في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (11)

( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما . قل : ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة . والله خير الرازقين ) . .

عن جابر - رضي الله عنه - قال : " بينا نحن نصلي مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إذ أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلا اثنا عشر رجلا ، منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . فنزلت : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) . . "

وفي الآية تلويح لهم بما عند الله وأنه خير من اللهو ومن التجارة . وتذكير لهم بأن الرزق من عند الله ( والله خير الرازقين ) . .

وهذا الحادث كما أسلفنا يكشف عن مدى الجهد الذي بذل في التربية وبناء النفوس حتى انتهت إلى إنشاء تلك الجماعة الفريدة في التاريخ . ويمنح القائمين على دعوة الله في كل زمان رصيدا من الصبر على ما يجدونه من ضعف ونقص وتخلف وتعثر في الطريق . فهذه هي النفس البشرية بخيرها وشرها . وهي قابلة أن تصعد مراقي العقيدة والتطهر والتزكي بلا حدود ، مع الصبر والفهم والإدراك والثبات والمثابرة ، وعدم النكوص من منتصف الطريق . والله المستعان

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (11)

9

المفردات :

انفضوا إليها : تفرقوا عنك قاصدين إليها .

التفسير :

11- { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } .

سبب النزول :

جاء في صحيح مسلم ، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة ، فجاءت عير من الشام ، فانتقل الناس إليها ، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، فأنزلت هذه الآيةix .

معنى الآية :

الآية تعيب على من خرج وترك المسجد ، عندما سمع الطّبل أو اللهو والغناء ، وتبين أنّ ما عند الله من فضل ورزق ، ورضى وثواب ، خير من اللهو الدنيوي والتجارة الدنيوية ، والرزق بيد الله ، فمن أدى فريضة الجمعة وخرج ساعيا على معاشه ، فإن الله يرزقه ، وهو خير الرازقين .

وقد ورد في تفسير ابن كثير :

وفي سنن أبي داود أن صلاة الجمعة كانت قبل خطبة الجمعة ، مثل صلاة العيدين ، فلما أدّوا صلاة الجمعة ، وجلسوا لاستماع الخطبة إذ بهم يسمعون صوت الطبل واللهو الذي يُضرب عند قدوم التجارة ، ليخبر الناس بقدومها فيذهبوا إليها ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ، وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح ، سرورا بها ، فلما دخلت العير كذلك ، انفض أهل المسجد إليها ، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر ، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت الآية .

والآية تعيب على الناس ترك المسجد ، والإسراع إلى صوت اللهو والتجارة ، وترك النبي صلى الله عليه وسلم قائما يخطب وليس أمامه إلا اثنا عشر رجلا .

ختام السورة:

متفرقات :

1- اختلف الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال كثيرة ، بلغت ثلاثة عشر قولا : فقال الحنفية : ثلاثة رجال سوى الإمام .

واشترط المالكية حضور اثني عشر رجلا للصلاة والخطبة .

وقال الشافعية والحنابلة : تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام .

2- يباح عقب الفراغ من صلاة الجمعة الانتشار في الأرض للسعي على الرزق ، وسائر الأعمال الدنيوية والدينية .

3- القيام في الخطبة شرط لا تصح إلاّ به عند الشافعية والحنابلة اتباعا للسنة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما خطب إلا قائما .

والقيام واجب غير شرط عند المالكية ، فإن جلس أتم خطبته وصحت .

والقيام في الخطبة سنة عند الحنفية ، فلو خطب الإمام قاعدا جاز لحصول المقصود ، إلا أنه يُكره لمخالفته الموروث .

4- الخطبة شرط في انعقاد الجمعة ، لا تصح إلا بها عند جمهور العلماء ، وقال سعيد بن جبير : الخطبة بمنزلة ركعتين من صلاة الظهر ، وصلاة الجمعة ركعتان .

5- الطهارة من الحدثين شرط في صحة الخطبة عند الشافعي في الجديد ، وليست شرطا عند الجمهور .

ملحق بتفسير الآيات

من كتاب ( فقه العبادات ) للدكتور عبد الله شحاتة

صلاة الجمعة

صلاة الجمعة فريضة محكمة ، ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة .

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ . . . } ( الجمعة : 9 ) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه " . ( رواه الخمسة ) .

