ويختم الشوط بالإيقاع الأخير من مشاهد يوم الحساب :
( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا . وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها . وكفى بنا حاسبين ) . .
والحبة من خردل تصور أصغر ما تراه العيون وأخفه في الميزان ، وهي لا تترك يوم الحساب ولا تضيع . والميزان الدقيق يشيل بها أو يميل !
فلتنظر نفس ما قدمت لغد . وليصغ قلب إلى النذير . وليبادر الغافلون المعرضون المستهزئون قبل أن يحق النذير في الدنيا أو في الآخرة . فإنهم إن نجوا من عذاب الدنيا فهناك عذاب الآخرة الذي تعد موازينه ، فلا تظلم نفس شيئا ، ولا يهمل مثقال حبة من خردل .
وهكذا ترتبط موازين الآخرة الدقيقة ، بنواميس الكون الدقيقة ، بسنن الدعوات ، وطبائع الحياة والناس . وتلتقي كلها متناسقة موحدة في يد الإرادة الواحدة مما يشهد لقضية التوحيد وهي محور السورة الأصيل .
قوله تعالى : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا " الموازين جمع ميزان . فقيل : إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله ، فتوضع الحسنات في وكفة ، والسيئات في كفة . وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد ، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ، كما قال :
ملكٌ تقومُ الحادثاتُ لعدله *** فلكلِّ حادثةٍ لها مِيزَانُ
ويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع . وخرج اللالكائي الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه : ( إن ملكا موكلا بالميزان فيؤتي بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان ، فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق : سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف نادي الملك شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا ) . وخرج عن حذيفة رضي الله عنه قال : ( صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام ) وقيل : للميزان كفتان وخيوط ولسان والشاهين ، فالجمع يرجع إليها . وقال مجاهد وقتادة والضحاك : ذكر الميزان مثل وليس ثم ميزان وإنما هو العدل . والذي وردت به الأخبار وعليه السواد الأعظم القول الأول . وقد مضى في " الأعراف " {[11274]} بيان هذا ، وفي " الكهف " {[11275]} أيضا . وقد ذكرناه في كتاب " التذكرة " مستوفى والحمد لله . و " القسط " العدل أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا . و " القسط " صفة الموازين ووحد لأنه مصدر ، يقال : ميزان قسط ، وميزانان قسط ، وموازين قسط . مثل رجال عدل ورضا . وقرأت فرقة " القصط " بالصاد . " ليوم القيامة " أي لأهل يوم القيامة . وقيل : المعنى في يوم القيامة . " فلا تظلم نفس شيئا " أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء . " وإن كان مثقال حبة من خردل " قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر " مثقال حبة " بالرفع هنا ، وفي " لقمان " {[11276]} على معنى إن وقع أو حضر ، فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر الباقون " مثقال " بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقال . ومثقال الشيء ميزانه من مثله . " أتينا بها " مقصورة الألف قراءة الجمهور أي أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها ولها . يجاء بها أي بالحجة ولو قال به أي بالمثقال لجاز . وقيل : مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال : " أتينا بها " . وقرأ مجاهد وعكرمة " آتينا " بالمد على معنى جازينا بها . يقال آتى يؤاتي مؤاتاة . " وكفى بنا حاسبين " أي محاسبين على ما قدموه من خير وشر . وقيل : " حاسبين " إذ لا أحد أسرع حسابا منا . والحساب العد . روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها : أن رجلا قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم ؟ قال : ( يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك ، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل ) قال : فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أما تقرأ كتاب الله تعالى : " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا " ) فقال الرجل : والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم ، أشهدك أنهم أحرار كلهم . قال حديث غريب .
ولما بيّن ما افتتحت السورة من اقتراب{[51054]} الساعة بالقدرة عليه واقتضاء الحكمة له ، وأن كل أحد{[51055]} ميت لا يستطيع شيئاً من الدفع عن نفسه فضلاً عن غيره ، وختمت الآيات بإقرار الظالم بظلمه ، وكانت عادة كثير من الناس الجور عند القدرة ، بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل فقال عاطفاً على قوله { بل تأتيهم بغتة } : { ونضع } فأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى هوانه عنده وإن كان لكثرة الخلائق وأعمال كل منهم متعذراً عندنا { الموازين } {[51056]}المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها . ولما كانت الموازين آلة العدل ، وصفها به مبالغة فقال{[51057]} { القسط } أي العدل{[51058]} المميز للأقسام على السوية .
ولما كان يوم الجزاء علة في وضع المقادير ، عبر باللام ليشمل - مع ما يوضع فيه{[51059]} - ما وضع الآن لأجل الدينوية فيه{[51060]} فقال : { ليوم القيامة } الذي أنتم عنه - لإعراضكم عن الذكر - غافلون . {[51061]}ولما جرت العادة بأن الملك قد يكون عادلاً فظلم بعض أتباعه ، بين أن عظمته في إحاطة علمه وقدرته تأبى{[51062]} ذلك ، فبنى الفعل للمجهول فقال : { فلا } أي فتسبب عن هذا الوضع أنه لا { تظلم } أي من ظالم ما{[51063]} { نفس شيئاً } من عملها { وإن كان } أي{[51064]} العمل { مثقال حبة } {[51065]}هذا على قراءة الجماعة بالنصب .
والتقدير على قراءة نافع بالرفع : وإن وقع أو{[51066]} وجد { من خردل } أو{[51067]} أحقر منه ، وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة ، وزاد في تحقيره بضمير التأنيث لإضافته إلى المؤنث فقال{[51068]} : { أتينا بها } بما لنا من العظمة في العلم والقدرة وجميع صفات الكمال فحاسبناه عليها ، {[51069]}والميزان الحقيقي . ووزن الأعمال على صفة يصح وزنها معها بقدرة من لا يعجزه شيء .
ولما كان حساب الخلائق كلهم على ما صدر منهم أمراً باهراً للعقل ، حقره عند عظمته فقال{[51070]} : { وكفى بنا } {[51071]}أي بما لنا من العظمة{[51072]} { حاسبين* } أي لا يكون في الحساب أحد مثلنا ، ففيه توعد من جهة أن معناه أنه لا يروج عليه شيء من خداع ولا يقبل{[51073]} غلطاً ، ولا يضل ولا ينسى ، إلى غير ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس أو شوب نقص ، ووعد من جهة أنه لا يطلع على كل حسن فقيد وإن دق وخفي{[51074]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.