ومن عمي في الدنيا عن دلائل الهدى فهو في الآخرة أعمى عن طريق الخير . وأشد ضلالا . وجزاؤه معروف . ولكن السياق يرسمه في المشهد المزدحم الهائل ، أعمى ضالا يتخبط ، لا يجد من يهديه ولا ما يهتدي به ، ويدعه كذلك لا يقرر في شأنه أمرا ، لأن مشهد العمى والضلال في ذلك الموقف العصيب هو وحده جزاء مرهوب ؛ يؤثر في القلوب !
قوله تعالى : " ومن كان في هذه أعمى " أي في الدنيا عن الاعتبار وإبصار الحق . " فهو في الآخرة " أي في أمر الآخرة " أعمى " وقال عكرمة : جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية فقال : اقرؤوا ما قبلها " ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر{[10328]} - إلى - تفضيلا " . قال ابن عباس : من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا . وقيل : المعنى من عمى عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى . وقيل : المعنى من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسح له ووعد بقبول التوبة أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا . وقيل : ومن كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بعثه الله يوم القيامة أعمى ، كما قال : " ونحشره يوم القيامة أعمى{[10329]} " الآيات . وقال : " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم " . وقيل : المعنى في قوله " فهو في الآخرة أعمى " في جميع الأقوال : أشد عمى ؛ لأنه من عمى القلب ، ولا يقال مثله في عمى العين . قال الخليل وسيبويه : لأنه خلقة بمنزلة اليد والرجل ، فلم يقل ما أعماه كما لا يقال ما أيداه . الأخفش : لم يقل فيه ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف ، وأصله أعمى{[10330]} . وقد أجاز بعض النحويين ما أعماه وما أعشاه ؛ لأن فعله عمى وعشى . وقال الفراء : حدثني بالشام شيخ بصري أنه سمع العرب تقول : ما أسود شعره . قال الشاعر :
ما في المعالي لكم ظلٌّ ولا ثمر*** وفي المخازِي لكم أشباح أشياخ
أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم *** لؤما وأبيضهم سربال طباخ
وأمال أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف الحرفين " أعمى " و " أعمى " وفتح الباقون . وأمال أبو عمرو الأول وفتح الثاني . " وأضل سبيلا " يعني أنه لا يجد طريقا إلى الهداية .
{ ومن كان } منهم { في هذه } الدار { أعمى } أي ضالاً يفعل في الأعمال فعل الأعمى في أخذ الأعيان ، لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره ، ولا يميز بين حسن وقبح { فهو في الآخرة } لأن كل أحد يقوم على ما مات عليه { أعمى } أي أشد عمى مما كان عليه في هذه الدار ، لا ينجح له قصد ، ولا يهتدي لصواب ، ولا يقدر على قراءة كتاب ، لما فيه من موجبات العذاب ، ولم يقل : أشد عمى ، كما يقولونه في الخلق اللازمة لحالة واحدة من العور والحمرة والسواد ونحوها ، لأن هذا مراد به عمى القلب الذي من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة شيئاً بعد شيء ، فخالف ما لا يزيد ؛ ولم يمله أبو عمرو مع إمالة الأول ليدل على أن معناه : أفعل من كذا ، فهو وسط ، والإمالة إنما يحسن في الأواخر ، ولأن هذا معناه ، عطف عليه قوله تعالى : { وأضل سبيلاً * } لأن هذه الدار دار الاكتساب والترقي بالأسباب ، وأما تلك فليس فيها شيء من ذلك ؛ فالآية من الاحتباك : أثبت الإيتاء باليمين والقراءة أولاً دليلاً على حذف ضدهما ثانياً ، وأثبت العمى ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.