وفي الحديث : " إن أهل الكتابين أُعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصُرفوا عنه ، وهدانا الله تعالى له ، وأخّره لهذه الأمة وجعله عيدا لهم ، فهم أولى الناس به سبقا ، وأهل الكتابين لهم تبع " . ( نتفق عليه )x

وقد أجمع المسلمون كافة على وجوب صلاة الجمعةxi .

آداب الجمعة

من آداب الجمعة ما يأتي :

1- الاستعداد لها من يوم الخميس بالذكر والاستغفار والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .

2- الاغتسال والنظافة والزينة والسواك ، حتى يظهر المسلم بالمظهر الجميل اللائق بالمجتمعات ، وحتى تسود المودة والمحبة بين الناس .

3- الابتعاد عن أكل الثوم والبصل ، وكل ما يسبب الروائح الكريهة المؤذية التي تنفر الناس .

4- التبكير إلى صلاة الجمعة ، والجلوس في الصف الأول ، وعدم مزاحمة الناس ، وعدم تخطي الرقاب ، والاشتغال بقراءة القرآن وصلاة التطوع .

5- قراءة سورة الكهف ، وسور الدهر والملك والسجدة ، أو ما تيسر للإنسان من القرآن .

6- الاشتغال بأعمال الخير من صدقة التطوع ، وصلاة النافلة ، وذكر الله ودعائه ، فإن في يوم الجمعة ساعة إجابة يستجاب فيها الدعاء .

7- قص الأظافر والشعر ، والتطيب ، والسعي إلى المسجد في سكينة ووقار . قال صلى الله عليه وسلم : " من غسل واغتسل ، وبكر وابتكر ، ودنا من الإمام واستمع ، غفر الله له إلى الجمعة الأخرى " . xii .

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد لا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غُفر له من الجمعة إلى الجمعة الأخرى " . xiii .

( رواه أحمد والبخاري ) .

خطبة الجمعة :

من مظاهر الوحدة الإسلامية توافد المسلمين أفرادا وجماعات إلى المسجد يوم الجمعة ، وعلى وجوههم الخضوع والإنابة ، وفي قلوبهم تقوى الله والإيمان به ، ولاستجابة لنداء الله القائل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ . . . } ( الجمعة : 9 ) .

وذكر الأستاذ عباس العقادxiv : أن مجاورة اليهود للمسلمين عادت باليهود إلى إحياء السنن التي تركوها ، كشعائر الوضوء والغسل ، ونظام الصلاة الجامعة ، ورعاية آداب المسجد ، والصمت والأدب في صلاة الجمعة .

ثم نقل اعترافا لرجل منهم دخل في الإسلام ، قال فيه : إن سبب إسلامه هو رؤية المصلين يوم الجمعة خاشعين خاضعين ، حيث صعد الخطيب المنبر في جبة سوداء ، وألقى عظة مناسبة تأثر بها من في المسجد ، وكان هذا من أسباب هدايته للإسلام .

آداب الخطبة :

إن خطبة الجمعة هي الغذاء الروحي لجماهير المصلين ، وهي النبأ الأسبوعي والرباط الروحي والمنبر التعليمي للتوجيه الديني ، وينبغي أن تكون خطبة المسلمين في أخص أحوال المسلمين .

ومما يساعد على نجاح الخطبة مراعاة الأمور الآتية :

1- وحدة الموضوع ، فإن التنقل في الخطبة الواحدة بين موضوعات شتى يقلل من روعتها ، ويضعف من قوة وقعها في النفوس وأثرها في القلوب .

2- تجنب التكرار ، فإن التكرار يبعث على الضجر والسآمة والملل .

3- جدية الموضوع ، وعرض أسرار الشريعة الإسلامية ومواطن القوة والحياة في القرآن والإسلام ، وربط ذلك بالحياة المعاصرة لإحياء الشعور الروحاني في ضمير الرجل العصري .

4- تنسيق الخطبة بأن يفتح الموضوع بمقدمة قصيرة ملائمة له ، ثم يعرض الموضوع مرتبا ترتيبا منطقيا متدرجا تدرجا يصل منه إلى الغاية في يسر ووضوح وملائمة لعقول السامعين .

5- يُسنّ للخطيب أن يُسلم على المصلين عند ارتقائه المنبر ، وأن يتحاشى الإطالة حتى لا يمل الناس فتضيع بذلك ثمرة الوعظ ، وأن يرفع صوته حتى يُسمع الحاضرين بقدر الإمكان ، وأن يتفاعل مع ما يقول بحيث يظهر عليه البِشْر في مواطن التبشير والترغيب ، والغضب في مواطن الإنذار والترهيب .

