في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ} (44)

28

هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه ، والذي ينتظرهم بعد الإمهال هناك . فأنذر الناس أنه إذا جاء فلا اعتذار يومئذ ولا فكاك . . وهنا يرسم مشهدا آخر لليوم الرعيب المنظور :

( وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ، فيقول الذين ظلموا : ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل . أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ؟ ! وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، وتبين لكم كيف فعلنا بهم ، وضربنا لكم الأمثال ؟ ) . .

أنذرهم يوم يأتيهم ذلك العذاب المرسوم آنفا ، فيتوجه الذين ظلموا يومئذ إلى الله بالرجاء ، يقولون :

( ربنا ) . .

الآن وقد كانوا يكفرون به من قبل ويجعلون له أندادا !

( أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ) . .

وهنا ينقلب السياق من الحكاية إلى الخطاب . كأنهم ماثلون شاخصون يطلبون . وكأننا في الآخرة وقد انطوت الدنيا وما كان فيها . فها هو ذا الخطاب يوجه إليهم من الملأ الأعلى بالتبكيت والتأنيب ، والتذكير بما فرط منهم في تلك الحياة :

أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ؟ ! . .

فكيف ترون الآن ؟ ! زلتم يا ترى أم لم تزولوا ؟ ! ولقد قلتم قولتكم هذه وآثار الغابرين شاخصة أمامكم مثلا بارزا للظالمين ومصيرهم المحتوم :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ} (44)

قوله تعالى : " وأنذر الناس " قال ابن عباس : أراد أهل مكة . " يوم يأتيهم العذاب " وهو يوم القيامة ، أي خوفهم ذلك اليوم . وإنما خصهم بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب ؛ لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي . " فيقول الذين ظلموا " أي في ذلك اليوم " ربنا أخرنا " أي أمهلنا . " إلى أجل قريب " سألوه الرجوع إلى الدنيا حين ظهر الحق في الآخرة . " نجب دعوتك ونتبع الرسل " أي إلى الإسلام فيجابوا : " أولم تكونوا أقسمتم من قبل " يعني في دار الدنيا . " ما لكم من زوال " قال مجاهد : هو قسم قريش أنهم لا يبعثون . ابن جريج : هو ما حكاه عنهم في قوله : " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت{[9561]} " [ النحل : 38 ] . " ما لكم من زوال " فيه تأويلان : أحدهما : ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة ، أي لا تبعثون ولا تحشرون ، وهذا قول مجاهد . الثاني : " ما لكم من زوال " أي من العذاب . وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال : لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله أربعة ، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا ، يقولون : " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل{[9562]} " [ غافر : 11 ] فيجيبهم الله " ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وأن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير " [ غافر : 12 ] ثم يقولون : " ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون{[9563]} " [ السجدة : 12 ] فيجيبهم الله تعالى : " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون " [ السجدة : 14 ] ثم يقولون : " ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل " فيجيبهم الله تعالى " أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال " فيقولون : " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " [ فاطر : 37 ] فيجيبهم الله تعالى : " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير{[9564]} " [ فاطر : 37 ] . ويقولون : " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين " [ المؤمنون : 106 ] فيجيبهم الله تعالى : " اخسؤوا فيها ولا تكلمون{[9565]} " [ المؤمنون : 108 ] فلا يتكلمون بعدها أبدا ، خرجه ابن المبارك في { دقائقه } بأطول من هذا - وقد كتبناه في كتاب { التذكرة } وزاد في الحديث " وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال . وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " [ إبراهيم :44 - 45 ] قال هذه الثالثة ، وذكر الحديث وزاد بعد قوله : " اخسؤوا فيها ولا تكلمون " [ المؤمنون : 108 ] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء ، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعضهم في وجه بعض ، وأطبقت عليهم ، وقال : فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله : " هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون{[9566]} " [ المرسلات :35 - 36 ] .


[9561]:راجع ج 10 ص 105.
[9562]:راجع ج 15 ص 296.
[9563]:راجع ج 14 ص 95، و ص 351.
[9564]:راجع ج 14 ص 95، و ص 351.
[9565]:راجع ج 12 ص 153.
[9566]:راجع ج 19 ص 164.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ} (44)

فأنذرهم أهوال{[45258]} ذلك اليوم فإنه{[45259]} لا يبقى معهم فيه شيء مما هم فيه من الإباء و{[45260]} الاستكبار { وأنذر } أي يا محمد { الناس } جميعاً ، ما يحل بهم { يوم يأتيهم العذاب } وينكشف عنهم الغطاء بالموت{[45261]} أو البعث{[45262]} .

ولما كانوا{[45263]} عند{[45264]} إتيان العذاب قبل الموت لا ينكسرون بالكلية ، بين{[45265]} أنهم إذ ذاك على غير هذا ، فقال عاطفاً على " يأتيهم " : { فيقول الذين ظلموا } أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه منهم{[45266]} ومن غيرهم بسبب إتيانه من غير تمهل ، وقد زال عنهم ما يفتخرون به من الأنفة والحمية والشماخة والكبر لما رأوا من الأهوال التي لا قبل لهم بها ولا صبر عليها : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق والتربية { أخرنا } أي أمهلنا { إلى أجل قريب } فإنك إن{[45267]} تؤخرنا إليه { نجب دعوتك } أي استدراكاً لما فرطنا فيه ؛ والإجابة : القطع على موافقة الداعي{[45268]} بالإرادة { ونتبع }{[45269]} أي بغاية الرغبة{[45270]} { الرسل } فيقال لهم : إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ، {[45271]} أولم تكونوا تقولون{[45272]} : إن عرى صبركم لا تنحل ، وحد{[45273]} عزائمكم لا يفل{[45274]} ؟ { أولم تكونوا } أي كوناً أنتم فيه في غاية المكنة { أقسمتم } أي جهلاً وسفهاً أو أشراً{[45275]} وبطراً .

ولما لم يكن وقت إقسامهم مستغرقاً للزمان قال : { من قبل } وبين الجواب المقسم عليه بقوله - حاكياً معنى قولهم لا لفظه - ليكون صريحاً في المراد من غير احتمال لتعنت لو قيل : ما لنا ؟ : { ما لكم } وأكد النفي فقال : { من زوال } عما أنتم عليه من الكفران وعدم الإذعان للإيمان ، أو من هذه{[45276]} الدار إلى الدار الآخرة ، أو من منازلكم التي أنتم بها ، كناية عن ثبات الأمر وعدم المبالاة بالمخالف{[45277]} كائناً من كان


[45258]:زيد من ظ و م ومد.
[45259]:في ظ: فإنهم.
[45260]:في ظ: أو.
[45261]:من ظ و م، وفي الأصل ومد: أي بالبعث.
[45262]:من ظ و م، وفي الأصل ومد: أي بالبعث.
[45263]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: كان.
[45264]:زيد من ظ و م ومد.
[45265]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: ميز.
[45266]:زيد من ظ و م ومد.
[45267]:سقط من ظ.
[45268]:في ظ: الداعية.
[45269]:سقط ما بين الرقمين من م.
[45270]:سقط ما بين الرقمين من م.
[45271]:في ظ: لو كنتم تعلمون- كذا.
[45272]:في ظ: لو كنتم تعلمون- كذا.
[45273]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: جد.
[45274]:من م ومد، وفي الأصل: ولا يقل، وفي ظ: لا يغل- كذا.
[45275]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: شرا.
[45276]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: هذا.
[45277]:في ظ: بالمخالفة.