في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} (73)

73

( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره . وإذا لاتخذوك خليلا . ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ، ثم لا تجد لك علينا نصيرا . وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ، وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا . سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ) . .

يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول [ ص ] وأولها محاولة فتنته عما أوحى الله إليه ، ليفتري عليه غيره ، وهو الصادق الأمين .

لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى . . منها مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم . ومنها مساومة بعضهم له أن يجعل أرضهم حراما كالبيت العتيق الذي حرمه الله . ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء . .

والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصلها ، ليذكر فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق ، وعصمته من الفتنة ، ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته لركن إليهم فاتخذوه خليلا . وللقي عاقبة الركون إلى فتنة المشركين ، وهي مضاعفة العذاب في الحياة والممات ، دون أن يجد له نصيرا منهم يعصمه من الله .

هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله ، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائما . محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلا - عن استقامة الدعوة وصلابتها . ويرضوا بالحلول الوسط التي يغزونهم بها في مقابل مغانم كثيرة . ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينا ، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية ، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق . وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة ، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها !

ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق . وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير ، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل ، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة . لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء !

والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها . فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر ، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل ، لا يمكن أن يكون مؤمنا بدعوته حق الإيمان . فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر . وليس فيها فاضل ومفضول . وليس فيها ضروري ونافلة . وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه ، وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه . كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره !

وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات . فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم ، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة ، وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها !

والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها ؛ هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة . والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم . ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة ، فلن تنقلب الهزيمة نصرا !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} (73)

قوله تعالى : " وإن كادوا ليفتنونك " قال سعيد بن جبير : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه ، فمنعته قريش وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تُلِمّ بآلهتنا . فحدث نفسه وقال : ( ما علي أن أُلِمّ بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره ) فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية ، قاله مجاهد وقتادة . وقال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت في وفد ثقيف ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها ، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا ، وحرم وادينا كما حرمت مكة ، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية . وقيل : هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد عنا هؤلاء السُّقَّاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك ، فهمَّ بذلك حتى نهي عنه . وقال قتادة ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ، ويسودونه ويقاربونه ، فقالوا : إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس ، وأنت سيدنا ياسيدنا ، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ، ثم عصمه الله من ذلك ، وأنزل الله تعالى هذه الآية . ومعنى " ليفتنونك " أي يزيلونك . يقال : فتنت الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه ، قاله الهروي . وقيل يصرفونك ، والمعنى واحد . " عن الذي أوحينا إليك " أي حكم القرآن ؛ لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن . " لتفتري علينا غيره " أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك ، وهو قول ثقيف : وحرم وادينا كما حرمت مكة ، شجرها وطيرها ووحشها ، فإن سألتك العرب لم خصصتهم فقل الله أمرني بذلك حتى يكون عذرا لك . " وإذا لاتخذوك خليلا " أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا ، أي والوك وصافوك ، مأخوذ من النخلة ( بالضم ) وهي الصداقة لممايلته لهم . وقيل : " لاتخذوك خليلا " أي فقيرا . مأخوذ من الخلة ( بفتح الخاء ) وهي الفقر لحاجته إليهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا} (73)