6- هناك فرق بين الخطبة والدرس والمحاضرة ، فتتميز الخطبة بإثارة الانفعال ، وقصر العبارة ، ومخاطبة العاطفة ، وتحريك نوازع الخير ، وتسلسل الموضوع ، وتنويع الصوت بتنوع الأسلوب ، فيكون خفضه ورفعه بحسب ما يقتضيه المقام من تعجب ، واستفهام ، ودعاء ، ورجاء .

7- على الخطيب أن يبدأ الخطبة بحمد الله والثناء عليه ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يورد آية من القرآن أو سورة خفيفة ، وأن يزين خطبته بالحديث النبوي والنصوص الدينية ، ثم يجلس في نهاية الخطبة الأولى جلسة خفيفة يتمكن المصلون خلالها من الدعاء ، ثم يبدأ الخطبة الثانية بالحمد والثناء ، ويجعل الخطبة الثانية مختصرة مركزة ، وربما أورد فيها خاتمة للخطبة الأولى تكون صدى لموضوعه وتتمة لعرضه ، ومن الجائز أن تكون مستقلة عن الخطبة الأولى أو مشتملة على توجيه جديد ، ثم يعقبها بالدعاء للمسلمين والمسلمات .

8- يستحب أن يكون الخطيب بليغا ، مواظبا على الصلاة ، ملتزما بما يقوله ، فإن القدوة العملية لها أكبر الأثر في تقبل الموعظة ، وخطيب المسجد رائد ديني وموجه للحي ، فلو نهض إمام المسجد بواجبه لكان لذلك أثره في النهوض الديني والاجتماعي والرقي الفكري والإنساني .

الخطبة ثم الصلاة :

بعد استماع الخطبة في إنصات وأدب ، وصمت وخشوع ، ينزل الخطيب من على المنبر فيصلي بالناس صلاة الجمعة ، وهي ركعتان ، يقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة .

روى سمرة بن جندب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة : سبّح باسم ربك الأعلى . و : هل أتاك حديث الغاشية . xv . ( رواه أبو داود والنسائي ) .

من تجب عليه الجمعة :

تجب الجمعة على : المسلم ، الحر ، العاقل ، البالغ ، المقيم ، القادر على السعي إليها ، الخالي من الأعذار المبيحة للتخلف عنها .

من لا تجب عليه الجمعة :

لا تجب الجمعة على الأصناف الآتية :

1- المرأة .

2- الصبي .

3- المريض .

4- المسافر .

5- المختفي من الحاكم الظالم .

6- كل معذور مرخص له في ترك الجماعة ، كعذر المطر والوحل والبرد ونحو ذلك .

وكل هؤلاء لا جمعة عليهم ، وإنما يجب عليهم أن يصلوا الظهر ، ومن صلى منهم الجمعة صحت منه ، وسقطت عنه فريضة الظهر ، وكانت النساء يحضرن إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلين معه الجمعة .

وقت الجمعة :

ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين إلى أن وقت الجمعة هو وقت الظهر ، وذهب الحنابلة إلى أن وقت الجمعة من أول وقت صلاة العيدxvi إلى آخر وقت الظهر .

العدد الذي تنعقد به الجمعة :

لا خلاف بين العلماء في أن الجماعة شرط من شروط صحة الجمعة ، للحديث الشريف : " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة " xvii .

واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة ، فقال الحنفية : أقله خمسة ، وقال المالكية : أقله اثنا عشر ، وقال الشافعية والحنابلة : أقله أربعون .

وجاء في فقه السنة : والرأي الراجح أنها تصح باثنين فأكثر ، للحديث الشريف : " الاثنان فما فوقهما جماعة " xviii .

مكان الجمعة :

الجمعة يصح أداؤها في المصر والقرية والمسجد وأبنية البلد والفضاء التابع لها ، كما يصح أداؤها في العزب والكفور ، ويصح أن تتعدد الجمعة بعدد المساجد .

وقال الحنفية : لا تقام الجمعة إلا في المصر الجامع ، ولابد فيها من السلطان أو نائبه .

ورأي الجمهور أقوى وأولى من رأي الحنفية .

قال صاحب الروضة الندية : هي كسائر الصلوات لا تخالفها ، لكونه لم يأت ما يدل على أنها تحالفها ، وفي هذا الكلام إشارة إلى ردّ ما قيل من أنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم والمصر الجامع والعدد المنصوص ، فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبهاxix .

