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصه النقي{[9582]} ليس فيها علم لأحد ) . وقال جابر : سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله عز وجل : " يوم تبدل الأرض غير الأرض " قال : تبدل خبرة يأكل منها الخلق يوم القيامة ، ثم قرأ : " وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام{[9583]} " [ الأنبياء : 8 ] . وقال ابن مسعود : إنه تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة . وقال ابن عباس : بأرض من فضة بيضاء . وقال علي رضي الله عنه : تبدل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين ، وحسبك . " وبرزوا لله الواحد القهار " أي من قبورهم ، وقد تقدم .


[9577]:أديم عكاظي: منسوب إلى عكاظ، وهو مما حمل إليها فبيع بها. وعكاظ: اسم سوق من أسواق الجاهلية مشهورة كانت بقرب مكة. والأمت: المكان المرتفع والتلال الصغار والانخفاض والارتفاع.
[9578]:عبارة الأصل هنا ناقصة ومحرفة، والزيادة والتصويب من تفسير الطبري وكتاب "التذكرة" للمؤلف.
[9579]:راجع ج 18 ص 284.
[9580]:راجع ج 17 ص 173.
[9581]:الجسر: الصراط.
[9582]:النقي: الدقيق الحواري. والحواري: ما حور أي بيض. والعلم الأثر.
[9583]:راجع ج 11 ص 272.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

ولما تقررت عظمة ذلك اليوم{[45307]} الذي تشخص فيه الأبصار ، وكان أعظم يوم يظهر{[45308]} فيه الانتقام{[45309]} ، بينه بقوله : { يوم تبدل } أي تبديلاً غريباً عظيماً { الأرض } أي هذا الجنس { غير الأرض } أي{[45310]} التي تعرفونها { والسماوات } بعد انتشار كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها ؛ والتبديل : تغيير الشيء أو صفته إلى بدل { وبرزوا } أي الظالمون{[45311]} الذين كانوا يقولون : إنهم لا يعرضون على الله للحساب ؛ والبروز : ظهور الشخص مما كان ملتبساً{[45312]} به { لله } أي الذي له صفات الكمال { الواحد } الذي لا شريك له { القهار * } الذي لا يدافعه شيء عن مراده ، فصاروا{[45313]} بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى{[45314]} منهم خافية ، وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك : روى مسلم{[45315]} والترمذي{[45316]} عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله تعالى : { يوم تبدل الأرض } الآية قلت : يا رسول الله فأين{[45317]} يكون للناس يومئذ ؟ قال{[45318]} : على الصراط .


[45307]:سقط من م.
[45308]:زيد من ظ و م ومد.
[45309]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: لانتقام.
[45310]:زيد من ظ و م ومد.
[45311]:العبارة من هنا إلى "كان ملتبسا" ساقطة من ظ.
[45312]:في م: متلبسا.
[45313]:في ظ: فصار.
[45314]:في ظ ومد: لا تخفى.
[45315]:في كتاب صفة القيامة والجنة والنار- باب صفات المنافقين.
[45316]:في تفسير سورة إبراهيم.
[45317]:من صحيح مسلم وجامع الترمذي، وفي الأصل: أي، وفي ظ و م ومد: أين.
[45318]:في الصحيح فقط: فقال.