في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (45)

26

بعد ذلك يلمس وجدانهم لمسة خاطفة بمشهد من مشاهد القيامة ، تبدو فيه الحياة الدنيا التي تزحم حسهم ، وتشغل نفوسهم ، وتأكل اهتماماتهم . . رحلة سريعة ، قضاها الناس هناك ، ثم عادوا إلى مقرهم الدائم ودارهم الأصيلة .

( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ، وما كانوا مهتدين ) . .

وفي هذه الجولة الخاطفة ننظر فإذا المحشورون مأخوذون بالمفاجأة ، شاعرون أن رحلتهم الدنيوية كانت قصيرة قصيرة ، حتى لكأنها ساعة من نهار قضوها في التعارف ، ثم أسدل الستار .

أو هذا مجرد تشبيه لهذه الحياة الدنيا ، وللناس الذين دخلوا ثم خرجوا ، كأن لم يفعلوا شيئاً سوى اللقاء والتعارف ?

إنه لتشبيه ، ولكنه حق اليقين وإلا فهل ينتهي البشر في هذه الأرض من عملية التعارف ? إنهم يجيئون ويذهبون وما يكاد أحدهم ينتهي من التعرف إلى الآخرين ، وما تكاد الجماعة فيهم تنتهي من التعرف إلى الجماعات الأخرى . ثم يذهبون .

وإلا فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون ويقع من سوء التفاهم بينهم وبين بعضهم في كل ساعة ما يقع . . . هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي أن يكون ?

وهذه الشعوب المتناحرة ، والدول المتخاصمة - لا تتخاصم على حق عام ، ولا على منهج سليم ، إنما تتعارك على الحطام والأعراض - هذه . هل عرف بعضها بعضاً ? وهي ما تكاد تفرغ من خصام حتى تدخل في خصام .

إنه تشبيه لتمثيل قصر الحياة الدنيا . ولكنه يصور حقيقة أعمق فيما يكون بين الناس في هذه الحياة . . ثم يرحلون !

وفي ظل هذا المشهد تبدو الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة ، وكذبوا بلقاء الله ، وشغلوا عنه واستغرقوا في تلك الرحلة - بل تلك الومضة - فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم ؛ ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية :

( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ، وما كانوا مهتدين ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (45)

قوله تعالى : " ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا " بمعنى كأنهم خففت ، أي كأنهم لم يلبثوا في قبورهم . " إلا ساعة من النهار " أي قدر ساعة : يعني أنهم استقصروا طول مقامهم في القبور لهول ما يرون من البعث ، دليله قولهم : " لبثنا يوما أو بعض يوم{[8500]} " [ الكهف : 19 ] . وقيل : إنما قصرت مدة لبثهم في الدنيا من هول ما استقبلوا ، لا مدة كونهم في القبر . ابن عباس : رأوا أن طول أعمارهم في مقابلة الخلود كساعة . " يتعارفون بينهم " في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في " يحشرهم " . ويجوز أن يكون منقطعا ، فكأنه قال فهم يتعارفون . قال الكلبي : يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا إذا خرجوا من قبورهم ، وهذا التعارف تعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر ، وليس تعارف شفقة ورأفة وعطف . ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة كما قال : " ولا يسأل حميم حميما{[8501]} " [ المعارج : 10 ] . وقيل : يبقى تعارف التوبيخ ، وهو الصحيح لقوله تعالى : " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون " إلى قوله " وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا{[8502]} " [ سبأ : 31 - 33 ] وقوله : " كلما دخلت أمة لعنت أختها{[8503]} " [ الأعراف : 38 ] الآية ، وقوله : " ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا{[8504]} " [ الأحزاب : 67 ] الآية . فأما قوله : " ولا يسأل حميم حميما " وقوله : " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم{[8505]} " [ المؤمنون : 101 ] فمعناه لا يسأله سؤال رحمة وشفقة ، والله أعلم . وقيل : القيامة مواطن . وقيل : معنى " يتعارفون " يتساءلون ، أي يتساءلون كم لبثتم ، كما قال : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون{[8506]} " [ الصافات : 27 ] وهذا حسن . وقال الضحاك : ذلك تعارف تعاطف المؤمنين ، والكافرون لا تعاطف عليهم ، كما قال : " فلا أنساب بينهم " . والأول أظهر ، والله أعلم .

قوله تعالى : " قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله " أي بالعرض على الله . ثم قيل : يجوز أن يكون هذا إخبارا من الله عز وجل بعد أن دل على البعث والنشور ، أي خسروا ثواب الجنة . وقيل : خبروا في حال لقاء الله ؛ لأن الخسران إنما هو في تلك الحالة التي لا يرجى فيها إقالة ولا تنفع توبة . قال النحاس : ويجوز أن يكون المعنى يتعارفون بينهم ، يقولون هذا . " وما كانوا مهتدين " بريد في علم الله .


[8500]:راجع ج 10 ص 374.
[8501]:راجع ج 18 ص 284.
[8502]:راجع ج 14 ص.
[8503]:راجع ج 7 ص 204.
[8504]:راجع ج 14 ص.
[8505]:راجع ج 12 ص 151.
[8506]:راجع ج 15 ص 73