حكمة الجمعة :

الجمعة لقاء أسبوعي منظم ، يلتقي فيه المسلمون لتدارس شئونهم وتدبر أمورهم ، والتفقه في شئون دينهم . ولقد كان الأسبوع من قديم الزمان وحدة زمنية معترفا بها بين العرب والعجم جميعا ، وكان لأهل كل دين فيه يوم مفضل ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، ثم كان للمسلمين يوم الجمعة ، وقد ميزه الله باستجابة الدعاء ، ومضاعفة الثواب ، وجعله موسما لقراءة القرآن وإكثار الصدقة وشهود الجماعة والجمعة .

قال صلى الله عليه وسلم : " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بين الجمعتين " xx .

خطيب الجمعة :

خطيب الجمعة هو لسان المسلمين وداعيتهم إلى الله ، ومن الواجب أن يكون الداعية إلى الله محيطا بالقرآن ، عارفا بالسنة ، دارسا لمجموعة من العلوم والمعارف ، خبيرا بحاجة المجتمع ، بصيرا بمواطن الداء وتحديد الدواء .

لقد مرّت على الناس أزمان كان الخطيب يكرر على المصلين خطبا مسموعة معدة من ديوان أو كتاب ، لا روح فيها ولا حياة ، والآن تتطور المجتمعات وتتفتح الأذهان ، وينتبه الناس إلى أن الدين الحق هو روح المجتمع وسعادته ، وقد سعد المسلمون بقربهم من الإسلام وحبهم للقرآن ، فالتزموا أوامر الله وأخلصوا لدينه فنصرهم الله على العباد وفتح لهم البلاد ، وحين ابتعد المسلمون عن الإسلام أصابهم التأخر والجمود .

والعلماء والخطباء هم دعاة الحق ومصابيح الهدى ، فعليهم أن يعملوا على النهوض برسالتهم ، وأن يعدوا خطبهم ، وأن يوسعوا دائرة ثقافتهم ، وأن يتعرفوا على خصائص الجمهور الذي يتحدثون إليه ، فالفلاح والعامل والصانع والتاجر وغيرهم ، لكل فئة من هذه الفئات حديث يؤثر فيها ويثير اهتمامها ، ويحرك بواعث الخير ، ودوافع الإيمان في قلوبهم ، وقد أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم ، وأن نحدثهم بنفس حديثهم .

قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم . . . }( إبراهيم : 4 ) .

وحماسة الخطيب لموضوعه واقتناعه به له أكبر الأثر في قبول الخطبة وعظم تأثيرها .

روى مسلم ، وابن ماجة ، عن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش ، يقول صبحكم ومساكم . xxi

اقتصاد الخطيب في التخويف والتحذير :

درج بعض الخطباء على تحذير الناس من الشر وتذكيرهم بالموت ، وتكرير نغمة رتيبة عن فساد المجتمع ، وما أصاب النساء من الخلاعة ، وما مني به الشباب من الاستهتار ، وهذا كلام للاستهلاك المحلي ، لا يفيد إلا اليأس والأسف ، ولا نمانع من التعرض له تعرضا يسيرا بقصد التوجيه والإفادة ، ولكنا نمانع تكرير الخطب في أمور سلبية ، كالأسف على فساد الزمان ، أو التخويف من الموت والبلى ، وفناء الدنيا وهجوم الموت على الإنسان ، نريد أن تكون الخطبة أسلوبا للبناء وطريقا لإحياء العادات السليمة ، والمنهج القرآني الحكيم الذي أعد الرجال ومنحهم العزيمة والثقة والإيمان والثبات ، ورسم الطريق للأسرة المؤمنة ولتكافل المجتمع ، وتواصى الناس بالخير والصبر ، ودفع المؤمنين إلى الجهاد والنضال وبناء صرح الإسلام عاليا حتى يكون المسلمون خير أمة أخرجت للناس .

قال النووي :

يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة ، مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير ، ولا تكون ألفاظا مبتذلة ملفقة لأنها لا تقع في النفوس موقعا كاملا ، ولا تكون وحشية لأنها لا يحصل مقصودها ، بل يختار ألفاظا جزلة مفهمة .