ولما قرر أن من ترك سبيل الرشد كان كالأعمى ، ومن تبعها كان كالبصير ، أتبعه دليله فقال محذراً للبصراء عن الاغترار بوساوس الأشقياء : { وإن } أي وأكثر هؤلاء أعمى ، قد افتتن في نفسه بهواه مع بياننا لطريق الرشد بما أوحينا إليك من هذه الحكمة حتى صارت أوضح من الشمس وإن الأعداء { كادوا } أي قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة الله لك بسبب عماهم عما جبلت عليه من الفطنة ، وجودة الفطرة ، وذكاء القريحة ، وثقوب الفهم ، وبعد المرمى في الوقوف على خداع المخادعين ، ومكر الماكرين ، لتجلي الدقائق في مرآة قلبك الصقيلة وصافي فكرتك الشفافة . ولما كانت " إن " مخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال تعالى : { ليفتنونك } أي ليخالطونك مخالطة تمليك إلى جهة قصدهم بكثرة خداعهم بإطماعهم لك في الموافقة لما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا { عن الذي أوحينا } أي بما لنا من العظمة { إليك } من الحكمة { لتفتري } أي تقطع متعمداً { علينا } على عظمتنا { غيره } من طرد من أوحينا إليك الأمر بمصابرتهم ، إطماعاً منهم في إسلام من هو بحيث يرجى إسلامه إسلام الجم الغفير منهم لشرفه ونحو ذلك مما عناه الله سبحانه وهو أعلم بمراده ؛ قال الرماني : وأصل الفتنة ما يطلب به خلاص الشيء مما لابسه { وإذا } أي لو ملت إليهم { لاتخذوك } أي بغاية الرغبة { خليلاً * } ومن كان خليل الكفار لم يكن خليل الله ، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله ، واستمروا على عماهم إتماماً لتفضيلنا لك على كل مخلوق ، وقد تقدم قريباً ما تدور عليه مادة " فرا " وأنه السعة ، وقد بقي من تقاليبها اليائي والمهموز ، فمعنى فريت الأديم : شققته فاسداً أو صالحاً - لأنه يتسع بذلك ، وقال القزاز : الفري مصدر فريت الأديم - إذا شققته للإصلاح ، وأفريته - إذا شققته للإفساد - كأن همزته للإزالة ، وحكى أبو عبيدة : فريت الشيء وأفريته : قطعته ، وفرى الكذب وافتراه : اختلقه - لأنه اتساع في القول وزيادة على ما يكفي من الصدق وتجاوز للحد ، وفرى المزادة : خلقها وصنعها ، وقال القزاز : خرزها - لأنها تسع ما لا تسعه قبل الخرز ، قال : وأصل الفري الشق - يعني : والخرز واقع في الشق ، فالعلاقة المحل ، وفرى الأرض : سارها وقطعها - تشبيهاً لها بالأديم ، وفرى - كرضي : تحير ودهش - من التسمية باسم السبب ، لأن سبب الدهش كثرة وعظم في المحسوس ، وأفراه ، أصلحه أو أمر بإصلاحه - لأن الإصلاح سعة بالنسبة إلى الإفساد ، وأفرى فلاناً : لامه - لأنه يلزم منه الزيادة في الكلام لما يحاج به الملوم ، والفرية : الجلبة - لأنها زيادة عن الكلام المعتاد ، وبالكسر : الكذب ، وكغنى : الأمر المختلق المصنوع أو العظيم ، والواسعة من الدلاء كالفرية ، والحليب ساعة تحلب - لارتفاع الرغوة ، وتفرى الشيء : انشق ، والعين : انبجست ، وهو يفري الفرى كغنى : يأتي بالعجب في عمله .

وقال القزاز : وتركت فلاناً يفري ويقد ، أي حادّ في الأمر ، وفلاناً يفري منذ اليوم - إذا جاء بالعجب ، لأنه لا يعجب إلا ما زاد على الكفاية .

والرفة : التبن - لأنه ما فضل عن الحب ، والرفة : دويبة تصيد تسمى عناق الأرض - لأن حالها أوسع من حال ما لا يصيد ، ذكر هذا صاحب مختصر العين في المعتل بالياء فوزنه ثبة ، وساقه صاحب القاموس في الهاء وقال فيما مدلوله التبن : إنه كصرد ، ثم ساقه في المعتل الواوي في ورف وقال : والرفة كثبة : التبن ، فاضطرب كلامه فوجب قبول مختصر العين ، لكن ذكره الإمام أبو غالب ابن التباني - وهو من يخضع له - في كتابه الموعب في مقلوب رهف فقال ناسباً له إلى كتاب العين ما نصه : والرفة : التبن ، قال غيره : ويقال في مثل من الأمثال : استغنت التفه عن الرفه ، والتفه : عناق الأرض ، وهي دويبة كالثعلب خبيثة ، تصيد كل شيء ، وذلك أنها لا تأكل إلا اللحم - أبو حنيفة مثله ، كله انتهى بحروفه ، وقال صاحب القاموس في المعتل : والتفة ذكر في ت ف ف ، وقال في الهاء : والتفه كثبة : عناق الأرض ، وقال في الفاء : والتفة - كقفة : دويبة كجرو الكلب أو كالفأرة ، واستغنت التفة عن الرفة ؛ ويخففان ، يضرب للئيم إذا شبع . فلعل هذا الاختلاف لغات - والله أعلم .

