( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لا تبعوك ، ولكن بعدت عليهم الشقة ؛ وسيحلفون باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم ، يهلكون أنفسهم ، واللّه يعلم إنهم لكاذبون . عفا اللّه عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ? لا يستأذنك الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم واللّه عليم بالمتقين . إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر ، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ؛ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره اللّه انبعاثهم ، فثبطهم ، وقيل : اقعدوا مع القاعدين . لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ، وفيكم سماعون لهم ، واللّه عليم بالظالمين . لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر اللّه وهم كارهون ) . .
لو كان الأمر أمر عرض قريب من أعراض هذه الأرض ، وأمر سفر قصير الأمد مأمون العاقبة لاتبعوك ! ولكنها الشقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة . ولكنه الجهد الخطر الذي تجزع منه الأرواح الهزيلة والقلوب المنخوبة . ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة .
وإنه لنموذج مكرور في البشرية ذلك الذي ترسمه تلك الكلمات الخالدة :
( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ) . .
فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة . كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص . كثيرون تعرفهم البشرية
في كل زمان وفي كل مكان ، فما هي قلة عارضة ، إنما هي النموذج المكرور . وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة ، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب ، واجتنبوا أداء الثمن الغالي ، فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص !
( وسيحلفون باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم ) . .
فهو الكذب المصاحب للضعف أبداً . وما يكذب إلا الضعفاء . أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين . فالقوي يواجه والضعيف يداور . وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام . .
بهذا الحلف وبهذا الكذب ، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس ، واللّه يعلم الحق ، ويكشفه للناس ، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه ، ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران .
يريد به المتخلفين عنه في غزوة " تبوك " ، بيَّنَ سبحانه أنه لو كانت المسافةُ قريبةً ، والأمرُ هيِّناً لَمَا تخلَّفوا عنك ؛ لأنَّ مَنْ كان غيرَ متحقِّقٍ في قَصْدِه كان غيرَ بالغ في جهده ، يعيش على حَرْفٍ ، ويتصرَّف بحرف ، فإِنْ أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإنْ أصابَتْه فتنةٌ انقلبَ على وجهه . وقال تعالى :{ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ }
فإذا رأيتَ المريدَ يتبعُ الرُّخَصَ ويَجْنَحُ إلى الكسل ، ويتعلَّلُ بالتأويلاتِ . . فاعلَمْ أنه مُنْصَرِفٌ عن الطريق ، متخلِّفٌ عن السلوك ، وأنشدوا :
وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً *** مَلَّ الوصال وقال : كان وكانا
ومَنْ جَدَّ في الطلب لم يُعَرِّج في أوطان الفشل ، ويواصل السير والسُّرى ، ولا يحتشم من مقاساة الكدِّ والعناء ، وأنشدوا :
ثم قطعتُ الليلَ في مهمهٍ *** لا أسداً أخشى ولا ذئبا
يغلبني شوقي فأطوي السُّرى *** ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا
{ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ }[ التوبة : 42 ] : يمين المتعلِّلِ والمُتَأَوِّلِ يمينٌ فاجرةٌ تشهد بكذبها عيون الفراسة ، وتنفر منها القلوب ، فلا تجد من القلوب محلاً .
عرضا قريبا : نفعا سهل المأخذ .
سفرا قاصدا : سفرا قريبا سهلا .
الشقة : المسافة التي تقطع بمشقة .
42 – { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة . . . } الآية .
قال الفخر الرازي : نزلت هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك . اه .
وقد وبخ الله فيها المنافقين الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف مظهرين أنهم ذو أعذار وكانوا كاذبين .
لو كان الأمر الذي دعوتهم إليه أو منفعة قريبة المنال ، أو سفرا سهلا قريبا لا عناء فيه ؛ لا تبعوك ؛ طمعا في الحصول على المغانم القريبة السهلة ، ولكنهم تخلفوا حينما رأوا أن السفر شاق إلى مسافة بعيدة إلى الشام ، ويحتاج إلى تضحيات جسيمة ؛ فآثروا الجبن والراحة والسلامة ، والتفيؤ في الظلال وقت الحر والقيظ ؛ فدل ذلك على أنهم جماعة نفعيون ماديون دنيويون .
وشبيه بهذه الفقرة من الآية قول الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن المتخلفين عن صلاة الجماعة في الحديث المتفق عليه : " لو يعلم أحدهم أنه يجد لحما سمينا ، أو عظما عليه لحم لشهد العشاء " 82 .
{ وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون } .
قال الفخر الرازي : أخبر الله رسوله عن المنافقين ، إثر عودته من غزوة تبوك ، بأنهم سيحلفون له ؛ والأمر لما وقع ، كما أخبر الله تعالى ؛ كان هذا إخبارا عن الغيب فكان معجزا .
وسيقسمون بالله باليمين الكاذبة عند رجوعك من غزوة تبوك ، قائلين على سبيل الاعتذار عن تخلفهم : لو كنا نستطيع الخروج معك إلى تبوك لخرجنا إليها ؛ فإننا لم نتخلف عن الخروج معكم إلا مضطرين ، فقد كانت لنا أعذارنا القاهرة التي حملتنا على التخلف .
يهلكون أنفسهم بهذه اليمن الفاجرة ، يقسمون بها على الإدعاء الكاذب .
{ والله يعلم إنهم لكاذبون } . فقد كانوا يستطيعون الخروج ، ولم يكن لهم عذر في التخلف ، ولكنهم آثروا الدعة والراحة ، وزهدوا في الجهاد ثم تجرءوا على اليمين الغموس كذبا على الله ورسوله .
وفي الحديث الشريف : عن خيثمة بن سليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اليمين الغموس تدع الديار بلاقع " 83 .
واليمين الغموس من الكبائر ، ولا يكفرها إلا الغمس في نار جهنم .
ولكن المنافقين ، وهنت عزيمتهم وضعف يقينهم ؛ فآثروا الراحة ، واستهانوا بالأيمان ، ليرضوا بها الناس ، وكان الأولى بهم أن يرضوا رب الناس . قال تعالى : { يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } . ( التوبة : 96 ) .
{ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 42 ) }
وبَّخ الله جلَّ جلاله جماعة من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف عن غزوة ( تبوك ) مبينًا أنه لو كان خروجهم إلى غنيمة قريبة سهلة المنال لاتبعوك ، ولكن لما دعوا إلى قتال الروم في أطراف بلاد ( الشام ) في وقت الحر تخاذلوا ، وتخلفوا ، وسيعتذرون لتخلفهم عن الخروج حالفين بأنهم لا يستطيعون ذلك ، يهلكون أنفسهم بالكذب والنفاق ، والله يعلم إنهم لكاذبون فيما يبدون لك من الأعذار .
ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك : { لو كان عرضًا قريباً } ، واسم كان مضمر ، أي : لو كان ما تدعونهم إليه عرضا قريبا ، أي : غنيمة قريبة المتناول ، { وسفراً قاصداً } ، أي قريبا هينا ، { لاتبعوك } ، لخرجوا معك ، { ولكن بعدت عليهم الشقة } أي : المسافة ، والشقة : السفر البعيد ، لأنه يشق على الإنسان . وقيل : الشقة الغاية التي يقصدونها ، { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم } ، يعني باليمين الكاذبة ، { والله يعلم إنهم لكاذبون } ، في أيمانهم وإيمانهم ، لأنهم كانوا مستطيعين .