وقال ابن القيم :

وكذلك كانت خطبه صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ، وذكر الجنة والنار ، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته ، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته ، فيملأ القلوب من خطبه إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وأيامه ، لا كخطب غيره التي تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت ، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله ولا توحيدا له ، ولا معرفة خاصة ولا تذكيرا بأيامه ، ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه ، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم ، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا ؟ وأي توحيد وعلم نافع يحصل به ؟ ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد ، وذكر صفات الرب جل جلاله ، وأصول الإيمان الكلية ، والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه ، وأيامه التي تخوفهم من بأسه ، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه ، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم ، ثم طال العهد وخفي نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقوم من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به ، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها ، وأخلوا بالمقاصد التي ينبغي الإخلال بها ، فرصعوا الخطب بالتسجيع وعلم البديع ، فنقص – بل عدم – حظ القلوب منها ، وفات المقصود بها .

حرمة الكلام أثناء الخطبة :

ذهب الجمهور إلى وجوب الإنصات وحرمة الكلام أثناء الخطبة ، ولو كان أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر ، سواء أكان يسمع الخطبة أم لا .

عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له : أنصت ، لا جمعة له " xxii

حكم المسبوق في صلاة الجمعة :

من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة ، وعليه أن يضيف إليها أخرى .

قال صلى الله عليه وسلم : " من أدرك الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة كلها " . ( رواه الجماعة ) .

وأما من أدرك أقل من ركعة فإنه لا يكون مدركا للجمعة ويصلي ظهرا أربعاxxiii

قال ابن مسعود : من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا . ( رواه الطبراني بسند حسن ) .

الصلاة في الزحام :

يجوز في الزحام أن يسجد المصلي على ظهر الذي أمامه أو على رجله .

روى أحمد ، والبيهقي ، عن سيار ، قال : سمعت عمر وهو يخطب يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى هذا المسجد ونحن معه – المهاجرون والأنصار – فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل على ظهر أخيه . ورأى قوما يصلون في الطريق فقال : صلوا في المسجدxxiv .

تم بحمد الله تعالى تفسير سورة ( الجمعة ) عصر يوم الخميس 30 من شوال 1421 ه ، الموافق 25 من يناير 2001 والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلّم تسليما كثيرا .

******

i تفسير النسفي 4/191 .

ii هاجر جعفر مع السابقين الأولين ، فأرسلت قريش وراء المهاجرين عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليرد هؤلاء المهاجرين إلى قريش لأنهم سفهاء قد فارقوا دينهم ، فأصر النجاشي على أن يستمع إلى وجهة نظر المسلمين المهاجرين .

iii للكاتب ج . ه . دنيسون في كتاب : العواطف كأساس للحضارة .

iv إن لربك عليك حقا :

رواه البخاري في الصوم ( 1968 ) وفي الأدب ( 6139 ) والترمذي في الزهد ( 2413 ) من حديث أبي جحيفة قال : آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقل لها : ما شأنك ؟ قلت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا ، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال : كُل ، قال : فإني صائم ، ما أنا بآكل حتى تأكل ، قال : فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال : نم ، فنام ، ثم ذهب يقوم فقال : نم ، فلما كان من آخر الليل قل سلمان : قم الآن ، فصليا فقال له سلمان : إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " صدق سلمان " .

ورواه البخاري في الصوم ( 1974-1975 ) وفي النكاح ( 5199 ) وفي الأدب ( 6134 ) ومسلم في الصيام ( 1159 ) والنسائي في الصيام ( 2391 ) وأحمد في مسنده ( 6828 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ، يعني : إن لزورك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا " : فقلت : وما صوم داود ؟ قال : " نصف الدهر " .

ورواه أبو داود في الصلاة ( 1369 ) وأحمد في مسنده ( 25776 ) من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى عثمان بن مظعون فجاءه فقال : " يا عثمان أرغبت عن سنتي " ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، ولكن سنتك أطلب ، قال : " فإني أنام وأصلي ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا ، فصم وأفطر وصل ونم " .

v رواه بن أبي حاتم .

vi أعطيت خمسا لم يعطهن نبي :

رواه البخاري في التيمم ( 335 ) وفي الصلاة ( 438 ) ومسلم في المساجد ( 521-523 ) والنسائي في الغسل ( 432 ) وفي المساجد ( 736 ) والدارمي في الصلاة ( 1389 ) وأحمد ( 13852 ) من حديث جابر . ورواه مسلم في المساجد ( 523 ) والترمذي في السير ( 1553 ) وابن ماجة في الطهارة ( 567 ) وأحمد ( 7225- 7355-9412 ) من حديث أبي هريرة . ورواه أبو داود في الصلاة ( 489 ) والدارمي في السير ( 2467 ) وأحمد ( 20792 ) من حديث أبي ذر . ورواه أحمد ( 2256-2737 ) من حديث ابن عباس . ورواه أحمد ( 8028 ) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . ورواه أحمد ( 19236 ) من حديث أبي موسى .