قال في مختصر العين : والأرفي مثل كركي : اللبن المحض الطيب - لفيضه كالغائر ، جعله المختصر يائياً ، والقاموس واوياً ، ثم أعاده في المهموز فقال : والأرفي - كقمري : اللبن الخالص ، وساق القزاز في اليائي : رافيت الرجل أرافيه مرافاة - إذا وافقته - لأن ذلك أوسع في العشرة ، والريف بالكسر - الخصب ، وقال في القاموس : أرض فيها زرع وخصب ، والسعة في المأكل والمشرب ، وما قارب الماء من أرض العرب ، أو حيث الخضر والمياه والزروع ، وراف البدوي : أتى الريف ، والراف : الخمر - وهو لا يكون إلا عن سعة ، وأرض ريفة ككيسة : خصبة ، وأرافت الأرض : أخصبت .

ومن المهموز : رفأ السفينة - كمنع وأرفأها : أدناها من الشط - لاتساع من فيها بالبر ، وبالنسبة إليها يكون للسلب ، والموضع مرفأ ، ويضم ، ورفأ بينهم : أصلح ، وأرفأ ، جنح ، وامتشط ودنى وأدنى وحابى ودارأ كرافأ وإليه لجأ ، وترافؤوا : توافقوا وتواطؤوا ، واليرفيء كاليلمعي : راعي الغنم والظليم النافر والظبي القفوز المولى والمنتزع القلب فزعاً - كأنه شبه بالظليم في اتساع حركته وعدم ثباته ، وذلك شبيه أيضاً بفوران القدر في مجاوزة الحد ، ورفأت العروس ترفئة وترفيئاً - تقدم في الواوي ، والرأف : الخمر والرجل الرحيم ، أو الرأفة : أشد الرحمة أو أرقها ، ولا شك في دخول ذلك في السعة ، ورأف : موضع أو رملة - ولعلهما واسعان ، والفرأ - كجبل وسحاب : حمار الوحش أو الفتيّ منه - لشدة نفاره كالقدر في فورانها ، وأمر فريء كفريّ ، وكل الصيد في جوف الفرا ، أي كله دونه ، وفرأ - محركة : جزيرة باليمن - لعله بها بكثرة ، والفأر معروف ، والواحدة فأرة ، والجمع فئران - سمي لقفزه في جرية ، ولأنه من أوسع الحشرات تصرفاً بالمشي في الجدر والسقوف ونحوها ، والفأرة : شجرة ونافجة المسك ، قال في القاموس : أو الصواب إيراد فارة المسك في ف و ر لفوران رائحتها ، أو يجوز همزها لأنها على هيئة الفأرة ، وفأر كمنع : حفر وخبأ ودفن - يمكن أن يكون من السعة ومن سلبها ؛ ولبن فئر - ككتف : وقعت فيه الفأرة ، وأرض فئرة ومفأرة : كثيرة الفأر ، وأفرت القدر بالفتح تأفر أفراً : اشتد غليانها ، والإنسان : وثب وعدا ، والبعير : نشط وسمن بعد الجهد كأفر كفرح فيهما ، وخف في الخدمة ، والذي يسعى بين يدي الإنسان ويخدمه مئفر ، والأفرة - بضمتين وتشديد الراء : الجماعة - وقيدها في مختصر العين بذات الجلبة - والبلية والاختلاط ، وكل ذلك واضح في الاتساع والزيادة على الكفاية ، والأفرة أيضاً شدة الشر - لشدة فورانه كالقدر ، وشدة الشتاء أو مطلق الشدة ، ومن الصيف : أوله - لأنه يتسع به ، قال في القاموس : ويفتح أولها ويحرك في الكل ؛ والأرفة - بالضم : الحد بين الأرضين والعقدة - وكأن هذا سلب الاتساع ، والأرفي كقمري : الماسح ، وأرف على الأرض تأريفاً : جعلت لها حدود وقسمت ، وتأريف الحبل : عقده ، وهو مؤارفي حده إلى حدي في السكنى والمكان - والله الموفق .