vii لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال :

رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4898 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال : قلت : من هم يا رسول الله . ؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء " . حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثا عبد العزيز أخبرني ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لناله رجل من هؤلاء " .

viii لو فعل لأخذته الملائكة عيانا :

رواه أحمد في مسنده ( 2226 ) من حديث ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه قال : فقال : " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا " .

ix كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام :

رواه مسلم في الجمعة ( 863 ) من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، فأزلت هذه الآية التي في الجمعة { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما } .

x إحياء علوم الدين 1/160 وبه فصول عدة عن فضل الجمعة وآدابها وشروطها ، فمن راد التوسع فليرجع إليه .

xi محمد جواد مغنيه : الفقه على المذاهب الخمسة ، ص 149 .

xii من اغتسل يوم الجمعة وغسل وبكر وابتكر ودنا :

رواه الترمذي في الجمعة ( 496 ) والنسائي في الجمعة ( 1381 ) وأحمد في مسنده ( 6915 ) من حديث أوس بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اغتسل يوم الجمعة وغسل وبكر وابتكر ودنا واستمع وأنصت كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها " .

قال أبو عيسى : حديث أوس بن أوس حديث حسن .

xiii لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع :

رواه البخاري في الجمعة ( 883 ) من حديث سلمان الفارسي قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " .

xiv انظر كتاب : ما يقال عن الإسلام ، ص 145 تحت عنوان : أثر الإسلام في العبادة اليهودية .

xv كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى :

رواه أبو داود في الصلاة ( 1125 ) والنسائي في الجمعة ( 1422 ) من حديث سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أتاك حديث الغاشية .

xvi وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قدر رمح أو رمحين ، أو بعد طلوعها بثلث ساعة ، فوقت الجمعة عند الحنابلة ممتد من الضحى إلى أذان العصر .

xvii انظر فقه السنة 2/260

xviii المرجع السابق .

xix نقلا عن فقه السنة 2/262 .

xx من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة :

رواه الدارمي في فضائل القرآن ( 3407 ) من حديث أبي سعيد الخدري قال : من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق .

xxi صبحكم ومساكم : أي أتاكم العدو وقت الصباح أو وقت المساء .

xxii رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزر والطبراني ، قل الحافظ في بلوغ المرام : إسناده لا بأس به ، ومعنى لا جمعة له : أي لا جمعة كاملة .

xxiii ينوي الجمعة ويتمها ظهرا ، ويتندر الفقهاء عنه بقولهم : رجل صلى ولا نوى ، ونوى ولا صلى ، أي : صلى الظهر ولم ينوه ، ونوى الجمعة ولم يصلها .

xxiv فقه العبادات د . عبد الله شحاته الهيئة المصرية العامة للكتاب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (11)

{ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } أخرج الإمام أحمد . والبخاري . ومسلم . والترمذي . وجماعة عن جابر بن عبد الله قال : «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم . وأبو بكر . وعمر فأنزل الله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة } إلى آخر السورة ، وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس أنه بقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً " وفي رواية عن قتادة " والذي نفس محمد بيده لو اتبع آخركم أو لكم لالتهب الوادي عليكم ناراً " وقيل : لم يبق إلا أحد عشر رجلاً ، وهم على ما قال أبو بكر : غالب بن عطية العشرة المبشرة . وعمار في رواية . وابن مسعود في أخرى ، وعلى الرواية السابقة عدوا العشرة أيضاً منهم . وعدوا بلالا . وجابراً لكلامه السابق ، ومنهم من لم يذكر جابراً وذكر بلالاً . وابن مسعود . ومنهم من ذكر عماراً بدل ابن مسعود ، وقيل : لم يبق إلا ثمانية ، وقيل : بقي أربعون ، وكانت العير لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى تحمل طعاماً ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر .

ختام السورة:

وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل بن حيان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة قدم بتجارة وكان إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف فخرج الناس ولم يظنوا إلا أنه ليس في ترك حضور الخطبة شيء فأنزل الله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ } الخ فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة ، ولا أظن صحة هذا الخبر ، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل مقدماً خطبتها عليها ، وقد ذكروا أنها شرط صحتها وشرط الشيء سابق عليه ، ولم أر أحداً من الفقهاء ذكر أن الأمر كان كما تضمنه ولم أظفر بشيء من الأحاديث مستوف لشروط القبول متضمن ذلك ، نعم ذكر العلامة ابن حجر الهيتمي أن بعضهم شذ عن الإجماع على كون الخطبة قبلها والله تعالى أعلم ، والآية لما كانت في أولئك المنفضين وقد نزلت بعد وقوع ذلك منهم قالوا : إن { إِذَا } فيها قد خرجت عن الاستقبال واستعملت للماضي كما في قوله

: وندمان تزيد الكاس طيبا *** سقيت «ذا » تغورت النجوم

ووحد الضمير لأن العطف بأو واختير ضمير التجارة دون اللهو لأنها الأهم المقصود ، فإن المراد باللهو ما استقبلوا به العير من الدف ونحوه ، أو لأن الانفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموماً فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو وهو مذموم في نفسه ؟ا وقيل : الضمير للرؤية المفهومة من { رَأَوْاْ } وهو خلاف الظاهر المتبادر ، وقيل : في الكلام تقدير ، والأصل إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهواً انفضوا إليه فحذف الثاني لدلالة الأول عليه ، وتعقب بأنه بعد العطف بأو لا يحتاج إلى الضير لكل منهما بل يكفي الرجوع لأحدهما فالتقدير من غير حاجة ، وقال الطيبي : يمكن أن يقال : إن { أَوْ } في { أَوْ لَهْواً } مثلها في قوله : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى *** وصورتها «أو » أنت في العين أملح

فقال الجوهري : يريد بل أنت فالضمير في { إِلَيْهَا } راجع إلى اللهو باعتبار المعنى ، والسر فيه أن التجارة إذا شغلت المكلف عن ذكر الله تعالى عدت لهواً ، وتعدّ فضلاً إن لم تشغله كما في قوله تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله } [ الجمعة : 10 ] انتهى وليس بشيء كما لا يخفي .

وقرأ ابن أبي عبلة إليه بضمير اللهو ، وقرئ إليهما بضمير الاثنين كما في قوله تعالى : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا } [ النساء : 135 ] وهو متأول لأنه بعد العطف بأو لكونها لأحد الشيئين لا يثنى الضمير وكذا الخبر ، والحال والوصف فهي على هذه القراءة بمعنى الواو كما فيل به في الآية التي ذكرناها { وَتَرَكُوكَ قَائِماً } أي على المنبر .

واستدل به على مشروعية القيام في الخطبة وهو عند الحنفية أحد سننها ، وعند الشافعية هو شرط في الخطبتين إن قدر عليه ، وأخرج ابن ماجه . وغيره عن ابن مسعود أنه سئل أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً ؟ فقال : أما تقرأ { وَتَرَكُوكَ قَائِماً } ؟ وكذا سئل ابن سيرين . وأبو عبيدة ، وأجابا بذلك ، وأول من خطب جالساً معاوية .

ولعل ذلك لعجزه عن القيام ، وإلا فقد خالف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري . ومسلم والترمذي . والنسائي . وابن ماجه عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب خطبتين يجلس بينهما ، وذكر أبو حيان أن أول من استراح في الخطبة عثمان رضي الله تعالى عنه ، وكأنه أراد بالاستراحة غير الجلوس بين الخطبتين إذ ذاك ما كان عليه صلى الله عليه وسلم . وأبو بكر . وعمر رضي الله تعالى عنهما { قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهو وَمِنَ التجارة } فإن ذلك نفع محقق مخلد بخلاف ما فيهما من النفع ، فإن نفع اللهو ليس بمحقق بل هو متوهم ، ونفع التجارة ليس بمخلد ، وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة كما توهم بل لأنه أقوى مذمة ، فناسب تقديمه في مقام الذم ، وقال ابن عطية : قدمت التجارة على اللهو في الروية لأنها أهم ، وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولا على الأبين ، وهو قريب مما ذكرنا .

وقال الطيبي : قدم ما كان مؤخراً وكرر الجار لإرادة الاطلاق في كل واحد ، واستقلاله فيما قصد منه ليخالف السابق في اتحاد المعنى لأن ذلك في قصة مخصوصة ، واستدل الشيخ عبد الغني النابلسي عفا الله تعالى عنه على حل الملاهي بهذه الآية لمكان أفعل التفضيل المقتضى لإثبات أصل الخيرية للهو كالتجارة ، وأنت تعلم أن ذلك مبني على الزعم والتوهم ، وأعجب منه استدلاله على ذلك بعطف التجارة المباحة على اللهو في صدر الآية ، والأعجب الأعجب أنه ألف رسائل في إباحة ذلك مما يستعمله الطائفة المنسوبة إلى مولانا جلال الدين الرومي دائرة على أدلة أضعف من خصر شادت يدور على محور الغنج في مقابلتهم ، ومنها أكاذيب لا أصل لها لن يرتضيها عاقل ولن يقبلها ، ولا أظن ما يفعلونه إلا شبكة لاططياد طائر الرزق والجهلة يظنونه مخلصاً من ربقة الرق ، فإياك أن تميل إلى ذلك وتوكل على الله تعالى المالك { والله خَيْرُ الرزقين } فإليه سبحانه اسعوا ومنه عز وجل اطلبوا الرزق .

واستدل بما وقع في القصة على أقل العدد المعتبر في جماعة الجمعة بأنه اثنا عشر بناءاً على ما في أكثر الروايات من أن الباقين بعد الانفضاض كانوا كذلك ، ووجه الدلالة منه أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على اثني عشر دل على أن هذا العدد كاف ، وفيه أن ذلك وإن كان دالاً على صحتها باثني عشر رجلاً بلا شبهة لكن ليس فيه دلالة على اشتراط اثني عشر ، وأنها لا تصح بأقل من هذا العدد ، فإن هذه واقعة عين أكثر ما فيها أنهم انفضوا وبقي اثنا عشر رجلاً وتمت بهم الجمعة ، وليس فيها أنه لو بقي أقل من هذا العدد لم تتم بهم ، وفيما يصنع الإمام إن اتفق تفرق الناس عنه في صلاة الجمعة خلاف : فعند أبي حنيفة إن بقي وحده ، أو مع أقل من ثلاثة رجال يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع ، وعند صاحبيه إذا كبروهم معه معي فيها ، وعند زفر إذا نفروا قبل القعدة بطلت لأن العدد شرط ابتداءً فلا بد من دوامه كالوقت ، ولهما أنه شرط الانعقاد فلا يشترط دوامه كالخطبة ، وللإمام أن الانعقاد بالشروع في الصلاة ولا يتم ذلك إلا بتمام الركعة لأن ما دونها ليس بصلاة فلا بد من دوامه إلى ذلك بخلاف الخطبة لأنها تنافي الصلاة فلا يشترط دوامها .

وقال جمهور الشافعي : إن انفض الأربعون ، أو بعضهم في الصلاة ولم يحرم عقب انفضاضهم في الركعة الأولى عدد نحوهم سمع الخطبة بطلت الجمعة فيتمونها ظهراً لنحو ما قال زفر ، وفي قول : لا يضر إن بقي إثنان مع الإمام لوجود مسمى الجماعة إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وتمام ذلك في محله .

/ وطعن الشيعة لهذه الآية الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنهم آثروا دنياهم على آخرتهم حيث انفضوا إلى اللهو والتجارة ورغبوا عن الصلاة التي هي عماد الدين وأفضل كثير من العبادات لاسيما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروي أن ذلك قد وقع مراراً منهم ، وفيه إن كبار الصحابة كأبي بكر . وعمر . وسائر العشرة المبشرة لم ينفضوا ، والقصة كانت في أوائل زمن الهجرة ، ولم يكن أكثر القوم تام التحلي بحلية آداب الشريعة بعد ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فخاف أولئك المنفضون اشتداد الأمر عليهم بشراء غيرهم ما يقتات به لو لم ينفضوا ، ولذا لم يتوعدهم الله تعالى على ذلك بالنار أو نحوها بل قصارى ما فعل سبحانه أنه عاتبهم ووعظهم ونصحهم ، ورواية أن ذلك وقع منهم مراراً إن أريد بها رواية البيهفي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان أنه قال : بلغني والله تعالى أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات فمثل ذلك لا يلتفت إليه ولا يعول عند المحدثين عليه ، وإن أريد بها غيرها فليبين ولتثبت صحته ، وأني بذلك ؟ا وبالجملة الطعن بجميع الصحابة لهذه القصة التي كانت من بعضهم في أوائل أمرهم وقد عقبها منهم عبادات لا تحصى سفه ظاهر وجهل وافر .